سبتة المحتلة : رؤية من الداخل

سبتة المحتلة : رؤية من الداخل
الثلاثاء 8 يونيو 2010 - 20:41

وأنا في الطريق صوب مدينة سبتة السليبة انتابني شعور عميق بالقلق والتوتر واجتاحت ذهني مجموعة من الأسئلة بعضها مستمد من التاريخ والبعض الأخر من الجغرافيا وأكثرها عن الوطن وحدوده عن التراب ووحدته،عن الإنسان وكيف تم فصله عن جذوره وعزله الشاذ عن محيطه.


وما إن وطأت قدماي الثغر المحتل حتى ازداد هاجس السؤال لأجد نفسي أدخل في لعبة المقارنات علها تسعفني في رصد أجوبة عن تساؤلاتي. وأول ما أثار انتباهي تلك المفارقات الصارخة وحضور ثنائية


شمال – جنوب داخل رقعة جغرافية لا تتجاوز مساحتها 19,48 كلم مربع، هذا التقسيم الممنهج من طرف السلطات الاستعمارية، جعلت من سبتة مدينة بوجهين، شمال متقدم تحتله ساكنة اسبانية وهو صورة طبق الأصل للمدن الأوربية بكل تجلياتها، وجنوب مهمش ومتردي يسكنه أصحاب الأرض أغلبهم يعانون التهميش في كل المجالات في العمل، في السكن في التعليم الخ، إنهم ضحايا الفقر والبطالة . وهنا يتجلى العمق التميزي للسلطات المحتلة في تدبيرها وتسييرها للثغر قد يذكرنا بمنهج القوى الإمبريالية الاستعمارية القائم على تقسيم المستعمرات إلى جزء نافع مليء بالثروات وأخر غير ذلك.


سبتة كمدينة تصر رغم أنفها على أن تشعرك بالذل والإهانة من طرف محتليها في كل مكان تحل فيه، وأنت جالس في المقاهي أو داخل المطاعم أو المحلات التجارية تطاردك نظرات تنضح حقدا وكراهية اتجاه المغرب والمغاربة. هذه حقيقة مؤلمة وتزداد إلاما عندما تتطلع على أرقام الرواج التجاري والاقتصادي الذي تعرفه المدينة المحتلة وقوده الأساسي أموال المغاربة خاصة إذا علمنا أن المدينة تعيش بالأساس على أنشطة تهريب البضائع الذي يعد أحد المحركات الاقتصادية الرئيسية لها. ورغم أنه لا توجد إحصائيات مدققة حول الصادرات غير القانونية لمدينة سبتة تجاه المغرب، إلا أن بعض المحللين الاقتصاديين الإسبان يؤكدون أن الرقم يتجاوز بكثير 500 مليون أورو سنويا.


ومن بين الملاحظات التي يمكن أن يلاحظها أي زائر لهذه المدينة هو ظهور مؤشرات على وجود أزمة اقتصادية حقيقية تتجلى أساسا في تراجع القدرة الشرائية للمواطنين خاصة ساكني الرقعة الجنوبية من المدينة بالإضافة إلى تراجعات كبيرة وتذبذبات في مؤشرات الأسواق التجارية بسبب الأزمات المالية المتتابعة التي يعرفها الإتحاد الأوروبي بشكل عام واسبانيا بشكل خاص.


تدهور اقتصاد سبتة وإصابته بالشلل يزداد بشكل أسرع خاصة بعد انطلاق الاستغلال بميناء طنجة المتوسطي، هذا المشروع الضخم الذي يخفي في حد ذاته صراعا اقتصاديا وسياحيا بين إسبانيا والمغرب سيدخل في منافسة اقتصادية شرسة مع ميناء الجزيرة الخضراء الإسباني وميناء سبتة، لكونه سيمتص جزءا من حركة الملاحة الدولية التي تستفيد منها إسبانيا. كما أن عزم المغرب مواصلة إصلاحاته السياسية وفتح أوراش ضخمة لتأهيل مناطق الشمال كتشييد وتمديد شبكات الطرق السيارة، بناء وتقوية شبكة السكك الحديدية، تقوية البنيات التحتية الأساسية، بناء ملعب ضخم بمدينة طنجة، سيربك الحسابات الاقتصادية والتجارية لجارنا الشمالي في المدينة المحتلة.


تشديد الخناق على سبتة امتد أيضا إلى الجانب السياحي حيث المشاريع العملاقة التي ينجزها المغرب ستعزز العرض السياحي المتوسطي للمغرب وستكون لها انعكاسات إيجابية على المدى المتوسط والبعيد، خاصة إذا علمنا أن المناطق الشمالية تتوفر من خلال موقعها الجغرافي الاستراتيجي وإمكانياتها الطبيعية والثقافية، على جميع المؤهلات التي تجعل منها وجهة سياحية متميزة.


هذا التراجع المستمر في اقتصاد المدينة أثار قلقا كبيرا داخل أوساط المستثمرين ورجال الأعمال والساسة الإسبان حيث بدؤوا يتخوفون على مستقبل مشاريعهم المرتكزة بالأساس على السلع الغذائية والملابس والتجهيزات المنزلية التي تمر يوميا عبر معبر باب سبتة قبل أن تتفرق على معظم التراب المغربي، وباتوا يشعرون بأنه بعد سنتين ستنمحي الفوارق الجمركية بين المغرب والإتحــاد الأروبي وستنقطع المداخيل الهائلة التي يدرها التهريب نحو المغرب. هذه المعطيات الجديدة ستخلق وضعا جديدا سيدفع بلا شك المسؤولين الإسبان إلى التفكير في بدائل أخرى كتقوية البنيات التحتية وتشييد المزيد من المنتجعات السياحية والوحدات الفندقية والتي تهدف بالأساس تحويل المدينة إلى منطقة سياحية لا تعتمد فقط على تهريب السلع نحو المغرب.


لكن رغم كل الإجراءات التي يمكن أن تتخذها السلطات الإسبانية لإنقاذ سبتة المهددة بالانهيار عبر حقن اقتصادها المصطنع بمقومات الحياة، إلا أنه أكاد اجزم أن تأهيل المنطقة الشمالية والاهتمام بها اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وخلق بنيات سياحية عالية الجودة سيكون الضربة القاضية للسلطات الإستعمارية وحينئذ يمكن للاقتصاد أن يحل مشاكل الاحتلال.


ولا يخفى على أحد أن العمل الجدي لاسترجاع الثغرين يبدأ من بناء قطب اقتصادي في الفضاءات المحيطة لسبتة ومليلية عن طريق تقوية واستمرارية الأوراش الكبرى وتنشيط المسلسل الدؤوب الذي باشره المغرب لتحسين واجهته المتوسطية.


بالإضافة إلى هذه المقاربة المبنية على المنافسة الاقتصادية يحتاج ملف سبتة ومليلية السليبتين اللتان مر على احتلالهما أزيد من 500 سنة والتي لا يوجد أدنى مؤشر على قرب تصفيتهما ولو على المدى البعيد إلى وضعه قيد الحوار مع إسبانيا، من أجل تصفيته نهائيا.


صحيح أن السلطات الإسبانية تراهن على بقائها المستدام بالمدينتين، لكن من واجب السلطات المغربية والمسؤولين المغاربة، حكومة وأحزابا ومجتمعا مدنيا ووسائل الإعلام ومواطنين، التفكير الجدي في أنجع السبل لاسترجاعهما، والشروع منذ الآن في التصدي للسياسات الإسبانية الرامية إلى تسريع “أسبنة” سبتة ومليلية.


[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • malika
    الثلاثاء 8 يونيو 2010 - 20:45

    salut
    je voulais juste te féliciter sur cet article j étudiée avec toi à la faculté de Meknes et ca m a fait vraiment plaisir de te voir sur la page de mon journal préféré hespress .j aime bien ton style et la façon dont vous développer votre idée. je te souhaite une très bonne continuation.

  • ولد الحومة والدرب
    الثلاثاء 8 يونيو 2010 - 20:47

    الى الاخ صاحب المقال رشيد بداوي اقول لك سيدي الفاضل ان نظرة وتحليلك ظلا يتخبطان في السطح ولم تدخل الى العمق .واظنك قمت بزيارة ميدانية نهارية .لان ليل سبتة ليس كنهارها حيث الخفافيش تنام استعدادا لليل.
    ان التقسيم والفرق الدي اثار انتباهك بين شمالها المزدهر وليلها المتخلف لا يد في للحكومة المحلية وانما هو ناتج عن اهداف وطرق كل فئة . والعكس هو الصحيح بحيث يمكن لاي كان ان ينتقل يتجول بل يسكن ويقيم مشروع في الشمال ولكن المرور الى الضفة الجنوبية (بريسيبي وما حولها)يتطلب المستحيل.لان سكان الجهة يتصفون بعنصرية غريبة وكل زائر فهو جاسوس .لان تجار المخدرات والمافيا واللصوص يؤمنون مناطقهم حتى الامن الإسباني لا يستطيع الدخول هناك لدرجة ان البرامج التلفزية والروبرطاجات تتكلم عنها كانها حي من المغرب او امتداد للفنيدق.
    اما من حيث التهريب فعلاوة على كون سكن سبتة دووا الاصول المغربية هم من يرعى هدا النشاط الدي ان كان يضر الاقتصاد الوطني فانهم يقومون بنشاط معاكس يفيد اقتصاد المنطقوة ومناطق اكثر عمقا الا وهو العشبة السحرية. والتي تغزو الاسواق الاروبية.
    بالمناسبة كلما تم تشديد تصديرها للخارج كلما اصبحت عندنا في متناول الجميع مثل الطماطم وقت الحصار بحيث تتفنن امهاتنا في الطبخ بها من سلاطات ومقليات ومربى . المهم اطلب من الاخ صاحب المقال ان يعطي الموضوع عمقا اكثر وموضوعية اكثر . ارجو النشر .ملحوظة لست من سكان المنطقة ولكن ملاحظ محايد .

  • Tareq-Casablanca
    الثلاثاء 8 يونيو 2010 - 20:49

    Pour Haythamovic
    Je pense que tu travail pour le service de securite espagnole. Ecoute, on va recuperer les deux villes le plus tot possible et avec tous les moyens. On a rien a perdre. Maintenant nous sommes au bout de finir avec les pays du block de l’Est (Algerie, Lybie, Iran, Syrie, Cuba….) qui payent cher pour maintenir les mercenaires du polikhario, et par la suite on va negotier avec la France pour liberer le Sahara de L’Est. Sebta et Mlelia naturalemnt et facilement revienderont a leur mere partie, Le Maroc et ce ne va durer que quelques annees, tout simplement parceque le dossier du territoire marocain et non seulelemnt entre les mains du Roi comme avant avec HassanII, mais tout le peuple de Tanger a Laguira. No way but the liberalization of all Moroccan territory.

  • كابيلا
    الثلاثاء 8 يونيو 2010 - 20:53

    شكرا أ سيدي على مقالك الزوين على سبتة بالفعل والله انا أسكن في سبتة ولدية جنسية إسبانية صحيح ما تقوله لقد تم خنق سبتة في السنوات الخيرة ونحن المغاربة هم من يؤدون ثمن هذه الأزمة وليس الإسبان المغاربة هم من يعملون في التجارة والتهريب الخ لدى اغلبية ضحايا الزمة يفكرون في الرجوع الى بلادنا والإستقرار فيهات نهائيا لأننا نحس بالحكرة تصور معي أنك تكون طالع في الدروج والسبنيولي تتحس به بغي إطرطق حيت انت مغربي سكن معه واه بزاف أصحبي.
    زيدون والله الصحافة المغربية لم تعطي الإهتمام الكافي لهذه القضية لاحظوا كيف أهتزت صحافة إسبانيا بمجرد تصريح عباس الكل تهكم على بلادنا وقاوا بالصوت الواحد المغرب راه غير كيهتر والمدينتين راهم إسبانيتين.
    أشكر جزيل الشكر كاتب المقال وأطلب منه المزيد والمزيد حول المدينتين المحتلتين لتحسيسي الرأي العام حول أهمية فتح نقاش وطني لإسترجاعهما.

  • jebli et fier
    الثلاثاء 8 يونيو 2010 - 20:59

    Souvenez vous de la parole d’Abdelkassem chabbi
    si le peuple veut la vie (le progrès), même le destin ou el mektoub change
    tout dépends de la détermination du peuple Marocain, si vous êtes défaitistes (inhizamyine) vous allez tout perdre, même ce que vous avez actuellement, si vous êtes des vainqueurs dans l’âme, vous allez tous gagner
    A chacun de choisir son camps

  • المصور راسو
    الثلاثاء 8 يونيو 2010 - 20:43

    تحية خاصة الى صاحب المقال، مهما حاول الاسبان تغييب سبتة ومليلية عن الذهنية المغربية فن ينجحوا مادامت هناك أقلام كقلمك تصر على ايقاظ أحزاننا ولما لا احلامنا في أن تعود الأرض إلى أرضها وأن تلتحق حبات رمل المدينتين بشاطئ الوطن الكبير مغربنا الحبيب.
    الأخ الرفيق رشيد بداوي، بالفعل لقد مقالك فيه عبرات الم من الماضي والحاضر وعبارات أمل في ماهو آت، قدرتك التحليلية جعلت قضية الثغرين المحتلين تبدو مفهومة من لدن جميع من سيطالعون هذا المقال، يبقى فقط أمل عظيم لدي في ان تصل رسالتك الى الجهاز المعلوم ويتحرك

  • أبوذرالغفاري
    الثلاثاء 8 يونيو 2010 - 20:55

    يقول التاريخ أن السلطان العلوي(اسماعيل) قد حاصر (سبتة)لمدة 50 سنة فلم يفلح في تحريرها.فهل يمكن تحريرهاب(الخنق) الأقتصادي؟والكل يعلم أن أول متضرر من هذا(الخنق)هم المهربون المغاربة أو مايطلق عليهم-شماليا-(البراكديا)-3 نقاط على الكاف-وأعرف شخصيابعض مغاربة سبتة الذي ينعمون بحياة هانئة وعيش رغيد وأقلهم يملك سيارتين..بل أن (الزبال)يتقاضى 1500 أورو شهريا عدا العلاوات والضمان الأجتماعي والتأمين الصحي زيادة على توفير التمدرس لأطفاله.ثم لاتنس أن (المخزن)نفسه يقتات من سبتة هاته وذلك من خلال رموزه المتواجدة بالديوانة..فهل يمكن أن تفسر لي كيف لجمركي بسيط أو شرطي بسيط يعمل بباب سبته أن يتوفر على الفيلا والطوموبيلا..بل هناك أخبارا متواترة تقول أن كل موظف في هذه النقطة الحدودية له(رب)يحميه من الرباط ويوفر له التغطية اللازمة اللأرتشاء والسرقة والنهب ؛فقط عليه أن يقدم الهدايا الثمينة والنفيسة لسيادة المسؤول المركزي المتواجد بالرباط..وأبحثوا عن أشخاص يعملون بباب سبتة سواءا بالشرطة أو الجمارك أو المخابرات ستجدون أن لهم صلات بأشخاص متنفذين بالقصر العلوي نفسه.تصوروا أن شرطيا عاديا يشتغل في باب سبتة والده يشغل منصب واليا للأمن في أحد المدن الشمالية الشرقية..فهل فهتم لماذا؟أعتمد على ذكائكم

  • ابو البراء الامازيغي
    الثلاثاء 8 يونيو 2010 - 20:57

    شوف السي بداوي حنا مكناكلوش التبن ولا مخ الضبع سبتة وما ادراك ما سبتة من خلال مقالم هكا تبرعت علينا ببعض الضحكات فلقد صورنها ومأنها خميس الزمامرة ولا ثلاث الكرت
    سبتة يعيش بفضلها نصف المغاربة أااااسي فلماذا تدعوا لاعادنها للمغرب حتى تدخل تحت الاستخراب المخزني المعروف
    علا من كضحك ابلك الضحكة الصفراء ديال بزز في التصويرة
    كان عليك وضع عنوان اخر صادق وهو سبتة رؤية مخزنية

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 2

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 15

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 4

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02 8

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة