سؤال القيم في المدرسة العمومية

سؤال القيم في المدرسة العمومية
الإثنين 22 يناير 2018 - 11:59

من العلل التي تعاني منها المنظومة التربوية اليوم، انفصال التربية عن التعليم، مما جعل المدرسة العمومية تخفق كثيرا في إخراج المواطن الصالح، الذي يجمع بين العلم من جهة، وأخلاق العلم من جهة ثانية. ولعل كثيرا من أنواع العنف الذي بدأ يستشري بشكل ملحوظ في جسم مؤسساتنا التربوية، إلى درجة أصبح معها يشكل ظاهرة اجتماعية تعيش على إيقاعها عدد من المؤسسات التعليمية، راجع في جانب مهم منه إلى انفصال التربية عن التعليم.

من الانحرافات التي ساهمت في تراجع العطاء التربوي، وساهمت في التشويش على قدسية العملية التعليمية داخل الصف الدراسي، القطيعة التي حصلت بين التعليم من جهة، والتربية من جهة أخرى، لهذا يجد سؤال لمن الأسبقية: للمعرفة أم للقيم؟ مبرره اليوم، وبالتالي هل ينحصر دور المدرسة في تعليم التلميذ وشحنه بمعارف وكيفايات جديدة؟ أم من واجبها أيضا وفي نفس الوقت، تربيته على الفضائل والرقي بأخلاقه؟ وبعبارة هل المدرسة كما هي مسؤولة على تعليم التلاميذ، مسؤولة أيضا على تزكية أخلاقهم، وتربيتهم على القيم؟.

يعود مبرر طرح سؤال القيم على المدرسة العمومية، إلى حال التعليم المعاصر، الذي أصبح يعاني حقيقة مشكلة عنوانها انحسار الأخلاق والتربية، وتعليم لا تقوم فلسفته على التكامل بين القيمي والمعرفي، لا يحقق المتوازن بين قدرات المتعلم المادية ومتطلباته الأخلاقية والقيمية، وذلك يخرجه عن الفطرة الإنسانية السليمة، التي تقوم على التعاضد بين المادة والروح، والعقل والقلب، والمعرفة والقيم، وإنسان لا يعير أي اهتمام للجانب الأخلاقي في العملية التعليمية، يشكل خطرا حقيقيا على نفسه وعلى الناس من حوله، وهذه معضلة ينبغي الالتفات إليها، ومعالجتها لأن وللأسف قد تخرج أفواج من حملة العلم، لكنه لا يحملون أخلاق العلم ذاته، وإلى هذا أشار عبد الحميد فايد: “نرى أن التعليم ليس هو التربية، بل هو جزء منها، إن التربية هي مساعدة جميع قوى الفرد وملكاته، وتنميتها بمختلف الطرق والوسائل حتى يتمكن من حياة سعيدة كاملة في مجتمعه ووطنه، وتشمل الجوانب الحسية والعقلية والخلقية والجمالية، بينما التعليم الذي يؤلف جزءا من عمل التربية العقلية، فهو يرمي إلى كسب المعرفة والمهارة والدراية بعلم من العلوم، وفن من الفنون وحرفة من الحرف، ولغة من اللغات”.

فبالعودة إلى المصادر الخالدة لهذه الأمة، نجدها تتميز بنظرة شمولية استيعابية لكل الجوانب المكونة للشخصية الإنسانية، وتحرص على التلازم بين المعنوي والعلمي، ويبن الروحي والعقلي، بل نجد التصور الإسلامي يقدم التربية على التعليم، على اعتبار أنها أشمل منه، وأنها الغاية والمقصد العام من العملية التعليمية، والمتمثلة في إخراج الفرد من حال الجهالة إلى حالة المعرفة والكرامة، كما في قوله تعالى:”هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة” يقول الشاطبي:”والشريعة كلها إنما هي تخلّق بمكارم الأخلاق، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم:”إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، تين إذن أن المقصود الشرعي من الرسالة الخاتمة، هو مقصد أخلاقي بامتياز.

ولهذا فالعلم غير المسدد بالتربية، وغير المستند إلى الأخلاق، مؤهل صاحبه لاستعماله في غير محله، وقد يوظفه في عكس ما يهدف إليه العلم نفسه، من تخريب وتدمير، فالعلم بغير أخلاق يورد صاحبه المهالك، لأنه يفسد أكثر مما يصلح، ويفسد من حيث يضن أنه يصلح، لهذا ينبغي أن تحتل منظومة القيم محل الصدارة من العمل التربوي التعليمي.

