رؤية المغرب من أجل إفريقيا الواعدة

رؤية المغرب من أجل إفريقيا الواعدة
الأحد 26 نونبر 2017 - 03:16

في سنة 2011 وضعت مجلة “ذي إيكونوميست” البريطانية على غلافها عنوان: “إفريقيا الواعدة”، والمقصود منه أن القارة السمراء تملك موارد طبيعية هائلة لم يستغل معظمها بعد، ما يؤهلها لأن تصبح “سلة غذاء العالم” وأن تقود “قاطرة الاقتصاد العالمي” في المستقبل.

وبحسب التقرير السنوي، الذي أصدره البنك الإفريقي للتنمية عام 2013، فإن الموارد الزراعية والطاقية والتعدينية في أفريقيا، التي لم يستغل معظمها بعد، هي مفتاح تسريع النمو الاقتصادي للقارة.

لذلك، فإن إفريقيا أصبحت محل أطماع عدد من دول العالم. فبعدما كانت فرنسا ودول أوروبية أخرى حاضرة فيها بقوة اقتصاديا، عن طريق شركاتها الكبرى التي تستثمر في مجال الطاقة والمعادن والفلاحة والاتصالات والخدمات الفندقية، ناهيك عن حضورها العسكري، فإن الصين واليابان وإسرائيل ودولا من الخليج تحاول الآن أن تضع قدما لها في القارة السمراء.

غير أن هذه الدول الغربية المستثمرة في إفريقيا، من خلال مشاريعها الاقتصادية الكبرى، تجني أرباحا طائلة على حساب دول إفريقية مازالت تعاني مشاكل الفقر والمجاعة والأوبئة والأمراض وويلات الحروب الأهلية والنزاعات الطائفية، وهذا ما يفسر الشراكة غير المتكافئة بين الشمال والجنوب، التي تحكمها المصالح الأجنبية بمنطق استعماري يقوم على الاستغلال ونهب الثروات.

إن الغرب لا تحكمه الأخلاق في علاقته مع دول افريقيا، ولا تحركه القيم والمثل، ولا يسعى إلى بناء علاقاتٍ إنسانيةٍ محترمةٍ معها إيماناً بذلك، وإقراراً بحقها في الشراكة معه على قاعدة المساواة، والشراكة الحقيقية المتزنة بين الشعوب، بل إن علاقته تقوم في أصلها القديم والجديد على الاستغلال.

فإفريقيا تتوفر على موارد طبيعية من نفط وثروات معدنية وفلاحية. ولهذا، فإنه لا بد من علاقة جديدة مع إفريقيا تبعدها عن الهيمنة الاقتصادية التي اعتادت عليها، وتحميها من النهب والاستغلال، وإغراق أسواقها بمنتجات الغرب وفق الأسعار التي يريد.

فالغرب لا يريد علاقةً مع إفريقيا تقوم على الاحترام المتبادل والنفع المشترك، إنما يريد علاقة تقوم على المصالح والنفع الخاص، وحيث تكون مصالحه تتوجه علاقته. فمنذ عقود والغرب ينهب خيرات إفريقيا، ثم يعيد بيعها لها بأسعار باهظة وأثمانٍ عالية، بما يرهق السكان ويدمر اقتصاد البلاد، ويفرض عليها تبعية وتخلفا، ويرتب عليها ديوناً تفقدها استقلالها وتجبرها على بيع مؤسستاها العمومية الاستراتيجية إلى الشركات الخاصة.

غير أن المغرب في شراكته الاقتصادية مع إفريقيا اختار نهجا تنمويا في إطار التعاون جنوب-جنوب، وعلى أساس المصالح المشتركة التي تعود بالنفع على المغرب وشركائه الأفارقة، من خلال شراكة تضامنية ومتوازنة رابح-رابح. وهذا ما أكد عليه الملك محمد السادس في خطابه يوم الأحد 20 غشت 2017 بمناسبة الذكرى الرابعة والستين لثورة الملك والشعب.

وخير مثال على هذا التوجه الملموس، المشاريع التنموية الكبرى التي سبق أن أطلقها الملك محمد السادس في عدد من الدول الإفريقية بمنطق النفع المشترك للشعوب الإفريقية، وكذا إنجاز برامج التنمية البشرية لتحسين ظروف عيش المواطن الإفريقي. كما تكللت هذه السياسة الجديدة والعقلانية للملك محمد السادس برجوع المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، والموافقة المبدئية على انضمامه للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، في إطار تحقيق اندماج اقتصادي إقليمي من أجل مستقبل إفريقيا.

فرغم انسحاب المغرب من المنظمة الإفريقية لما يقرب عن ثلاثة وثلاثين عاما، إلا أنه لم يقطع علاقاته الاقتصادية مع القارة الإفريقية، لأنه منذ أزيد من ثلاث سنوات والمملكة تسير في اتجاه الانفتاح الاقتصادي على القارة الإفريقية، في ظل العلاقات الاقتصادية الممتازة التي نسجتها مع العديد من الدول الإفريقية، ومن خلال أيضا ارتباط المملكة بجذورها وهويتها الإفريقية.

ذلك أنه، منذ بداية الاستقلال اتخذ المغرب مواقف ثابتة ومبادرات ملموسة لصالح إفريقيا، وخاصة من خلال: المشاركة في أول عملية لحفظ السلام في الكونغو سنة 1960، واحتضان مدينة طنجة، في السنة نفسها، لأول اجتماع للجنة تنمية إفريقيا، وإحداث أول وزارة للشؤون الإفريقية في حكومة 1961 لدعم حركات التحرير. وقد تم تتويج هذه الجهود بتأسيس منظمة الوحدة الإفريقية بمدينة الدار البيضاء سنة 1963، وكان المغرب من بين الدول الرئيسية المؤسسة لهذه المنظمة.

المغرب كان له الفضل الكبير في توحيد الصف الإفريقي وتحرير إفريقيا وتصفية الاستعمار والانتصار على نظام الميز العنصري، لأن التزام المغرب بالدفاع عن قضايا ومصالح إفريقيا ليس وليد اليوم، لكن يحكمه تاريخ مشترك حافل بالإنجازات لصالح مستقبل إفريقيا متحررة ورافعة لقاطرة النمو في الجنوب.

المغرب أيضا، كثاني مستثمر بإفريقيا بعد جنوب إفريقيا، يمكن له تسريع وتيرة التقدم الاقتصادي في ظل سياسة جنوب-جنوب، بما يعود بالنفع على المملكة وعلى دول إفريقيا.

*مدير مركز الرباط للدراسات السياسية والاستراتيجية

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • حقنة تنويم
    الأحد 26 نونبر 2017 - 03:47

    المغرب احتضن قادة الحركة التحريرية في افريقيا والجزاءر وساعد وساهم في الكثير من الاجابيات التي ترتبط بهذه القارة ونجد اليوم ان كل تلك الزعمات التي تكونت اوتمدرست في جامعات مغربية واكادميتها هم اشد واكثر عداءا للمغرب لماذا

  • بدون تعليق
    الأحد 26 نونبر 2017 - 05:16

    المشاريع التنموية الكبرى التي سبق أن أطلقها الملك محمد السادس في عدد من الدول الإفريقية….وكذا إنجاز برامج التنمية البشرية لتحسين ظروف عيش المواطن الإفريقي.
    ههههه مضحك

  • عبد الحق
    الأحد 26 نونبر 2017 - 07:07

    الدولة الغربية أو الصين أو الدول الخليجية لها من الامكانت ما تستطيع به الاستفادة من خيرات افريقيا ،سواء المادية كدول الخليج التي تستثمر عادة في مجال الخدمات غير أن الدول المتقدمة لمَ لها من امكانيات تكنولوجية كبيرة يمكنها أن تتفوق وتسحق أي منافس خاصة في القارة السمراء التي ما زالت تطئن تحت وطأة أثار الاستعمار والتبعية الاقتصادية والسياسية يجعل من تحررها اقتصاديا وسياسيا مرتبطا بواقفها تجاه الاحداث ،ففرنسا مثلا ما زالت تحافظ مستعمراتها بشكل آخر ففي بعض الدول ما زالت فرنسا تدفع لحد الان مرتباتهم رغم أنها دول غنية جدا بمواردها الخام كالذهب والفضة والاحجار الكريمة واليورانيوم ومع ذلك فان أفقر الدول حاليا في القارة
    الاستثمار يجب أن يكون في هذه الامور وبعد الاكتفاء الذاتي وسد الحاجات وأن يكون موجها لتغيير وجه المجتمع من وضع الى آخر أحسن وليس في بناء الفنادق والمنتزهات وأن تكون الدولة المستقمرة في وضع اقتصادي واجتماعي وسياسي جيد حتى لا تتعرض للضغوط والهزات ، فجل الاستثمارات في افريقيا هي لتلميع الصورة داخليا لا غير وبالتالي فان مآلها معروفا سلفا

  • الرياحي
    الأحد 26 نونبر 2017 - 11:52

    أشفق على عن حال المحللين المغاربة ، يارجل الصين تستثمر 450 مليار سنويا وأشترت ميناء في إفريقيا وأنت تحكي عن بعض المليارات "الريالات" من دولة متخلفة يعيش مواطنيها في فقر مدعق.نظرة تحقيرية للأفارقة وكأنهم لا يعلمون .هل سبق للكاتب أن أشترى ثلاجة أو تلفزة أو سيارة مكتوب عليها صنع في المغرب ؟ أتظن أن الإفريقي "غشيم" إنها هو أيضا مثلك..

  • WARZAZAT
    الأحد 26 نونبر 2017 - 14:56

    لم ينفعنا تقدم وإزدهار أروبا الأقرب منا دع عنك صحاري و أدغال أفريقيا النائية….فعلا قد تكون هناك همزات لسماسرة العقار و مافيات الكاشير و لكن خلفيات هذا التوجه عسكرية محضة لمحاربة الارهاب/الشعوب….من هناك أتى عبيد البخاري و ''صلكان'' ومن يدري قد تكون هناك في الأجل القريب حاجة اليهم لتعمير الريف و باقي مناطق السيبة.

    كما أن الأمر قد يكون قوالب لتهريب الأموال. أكاد أجزم أن 99% من تلك ''الاستثمارات'' الأفريقية لا تصلها أبدا!!. لو أني ملياردير و طرح علي أن اختار بين شراء قصر في باريس أو كوخ في وغادوغوا….

  • بعد وحدة إفريقية يأتي دوربوذية
    الأحد 26 نونبر 2017 - 15:42

    يقول كاتب المقال 🙁 فالغرب لا يريد علاقةً مع إفريقيا تقوم على الاحترام المتبادل والنفع المشترك، …. وحيث تكون مصالحه تتوجه علاقته. فمنذ عقود والغرب ينهب خيرات إفريقيا، ثم يعيد بيعها لها بأسعار باهظة وأثمانٍ عالية، بما يرهق السكان ويدمر اقتصاد البلاد، ويفرض عليها تبعية وتخلفا) و السؤال اذا كان هذا هو حال إفريقيا فلمادا تقوم اجهزة السلطة بحملة بروباغدا كلما فتح غرب مشروعا بالمغرب ? تم ما الذي ستستفيده دول غرب افريقيا من المغرب و تقرير 2016 للتنمية البشرية يصنف بعضها في مرتبة احسن من المغرب اما بالنسبة للامية فمدرية التخطيط تضع ارقامها في 61 % فيما تقدر جهات مختصة الرقم ب70% و هو يجعل المغرب من كثر البلدان أمية في افريقيا,إن تفشي حالات سوء التغدية في المغرب يجعل من الاستثمار الداخلي قرار تجاري مربح وسليم يجنب صاحبه ويلات الطمع و ما قد يرافق ظروف الجوع التي اصبحت تستشري في البلاد.إن كل هذه الخطوات هي مشاريع تجارية تخدم مصالح خدام الدولة وشركاتهم

  • الرد على 5 ورزازات
    الأحد 26 نونبر 2017 - 16:26

    القليل من عناء البحث سوف يأكد لك أن الاصل في المنطة التي تتسمى بها (ورززات) هي ارض لزنوج و أن إستعمالك لوصف ( الصحاري) لا ينطبق على دول غرب افريقيا لان معضمها تسقط فيه بين 430 و 199 cmمن الامطار سنويا مقابل قطيرات في واحات ورززات واضطرار قبيلتك الورززاتية لتبني أسلوب الرعي و التنقل بحثا عن الماء, و كل هذه المعلومات متوفرة إلا لعلماني المستعمرات الذين ينظرون للانفسهم في المرآة و يرون ما يريدون رأيته و ويتجاهلون البقية .

  • WARZAZAT
    الإثنين 27 نونبر 2017 - 11:18

    @7

    تعليقي محاولة لفهم ما في نية يعقوب و ليس تهجما على الصحاري و الزنوج.

    المشروع الأفريقي هو كمشروع المجتمع المدني و الخصخصة و السكن الاجتماعي. معمعمة فارغة لتمرير ''القوالب''….كيف لشعب أحمق و جائع أن يساعد أحدا.

    نحن من هم بحاجة إلى الاستثمارات و المساعدات ألافريقية لا العكس. أغلب أفريقيا متقدمة و متحضرة منا. التعليم و الصحة في السنغال مثلا أحسن بكثير من المغرب. أجيال من المغاربة يذهبون هناك لتعلم الطب. أوغندا تصنع حافلات كهربائية…دع عنك دول ككينيا و زامبيا و تنزانيا.

    كل المغاربة خليط من أجناس مختلطة…هناك جزر من اقليات سمراء في واحات الجنوب…ليس في الجبال!!!… قد تعود إلى الأف السنين لكن أغلب المغاربة السمر جأوا ''حديثا'' من جنوب الصحراء و تمزغوا بعدها و تعربوا…لا وجود للغات سودانية في المغرب…الصحراء الكبرى حاجز جغرافي هائل مقارنة بالحوض الأبيض و لم يتجاوز إلا بعد القرن 16 عندما بدأ البرتغال و السعديون يستوردون جيوش العبيد.

    ورزازات/تنغير أفضل من كل مناطق المغرب رغم الصحاري و المخزن…على الاقل تنجمعوا الزبل و لا نعرف ظواهر كالكارينات و التشرميل.

صوت وصورة
التزامات "البام" لساكنة طنجة
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 23:40

التزامات "البام" لساكنة طنجة

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 21:00 1

لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي

صوت وصورة
أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:56 7

أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي

صوت وصورة
لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:08 14

لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 18:07 2

الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع

صوت وصورة
بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 17:16 3

بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا