سرطان الثدي عند النساء الشابات .. أزمة اجتماعية وآلام نفسية

سرطان الثدي عند النساء الشابات .. أزمة اجتماعية وآلام نفسية
الأربعاء 19 أكتوبر 2016 - 03:45

دائما في إطار شهر أكتوبر الوردي يعود الحديث عن سرطان الثدي ودور التوعية والتحسيس بأهمية الفحص المبكر؛ لكن هناك طبعا جوانب أخرى لهذا المرض لا يجب إغفالها، وهذه فرصتنا لنتناولها وكشف الغطاء عنها. في هذا المقال سنولي الاهتمام لحالات خاصة من سرطان الثدي، حين يصيب سيدات شابات في مقتبل العمر.

تصوروا معي فتاة في العشرين من عمرها مصابة بسرطان الثدي؛ حتى لو افترضنا أن مرضها تم تشخيصه في مرحلة أولية وأمكن علاجه بشكل جذري، كيف سيكون مصيرها بعد العلاج؟ كيف ستنظر إلى المرآة وهي بثدي واحد، خصوصا إذا كانت هذه المرآة مجتمعا ذكوريا لازال يعتبر المرأة متاعا يشبع غريزته الجنسية لا غير؟.. وحتى لو نظر إليها نظرة الأم الحاضنة فهي غالبا لن تكون قادرة على الإنجاب بسبب العلاج الكيماوي.

إذا كانت معاناة النساء مع سرطان الثدي تتمثل عموما في إمكانية العلاج وتوفره، فإن النساء الصغيرات في السن يعانين بشكل مضاعف وتستمر معاناتهن إلى ما بعد العلاج لوقت طويل.

المعروف عالميا عن سرطان الثدي هو كونه مرضا يصيب خصوصا النساء المتقدمات في السن، وقد يصيب الرجال كذلك، ولكن بنسبة ضئيلة جدا. وتبقى الحالات المسجلة عند النساء تحت سن الـ40 قليلة نسبيا، ولا تتعدى 8% في الدول المتقدمة. لكننا في المغرب لاحظنا ارتفاع نسبة سرطان الثدي بشكل ملفت عند النساء الشابات دون سن الـ40. وقد وصلت النسبة في بعض الدراسات 25%، وهي نسبة مرتفعة. وإن كانت هذه الدراسات جزئية ولا تمثل كافة التراب المغربي، فهي تعتبر مؤشرا على ظاهرة حقيقية يجب الوقوف عندها ودراستها بعمق لأن لها تبعات كثيرة.

السؤال الأول الذي سيتبادر إلى ذهننا هو سبب هذه الظاهرة طبعا. وحتى لا نعتقد أن هناك ما يميزنا عن باقي دول العالم تجب الإشارة إلى أن هذه الملاحظة تم تسجيلها كذلك في باقي دول شمال إفريقيا وأيضا في منطقة الشرق الأوسط. فهل الأسباب وراثية أم أنها مرتبطة بخصائص بيئية معينة؟.. للأسف الشديد لا يمكننا الإجابة بعد عن هذا السؤال. ولربما سيطول بنا الانتظار لأن معظم هذه الدول لا تصرف المال الكثير في البحث العلمي، وحتى في ظل المحاولات المحتشمة التي تقوم بها قد لا يحظى هذا الموضوع بالأولوية الكافية.

المهم، كيفما كانت الأسباب فهناك أمر واقع.. هناك حالات نعايشها باستمرار وتؤثر فينا كثيرا. في البداية يكون تركيزنا منصبا على العلاج، ولا نترك المجال للحيثيات النفسية والاجتماعية لتؤثر في قراراتنا؛ لكن سرعان ما ننتبه إلى الكارثة الاجتماعية التي تغاضينا عنها: شابات يافعات فقدن الأمل في حياة طبيعية مثل باقي النساء ووجدن أنفسهن وحيدات في مواجهة مجتمع لا يرحم؛ فبين نظرات الشفقة والهمز والغمز من جهة، وبين الصد والهجر مع كل محاولة لإيجاد شريك في الحياة من جهة أخرى، يعشن أياما كئيبة تكون الفرحة فيها مجرد لحظات عابرة، ويصبح الحزن سمة جلية.

حين نقارن هذه الحالات بمثيلاتها في الدول الغربية نجد فروقا عديدة؛ أولا من الناحية الاجتماعية، فالمرأة هناك تحتل مكانة متميزة أقل ما يقال عنها إنها شريكة الرجل في كل مناحي الحياة؛ فهي عضو في المجتمع مستقل بذاته، له طموحاته وأهدافه، ولا تتوقف حياته فقط على الزواج وتكوين الأسرة. ومن جهة ثانية فالرجل أصبح يرى في المرأة بالفعل هذا الشريك المتميز والضروري، وحين يقرر الارتباط بها لا يكون اختياره مبنيا فقط على الجمال والإثارة. وبالنسبة للإنجاب فهو ليس بالأمر المصيري كما هو الحال عندنا، كما أن البدائل موجودة ومقبولة من طرف الجميع بشكل أكثر من عاد.

إذن، يبقى الإشكال الوحيد مرتبطا بالحالة النفسية للمرأة وتقبلها لوضعها الجديد من الناحية الجسدية والوظيفية. وهنا أيضا نجد هذه المجتمعات تقدم كل الدعم والإحاطة. فهناك أخصائيين نفسيين يدخلون على الخط مباشرة بعد تشخيص المرض ويرافقون المريض طيلة فترة العلاج، وبعد ذلك يعملون على إعادة إدماجه في وسطه الاجتماعي والمهني.

