شخصية الدولة المغربية وبنية الاستبداد

شخصية الدولة المغربية وبنية الاستبداد
الخميس 14 يونيو 2012 - 18:17

تشكلت عناصر الدولة المغربية منذ أزيد من 12 قرنا، ولعل الاستبداد كان وما يزال أحد أهم العناصر المشكلة لشخصية الدولة المغربية؛ فالإسلام وإن أمر بالعدل في الحكم بين الناس، وحث على الشورى مبدأ لتداول الرأي في تدبير الشأن العام، وحذر من الظلم والبغي وأكل أموال الناس بالباطل، وجعل الشريعة سقفا لا يتجاوزه الحاكم، فإنه لم يضع لتصريف ذلك كله هيكلا عاما ولا مؤسسات تخضع للمساءلة ولا أمر بتحديد مدة الولايات ولا كيفية اختيار المسؤولين، بل ترك ذلك لاجتهاد المجتهدين بحسب تطور المجتمعات وتباين أعرافها واختلاف أنساق الحكم فيها، وهذا من مرونته وصلاحيته لكل زمان ومكان.

وبالرغم من استقلال مؤسستي القضاء والفتوى عن السلطة التنفيذية في العصور الذهبية لتجربة الحكم باسم الإسلام في هذه البقعة من العالم الإسلامي، فإن هذا الاستقلال لم يكن ليصمد طويلا أمام تغول سلاطين الجور، فانكمشت مساحة الفقه السياسي الذي يعتني بتطوير أجوبة الدولة ومؤسساتها وكل ما يتعلق بالحكم لصالح فقه العبادات والمعاملات.

ثم سار المجتمع في اتجاه مأسسة الاستبداد وترسيخه على جميع الأصعدة، فأنتج مؤسسة “الزاوية” التي تعتبر أخطر مشتل لإنتاج “القابلية للاستبداد” باسم الدين، حيث يتلقى المريد أوامر للتنفيذ ويخضع في جميع تصرفاته لإرادة الشيخ المربي ك”الميت بين يدي مغسّله”، لا اعتراض ولا نقد ولا إبداء رأي، وإنما هو إسلاس القياد للولي الذي يتدخل حتى في الشؤون الخاصة للمريد.

انتشرت الزوايا والطرق في المجتمعات الإسلامية عموما، وفي المجتمع المغربي، أرض الأولياء على وجه الخصوص، انتشار النار في الهشيم، حتى لا تكاد تجد حيا من الأحياء، بل ولا منزلا من المنازل، إلا وله ارتباط بإحدى تلك الزوايا وشيوخها، بهم يستغيث عند نزول الكرب، وعليهم يتوكل في قضاء الحاجات، وإليهم يرجع في دفع البليات.

أضحى الاستبداد عنصرا بنيويا في الدولة والمجتمع، وغالبا ما حصل تحالف بين رجال الدولة وشيوخ الزوايا كذلك التحالف الذي عرفته القرون الوسطى في أوروبا بين رجال الدولة والإكليروس، وإن لم يصل حد الطغيان والظلم الذي وصل إليه في أوروبا بسبب قيام مجددين ينفون عن هذه الزوايا انتحال المبطلين وجشع المشعوذين.
يشير العلامة ابن الموقت المراكشي(ت.1947) في كتابه الممتع “الرحلة المراكشية” إلى هذا التحالف في عدة مواضع، مثل قوله : ” إذا علمت هذا، فأين الفرق بين تمول هؤلاء المدعين للمشيخة بترهاتهم الباطلة وحيلهم الشيطانية لاقتناص الدنيا، وبين ولاة الوقت الذين جمعوا الدنيا بجرّ ذيول الظلم على الرعية، حتى أكلوا اللحم وشربوا الدم وامتشوا العظم وامتصوا المخ، ولم يتركوا للناس دنيا ولا دينا؛ أما الدنيا فقد أخذوها، وأما الدين فقد فتنوهم عنه بسبب أخذ ما بيدهم..”.

دخل الاستعمار بلاد المغرب فلم يفكر في تفكيك بنى الاستبداد، بل كرّسها من خلال تصدير نظام المخابرات والنظام البيروقراطي وتحديث مؤسسة الجيش وجعلها تابعة له، ثم وضع فقهاء القانون الدستوري الفرنسيون لمغرب ما بعد الاستقلال أول وثيقة دستورية تكرس الاستبداد بصورة صارخة.