ومع الأسف فإن ما نسجله ونعيشه يوميا باعتبارنا فاعلين في الحقل التربوي أن مؤسساتنا التعليمية اهتمت أكثر بالوظيفة المعرفية التعليمية، في حين قل اهتمامها بالجانب القيمي والأخلاقي.

من هنا فإن الاجتهاد التربوي، الذي تقتضيه الرؤية التجديدية، أو الرؤية التي تتوخى إصلاح المنظومة التربوية، هو العمل على إعادة الصلة واللحمة بين الجانب المعرفي التعليمي والجانب الأخلاقي القيمي، وهذا ميدان ينبغي أن توجه إليه أعمال المفكرين التربويين، والمصلحين المهتمين بالحقل التعليمي في بلدنا.

وبقراءة متأنية في نماذج من القرآن والسنة، يبدو بجلاء جوهر هذا المنهج الجامع الذي يحتاجه واقعنا المعاصر لإعادة بناء منظومته الحضارية، التي انفصل فيه العلم عن القيم فكان وبالا على البشرية، فقد ذكّرنا الخالق سبحانه وتعالى بنماذج يتجلى فيها الاتصال والانفصال بين المعرفة والقيم ، وما ترتب عن ذلك من نتائج، عبرة لمن يعتبر.

ـ فقد اغتر قارون بعلمه و ماله الذي كانت مفاتح خزائنه تنوء بالعصبة أولي القوة قائلا “إنما أوتيته على علم عندي” قال تعالى: “فخسفنا به وبداره الأرض” .

ـ وبارك الله في علم ذي القرنين وصنعته وخبرته حيث ربط بين الخبرة وتوفيق الله تعالى في بناء سد يأجوج ومأجوج قال تعالى: “فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا” ، فلم يغتر بتفوقه بل قال: “قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكا وكان وعد ربي حقا”.

ـ وتقبل الله تعالى من ابن آدم الذي قال: “إنما يتقبل الله من المتقين” ، ولم يتقبل من الآخر الذي الذي اتكل على خبرته التي لم تمنعه من رد الفعل القاسي اتجاه أخيه حين قال “لأقتلنك”.

وهذا شأن المعرفة المنفصلة عن القيم، فهي لا تمنع صاحبها من الوقوع في الظلم، والشواهد في عصرنا كثيرة تكشف فظاعة العلم حين ينفصل عن القيم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • صاحب الدار للدف ضارب...
    الإثنين 22 يناير 2018 - 13:30

    العلاقة المتوترة ببن الاساتذة والتلاميذ ساهم فيها انحدار بعض المؤطرين الى مستوى المراهقة المتأخر وتبادل الحساب الالكتروني مع تلاميدهم والحديث معهم لساعات متأخرة من الليل وتبادل النكات الساقطة والصور الجريءة بل ومنهم من يقيم العلاقات العاطفية مع من المفترض فيه ان يكون ابا لها لا أن يستغل سذاجتها وقلة خبرتها وهو لايدري ان قلة خبرتها تجعلها تتباهى بهذه العلاقة بين زميلاتها من نفس الفصل بل وتطلعهم على محتوى المحادثات الغرامية التي جمعتها بالاستاذ .

  • طنسيون
    الإثنين 22 يناير 2018 - 14:34

    المشكل في النظام التعليمي هو كونه يظل حبيس منظور تقليدي متخلف مرهون باجترار مناهج وبرامج وطرق و وسائل وآليات تقويم أكل عليها الدهر وشرب. لم يعد هذا النظام نافعا للتربية ولا للتعلم. ما جعل من المدرسة فضاء منغلقا لا يواكب ما يحتويه رغبات المتعلمين وطموحاتهم. بل هو العكس أقصغى وهمش الحوافز وقتل الرغبة و أعدمها وجعل من الحياة المدرسية موتا بطيئا للمدرسة وللتعليم. فكيف نتكلم عن تربية بتعليم تعسفي عقيم ؟ كيف نتكلم عن تكوين وتأهيل مواطن المستقبل بتعليم تقليدي متخلف ؟

  • راي1
    الإثنين 22 يناير 2018 - 23:01

    المدرسة عموما والمدرسة الاولى بالخصوص هي الحضن الاساسي الذي تتكون فيه شخصية الانسان وتتحدد فيه معالمها الرئيسية.وهذا ما عبر عنه التحليل النفسي بالقول بأن الطفل ابو الرجل.بمعنى ان مرحلة الطفولة الاولى وما يكتسبه الطفل خلالها من سلوكات وقيم وافكار وطرق انفعال هي التي تحدد ملامح شخصيته المستقبلية.ولهذا السبب نجد الشعوب المتقدمة تعطي الاولوية في هذه المرحلة للتربية على قيم الخير والجمال والحق على المعرفة حتى يتأتى تحقيق الانسجام بين مكونات الشخصية.فطبيب او مهندس او استاذ او مخترع او انسان كيفما كان موقعه بدون أخلاق لا فائدة من تعليمه.

  • sifao
    الثلاثاء 23 يناير 2018 - 22:06

    الفصل بين التربية والتعليم لا يمكن ان يكون الا تعسفيا،كل فعل تعليمي تعلمي يكون مصحوبا ضرورة بفعل تربوي له قيمة اخلاقية،حتى في المواد التي قد يُنظر اليها على ان محتواها معرفي صرف كالرياضيات والفزياء والكمياء و…بالاضافة الى المواد الاخرى ذات المضامين الاخلاقية الصريحة كالتربية الاسلامية والتربية على المواطنة وكثير من النصوص الادبية الخ ،من خلال درس الرياضيات ،مثلا،نعلم للتلميذ قيمة الصدق في الاحكام وتحليل المعطى قبل اصدار الحكم …في الفزياء ، مثلا ، نعلم له دقة الملاحظة والتجرد عن الذات في بناء الفرضيات و…وكل هذه الامور لها دور في بناء العلاقات الاجتماعية والبناء النفسي السوي للتلميذ،مشكلة القيم في المدرسة المغربية لها جذور اجتماعية ، تخلي الاسرة عن دورها في التربية والتكوين ، ورواسب ثقافية ، تمجيد العنف المقدس من خلال بعض المواد الدراسية،التربية الاسلامية والتاريخ ، بالاضافة الى السياسة التعليمية الفاشلة للدولة والفهم الخاطئ لمسألة "حقوق الانسان" لدى غالبية التلاميذ ، كثير منهم يعتقدون ان من حقهم ان يغشوا في الامتحان مادام ابن فلان وفلان نجحوا عن غي استحقاق مثلا…

  • راي1
    الجمعة 26 يناير 2018 - 22:29

    فعلا سيفاو المعطيات التي تدخل في تكوين الطبيعة الانسانية ذات طبيعة بنيوية متعالقة ولا يمكن الفصل ما بينها.كما انه يتوجب الا يتم التركيز على اثارة واظهار وتنمية بعضها واهمال الجوانب الاخرى اوتهميشها.ففي السنوات الاخيرة انتبه الفرنسيون الى خطأ المناهج التعليمية الموجهة الى الشعب العلمية بسبب تهميشها للمواد الادبية والفنية.فقد لوحظ بان هذا التهميش يؤثر على شخصية المتعلم وبحيث تعاني من نقص على المستويات الوجدانية والعاطفية.فالتربية التي تتجه الا الى العقل وتهمل الجوانب الجسدية والوجدانية والنفسية والاخلاقية تصنع انسانا معطوبا.اما عن التربية على الفضيلة فما لم تتضافر الاسرة والمدرسة وحتى الشارع من اجل القيام بها فانها تفشل لا محالة.

صوت وصورة
تسليم السلط بين أخنوش والمنصوري
السبت 17 أكتوبر 2026 - 13:36

تسليم السلط بين أخنوش والمنصوري

صوت وصورة
فتاح العلوي تودع وزارة المالية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 13:18

فتاح العلوي تودع وزارة المالية

صوت وصورة
وزير النقل: مغرب يسير بسرعة واحدة
السبت 17 أكتوبر 2026 - 12:32

وزير النقل: مغرب يسير بسرعة واحدة

صوت وصورة
حاتيمي يكشف أولويات وزارة الفلاحة
السبت 17 أكتوبر 2026 - 11:21

حاتيمي يكشف أولويات وزارة الفلاحة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تطلق "دار عوالم الكتاب"
السبت 17 أكتوبر 2026 - 11:08

أكاديمية المملكة تطلق "دار عوالم الكتاب"

صوت وصورة
المزواري يتسلم قطاع الصيد البحري
السبت 17 أكتوبر 2026 - 10:30

المزواري يتسلم قطاع الصيد البحري