ومن الناحية الجمالية يمكن إجراء عملية إعادة تشكيل الثدي في حالات الاستئصال، ولا تشكل التكلفة المرتفعة لهذا النوع من العمليات الجراحية أي عائق، لأنها طبعا مشمولة بنظام التغطية الصحية الذي يستفيد منه جميع المواطنين.

وحتى بالنسبة للخصوبة والإنجاب هناك دراسات عديدة وبحوث مستمرة لتجاوز هذه الأضرار الجانبية التي يسببها العلاج الكيماوي، والنتائج المتوفرة إلى حدود الساعة جد مشجعة.

الهدف من هذه المقارنة هو الوقوف على مدى معاناة المرأة عندنا في هذه الحالات؛ وإذا أضفنا إلى ذلك ارتفاع نسبة الإصابة، يصبح الموضوع بالفعل ظاهرة اجتماعية من المفروض أن تحظى بالاهتمام الكافي وأن تصبح من بين الأولويات.

بالطبع لن نصبح بين ليلة وضحاها في مصاف المجتمعات المتقدمة، فالطريق لازال طويلا وشاقا، ولكن على الأقل سنعرف ما يجب القيام به على المدى القريب والبعيد وعلى المستويين الاجتماعي والصحي للتقليل من معاناة المصابات وتحسين حالتهن النفسية وظروفهن المعيشية.

غير أنه لا يمكننا الاكتفاء فقط بالحلول الجاهزة المستوردة من الغرب كما نفعل بالنسبة للعلاج، فلمجتمعاتنا خصائصها وقيمها التي وجب التعامل معها كما هي… على الأقل في الوقت الراهن؛ لذلك نحتاج أولا وقبل كل شيء إلى توعية المجتمع بهذه الوضعية.

وإذا قررنا ألا نبقى متفرجين وننتظر التغيير، ما علينا إلا أن نسعى جميعا إلى المساهمة في التوعية بهذا المرض وجوانبه النفسية والاجتماعية، وأن نعامل السيدات اللائي شفين على أنهن نساء كاملات مررن بتجربة عسيرة ويحتجن إلى دعمنا وتشجيعنا وليس إلى شفقتنا وتوجسنا. ثم لنجعل من أيام هذا الشهر فرصة للتعبير عن إنسانيتنا وتكافلنا وإظهار حقيقتنا الروحانية التي ترى في هذا الجسد الفاني مجرد هيكل وليس غاية في حد ذاتها.

ومن هنا دعوتي لكل رجل شاءت الأقدار أن تجمعه بسيدة عانت من ويلات هذا المرض وكُتب لها النجاة والشفاء أن يفكر ألف مرة قبل أن يقدم على التراجع بسبب ماضيها الطبي أو نقصها الجسدي والبيولوجي، فلربما وجد معها سعادة لن يجدها مع باقي نساء العالم.

*أخصائي جراحة على السرطان

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • مغربيه بالسعوديه
    الأربعاء 19 أكتوبر 2016 - 05:22

    ليس سرطان الثدي الوحيد الذي يصيب الشابات مؤخرا علمت باصابة فتيات صغيرات واحدة بسرطان الرئة والثانية بسرطان الدماغ وتوفاها الله بالاضافة للوالد الذي توفي بالسرطان ايضا رحمه الله واسكنه فسيح جناته اصبحت كلمة سرطان تسبب لي الرعب ولكن لن يصيبنا الا ماكتب الله لنا والحمد لله والله يحفظ الجميع يارب

  • عبدالفتاح
    الأربعاء 19 أكتوبر 2016 - 07:20

    هناك عدة ابحاث علمية تفيد بأن ارضاع الأطفال قد يكون علاج طبيعي لسرطان الثدي

  • محمد
    الأربعاء 19 أكتوبر 2016 - 09:46

    ….فهل الأسباب وراثية أم أنها مرتبطة بخصائص بيئية معينة؟

    استمعو للدكتور الفايد و ستعرفون الجواب فهو بسييييط للغاية لكن لا حياة لمن تنادي

  • عصام من وجدة
    الأربعاء 19 أكتوبر 2016 - 11:38

    اللهم ابعد عنا البلاء و استر بناتنا و أمهاتنا و اخواتنا و ارزقهم الصحة و العافية.

  • mima
    الأربعاء 19 أكتوبر 2016 - 14:26

    المقال رائع وكنشكر بزاف لكتب

  • فارس الانوار
    الأربعاء 19 أكتوبر 2016 - 14:36

    انتظر ان يقفز ظلامي ويعلق على الصورة بدل الموضوع

  • الهام
    الأربعاء 19 أكتوبر 2016 - 15:42

    السلام عليكم عفاكم اللي عندو شي معلومة ايفيدني انا بغيت ندير الكشف انا سمعت هاد الفنرة كيكون مجانا ولكن ماعرفتش فين نمشي و شكرا جزيلا

  • Aziz
    الأربعاء 19 أكتوبر 2016 - 15:48

    les hommes dans cette société vont dire alors on aura droit à 8 femmes au lieux de 4. Ce qui est alarmant c'est les 25% dans les pays du maghreb et moyen orient???? à votre avis ….

صوت وصورة
خريطة جامعية جديدة
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 18:03 1

خريطة جامعية جديدة

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 2

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''

صوت وصورة
معاناة سيدي الطيبي
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 18:40 1

معاناة سيدي الطيبي

صوت وصورة
''الطاكسي'' وغلاء الوقود
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 15:54 3

''الطاكسي'' وغلاء الوقود