في حضن هذا كله نشأت الأحزاب السياسية والجماعات الإسلامية والمنظمات اليسارية، السرية والعلنية، تحمل في أحشائها جينات الفساد والاستبداد، الزعيم الملهم والشيخ الذي لا ينطق عن الهوى والرفيق الثوري، الجميع يدعو إلى التغيير ويطالب بالديمقراطية والحرية والتوزيع العادل للثروة، في حين يمارس الاستبداد داخل المنظمة التي ينتمي إليها، ويزور نتائج الانتخابات الداخلية إن وجدت، ويكرس التبعية للقائد الذي لا يزحزحه عن موقعه إلا ملك الموت أو مرض “الشيخوخة المبكرة”.
بعد أحداث الحادي عشر من شتنبر، عملت الولايات المتحدة الأمريكية على إحياء مؤسسة “الزاوية” لمواجهة الإسلام السلفي المتهم في تلك الأحداث، فرأينا كيف تمّ إعادة تركيب السلطة الدينية على أساس دعم الزاوية لمؤسسة إمارة المومنين، وهو وإن كان سيحد من صولة الخطاب السلفي المتخشّب الذي انتعش في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، إلا أنه سيكرس مبدأ الاستبداد كما أسلفنا.

والحاصل أن نزوع الدولة نحو الاستبداد والتحكم ليس إراديا كما قد يتبادر، بل هو نزوع إلى “الطبيعة” التي نشأت عليها الدولة منذ قرون،واستجابة للعقل الجمعي الذي تشكل في حضن “الزاوية” التي تطورت بدورها في صورة حزب أو جمعية أو منظمة، وليس في مقدور حزب أو حكومة أن يصادم “شخصية الدولة”.

إن النخبة نفسها، بالرغم من شعارات الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان التي ترفعها، لم تستطع الانفكاك عن سلطان “العقلية الاستبدادية” المسيطرة، وهذا ما يفسّر الاندماج السلس لجزء من هذه النخبة في التركيبة التحكمية للدولة، واجتهادها في تفعيل المقاربة الاستئصالية لمواجهة الخصوم وضربهم وإغلاق مقراتهم والسكوت عن التجاوزات التي تلحقهم جراء تعسّف السلطة.

إن ثقافة الاستبداد مبثوثة في بعض متون الفقه، وفي المتن الذي يحدد علاقة الشيخ بالمريد، وفي المنهج الثوري الماركسي اللينيني، وفي النظام البيروقراطي الحداثي، وفي العلاقات الأسرية التي تكرس دونية المرأة، وفي المنهج التعليمي الذي يعتمد التلقين دون نقد أو إبداع واجتهاد.

لا أمل في تحقيق أهداف الربيع الديمقراطي ما لم يتم تفكيك ثقافة الاستبداد وإعادة تركيبها على أساس الحرية والكرامة والتوزيع العادل للثروة، على أساس (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا)..على أساس (يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم)..على أساس (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون)..

على أساس “لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض، إلا بالتقوى، الناس من آدم وآدم من تراب”..على أساس ” إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه”..على أساس “إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا”..

على أساس “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”..على أساس ” لو عثرت بغلة في العراق لخشيت أن يسألني الله لم لم أعبد لها الطريق”..على أساس ” أيها الناس أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم”..فمتى نحيي هذه الثقافة وننفض عنها الغبار؟ وندمجها في تعليمنا ومؤسساتنا التربوية والإعلامية والثقافية والفنية.

*عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • كاظم
    الخميس 14 يونيو 2012 - 20:30

    درس تربوي عقائدي و ديني يبعث على الاستيقاظ و يجعلني احزن

  • الدكتور الورياغلي
    الخميس 14 يونيو 2012 - 20:45

    لقد قاطعت هذا الموقع منذ نحو عام، ولكن اطلعني بعض الزملاء على مقالك ايها الكاتب فاستأذنته ان اخط اليك كلمات لإطرائك فيه.
    فجزيت خيرا على ما كتبته ورضي الله عنك ورحم الله والديك وكثر الله من امثالك

  • الآخر
    الخميس 14 يونيو 2012 - 22:45

    تحلبل صائب وفي الصميم. أتمنى أن أرى تحاليل مماثلة من حيث الرصانة انما من زوايا أخرى كقابلية الانسان المغربي للاستعباد.
    أقول ذلك لانني ألاحظ جاهزية أغلب المغاربة للا نبطاح والتخلي عن كرامتهم وكذلك أيسط حقوقهم الى درجة أصبحت أشك أن العدل والديمقراطية تمثل مطالب حقيقية بين أبناء بلدي.
    نحن اما انتهازيون, ريعيون, أو محابون… نتسول حقوقا تارة ونبيع الكرامة والشرف تارة أخرى… من أجل ما لا بسمن ولا يغني من جوع.
    قليل هم المغاربة الذين يباشرون قضاء حاجاتهم -على تفاهتها أحيانا- دون اللجوء الى الواسطة… متمادين في اذلال أنفسهم معرضين عن تكريم النفس كما أمرنا الله الخالق.
    نتملق لدوائر السلطة والمال على رغم معرفتنا المسبقة بعدم جدوى التكالب على صداقة من لا صديق له ولا قريب. شيوخ ومريدون على درجة أكثر رداءة من ثقافة الزوايا.
    لا يغير الله ما بقوم حتى…. يا شعبا …..

  • متابع للكاتب
    الجمعة 15 يونيو 2012 - 03:44

    استاذي العزيز لا يمكنك ان تلوم الدولة المغربية على استبدادها لان الدول قبل انتشار الفكر الديمقراطي خصوصا في القرن العشرين و ما تلاه كانت تقوم على الغلبة و التغلب لا فرق في ذلك بين الرومان و اليونان و الوندال و الفيكينغ و المغول و التتار و كل الاقوام في كل الامصار
    ان الاستبداد في الدول طيلة قرون كان شيئا طبيعيا الى حين بروز الفكر الديمقراطي مع ان زمن هذا الفكر لا يشكل شيئا امام تغول الفكر الشمولي الذي دام لقرون و قرون
    هناك في الاسلام مبادئ الشورى و العدل لكن فشل المسلمون طيلة اكثر من 1430 سنة على خلق المؤسسات لتصريفها بشكل جيد اي ان مشكلة الاستبداد انتقلت للمغرب ايضا عبر الامويين الذين ادخلوا الاسلام للبلد
    زد على ذلك استاذي العزيز ان تكريس الغلبة في الدولة المغربية كان في اغلب الاحيان مجرد رد فعل على حركات استبدادية تتغنى بالديمقراطية و هي الى الفاشية اقرب فالاشتراكية لم تكن ديمقراطية و الاسلام السياسي نفسه غرس حب الاستبداد في نفوس اتباعه و شرعنته بايات و احاديث و فقه الانحطاط فلا تبرؤوا انفسكم و انتم من جددتم قيم المحافظة في المجتمع مع انها قيم متشابكة و لا يمكن فصل بعضها عن بعض ..

  • النصير
    الجمعة 15 يونيو 2012 - 07:42

    الاستبداد لا يمكن مواجهته إلا بجماعة منظمة يربط أعضاءها النواظم الثلاث : المحبة في الله والشورى ثم الطاعة وليس تلقي الأوامر والتنفيذ الأعمى وليس كذلك الخضوع لشخص يقلب اتجاه "المؤتمرات" بقوة الاقناع ويؤثر في الآخرين ثم يسير أخيرا في ركب الاستبداد ويخدم مصالحه.

صوت وصورة
أول الفهم | محمد مصطفى القباج
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 22:27

أول الفهم | محمد مصطفى القباج

صوت وصورة
التسول يغتصب براءة الأطفال
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 20:03 8

التسول يغتصب براءة الأطفال

صوت وصورة
طقس خريفي متقلب بالمغرب
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 16:17

طقس خريفي متقلب بالمغرب

صوت وصورة
النفايات تحاصر مدرسة ومستشفى
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 11:55 1

النفايات تحاصر مدرسة ومستشفى

صوت وصورة
أزمة النقل تخنق سكان طنجة
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 10:28 4

أزمة النقل تخنق سكان طنجة

صوت وصورة
GNV تحتفي بزبنائها في مراكش
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 09:20 1

GNV تحتفي بزبنائها في مراكش