إنه الرجل/النخلة الباسقة السامقة الخضراء أبدا، ضاربة الجذور متينا وبعيداً في الأرض والطمي والخلود. عنوان الهدوء والحكمة والتواضع. هو الطيب كالكلمة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء. أحببته دوما، وأَكْبَرْتُه في كل وقت وحين، وأنصتُّ إليه متعلما في مناسبات مختلفة، لأنه من طينة الكبار، طينة خاصة ومخصوصة، من أرومة وجبلة عزَّ نظيرها في الصبر والشدائد، والصلابة في المحن والامتحان، والمثابرة والعزم حين يخور العزم وتنطفي المثابرة. لم تفارقني لكنة الرجل السوسية الجميلة الشماء التي تحكي عن أصالة وفتوة وعنفوان وتاريخ انتماء مجيد إلى منطقة وربوع وادعة آمنة وقت الأمان، وشرسة في وجه المحتل والغاصب.
ظلت لكنته معي، تسكنني لأنني تَقَرَّيْتُ فيها السماحةَ العميقة، والحكمة الفارهة، ولمست فيها الإصرار على العهد والوعد والبعد المغربي الأمازيغي العظيم ممزوجا بالهدوء العالي، والاختيار الصائب للكلام الذي ينسكب من فمه كما ينسكب العسل من الشهد، والندى من الورد، والإيمان العميق بوطنه مثلما تنزل النسمة مباركة على السحنات في القيظ والقنوط.
لم يكن مندفعا ضاجا وثرثاراً لأنه خبر الحياة في صخبها وصمتها، وعارك التجارب قاسيها وغضها في المنافي، وإبان المطاردات. كما أنه لم ينثنِ لحظةً ولم يتقهقر ويعتذر عما آمن به طيلة عقود شارفت على الحول بتمامه لأنه انخرط في معمعان النضال ذي الوجهين: نضال التحرير من ربقة الاستعمار وهو قائد ومقاوم كبير في صفوف جيش التحرير المغربي، ونضال التحرير من وكلائه وسفرائه في البلاد، ومن تلك الطغمة الجشعة التي جثمت على خيرات البلاد تأكل الزرع ولا تُبْقي، وتحلب الضرع ولا تَرْتَوي.
هما جهادان ـ إذاً ـ قادهما وانخرطا فيهما بحنكة المناضل الفذ المجرب العارف والمكتوي، الصابر والمحتسب. لِذا، استحق الإكبار والتبجيل والتقدير من سائر الأطياف، ومن مختلف السواقي والمشارب السياسية والإيديولوجية. ظل ثابتا واقفا بكبرياء وتواضع ووثوق، يُلْهمُ. وسيظل حيا في ذاكرة التاريخ والوطن والأجيال، يُقَوِّمُ بروحه وفكره وتعاليمه وصبره وتواضعه، ويُتَمَثَّلُ قائدا ومناضلا شهما وحكيما، ومنافحاً لا يكل عن قيم العدل والحرية والديمقراطية، والعيش الكريم للمعذبين في الأرض.
رحم الله المناضل القائد محمد بنسعيد، وكساه رداء الجنة، وجزاه أوفى الجزاء على ما قدمت يداه.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
يحفظ له التاريخ أنه أول برلماني طرح مسألة المغيبين في “قبو تازماما رت”، ودعا باستمرار إلى تصفية ظاهرة الاعتقال السياسي والكشف عن مصير المختطفين.
..