في أحد الأيام ركب فلاح حماره الجَلْـدَ الضّليع، وقرر السفر على متنه إلى المدينة، فطوى الإثنان المسافات في ألفة الطريق وأنسه. وهكذا، كلما توقف الفلاح ليتزود ماء وطعاما، إلا واقتسم زاد الطريق مع صاحبه، ووفر له تبنا وماء، فانتعش الحمار، وشغفه صاحبه حبا. بدأ الحمار يركض، ويحدّق في اهتمام صاحبه، رأسه يتمايل يميناً وشمالا، فاستأنس الحمار برفيق الدّرب والكفاح، وواصل الطريق حتى توقفا أمام باب السوق الأسبوعي بالمدينة.
عند دخول السوق الذي قصده الفلاح لأول مرة للتجارة، لمحت عينا الحمار دابة من بني جلدته تقف بئيسة كئيبة على الرصيف، حنّطت ضلوعها أحزمة عربة جر، وكأنها تحفظ مومياء من تلف السقوط. وقف الشديد الصلب يتأمل حال أخيه شاحب اللون نحيف البدن، متجهم الوجه، ثم اتجه إليه وهو يفور جيشانا، فعانق أخاه البئيس بمعاناة نهيق، فرّغ من خلالها شدة غضبه وحزنه على اعوجاج الأيام وظلم الزمان، لم يعد يأبه ولا يكترث لصاحبه الفلاح الذي ترك حماره واقفاً قرب شجرة يتظلل بأوراقها بعدما زوده تبنا. ترك الحمار المكان ووقف إلى جانب أخيه على قارعة الطريق. لقد تعود الحمار البدوي على الحرية، حيث لم يضع الفلاح أبدا قيوداً بين حوافره، هو حمار صادق أمين، مخلص في عمله، يأتمنه صاحبه على خدمته، وتتوارد بينهما النظرات والخواطر. انتصب الحمار القوي وتيقظّ أمام أخيه الهزيل، ونهق في وجهه متسائلا:
– ماذا أصابك يا أخي؟ لماذا أنت ضعيف كئيب عليل؟
فأجابه أخوه الحمار وعيناه تذرفان دموع حزن الكآبة والمأساة:
– لا أدري من أين سأبدأ لك قصتي؟ ماذا سأروي وأحكي وأقول لك؟ هو الموت البطيء، هو ضنك العيش في هذا القفر الإسمنتي المهجور، أنهك الإسفلت قواي، دمّل حوافري، وتقرّحت من ركود الأزقة والشوارع، فصرت يتيما عليلا!
-كيف يتيما وعليلا؟ وأنت تنحدر من أصول الشدة والأجسام المفتولة القوية؟ ألا تأكل وتشرب وتنام بانتظام، يا أخي؟
نظر حمار المدينة إلى أخيه البدوي، وابتسم ساخرا من هدر الزمان وقساوة المكان، فقال:
– أنت يا أخي لازلت تعيش زمان الخيال وسحر الأوهام، تركد في البراري، وتحتمي بظلال الشجر عند القيلولة، وتأكل من الحقول، وحين تغرب عليك الشمس، تعود متعبا إلى الإسطبل، فتلتهم علف العشاء، وتخلد إلى النوم، حياتك غير حياتي، حياتك في الطبيعة، وحياتي في الوظيفة والعقيدة، أنا السجين المرقّم، أنظر إلى لوحة عربتي، وأنت تفهم! فهي بطاقة هويتي. سقطتُ أنا في متاهة الأرقام، آكل بالأرقام وأنام بالأرقام وأمشي بالأرقام، ضاعت مني عقارب الزمان بالأرقام! كيف سأشرح لك يا أخي كيف؟
تأمل الشديد القوي الكلام، وطأطأ رأسه خجلا من بأس المصير، فأومأ لأخيه بحزن الإشارة، حتى يكمل الحديث، وهكذا شكا الأخ إلى أخيه الحمار ضنك العيش وغربة البقاء ووحشته:
– كل يوم، أستيقظ باكرا، وحتى كلمة “أستيقظ”، فهي تعبير مجحف في حق النوم الذي أحاكيه؛ لأن جفوني لا تغفى، فكلما أغمضت عيناي أتوسل النوم وأتضرع إليه، تتأوه مفاصلي أنينا، ويصم آذاني صخب الطريق. منذ بزوغ الشمس، وأنا أركض بين الشوارع والأزقة، حمار الجرّ أنا، أنقل البضائع من سوق إلى سوق، ومن متجر إلى متجر، دون كلل أو ملل، ليس لي حق التوقف أو الشكوى أو الألم، أتوقف فقط حين أنتظر تحميل أو تفريغ السلع من فوق ظهر عربتي، تلك هنيهة ينزل فيها سيدي ليضع قيود البؤس والحرمان بين حوافري، ثم يُخرِج كيس علف يضعه في عنقي، يذكرني بطوق الرّق والمهانة، فألتقِم منه قوتا، وبعدها بخفة العقارب أعود إلى الجر، حياتي رهينة الجرّ… أنا أجرّ أنا موجود… حياتي كدّ وتعب من أجل مضغة علف يلفها سيدي في ثوب يطوق عنقي بالرق والحرمان…
– ألا يمنحك صاحبك أكلا متنوعا؟ ألا يعطيك ماء وراحة بين الفترات وقسطا وفيرا من النوم لتستيقظ نشيطا وتعمل بقوة؟
– أهكذا تعيش أنت في البادية؟
– نعم، بل أكثر من ذلك! ما بُحت به لك إلا القليل يا صاحبي!
– عندما أنصت إليك، وكأنني أحلم، أو عدت بريئا أجلس في حضن جدتي، وهي تروي متيّمة بخرافات حول انقلاب الحمير!
– لا لا لا! هذا واقع نعيشه نحن في البادية، إلا إذا كان الحمار وصاحبه فقيرا بدون مأوى… اسمح لي يا أخي، لقد أثرت فضولي… ماذا تقصد بانقلاب الحمير؟ ماذا تعني هذه الكلمة؟
– دعك منها! وانظر هناك! أترى ذلك الرجل غليظ الوجه، سمين البدن، ذلك الجالس تحت الشجرة، ويعد الأوراق النقدية التي حصدها من عرق أفخاذي التي مازالت تتصبب عرقا وترتجف تعبا من جريي طول النهار… ذلك مالكي وسيدي! وهذه أكبر خرافة كانت ترويها جدتي عن زمان سيأتي تُستَعبد فيه الحمير… لم أصدق يوما حكايات جدتي وهي تروي لنا ونحن مستلقين فوق أكوام التبن أحزان زمن ستنبطح فيه الحمير… كنت أقاطعها دائما: كفانا جدّتي خرافات! فيخفق قلبها، وتذرف دموع المستقبل الكئيب الذي ينتظرنا… ودارت الأيام، وها أنا أتعب وأكد وأشقى، لكن سيدي يقبض الثمن، يقايض عرقي بالنقود، ويأكل حصتي، ثم يرميني بفتات الطعام…هو ينام وأنا أظل مستيقظا، هو يجلس في المقاهي، وأنا أتشرد على قارعة الطريق، هو يغني ويرقص فوق ظهري، وأنا أجري وأركض من حر السوط ونار الإسفلت، هو الموت البطيء يكابده أخوك الحمار…
انتفض الحمار الضليع من شدة الغضب، وغرس حوافره في الإسفلت، نهق نهيقا صاخبا وغضب غضباً شديدا، وكأنه يستعد لركل سيد الحمار، لكنه تراجع خوفا على أخيه الحمار؛ لأن إصابة السيد بمكروه قد تتسبب في تشرد الحمار، وقد يضيع شح قوته، بل قد تصبح حياته مقامرة من أجل البقاء، فانحنى جموحه امتهان الزمان، وأقسم في نفسه بأن لا تطأ حوافره ثانية مدينة الذل والهوان.
خيم الصمت على الحمير، وعاد صاحب الحمار ليسأل عن حماره، وبلمحة خاطفة، كأنه قرأ القصة كاملة في بريق عيني صاحبه، توجه البدوي إلى سيد الحمار الذي مازال منهمكاً في عد الدريهمات، ثم سأله قائلا:
– ما بال حمارك كئيبا بئيسا عليلا؟ هو منك وسندك في الحياة؟ لماذا لا تعتني به؟
امتعض سيد الحمار وتبرّم من النقد، ونظر إلى صاحب الحمار بسخرية دون أن يجيبه، ثم عاد ليعدّ الدراهم، لكن صاحب الحديث استكمل النصيحة، فقال:
– إن الحمير تحب العناية، فكلما قدمت لها الرعاية إلا وتفانت في خدمتك، وكانت لك سندا وعونا في الحياة!
امتعض السيد من هذا النقد اللاذع وصرخ في وجه البدوي قائلا:
– وما شأنك أنت؟ هل هو حمارك؟ هو حماري، وأنت لا دخل لك به. اعتني بحمارك قبل أن تسألني عن حماري. انظر إليه، هل اشتكى إليك؟ يجب على الحمير أن تحمد الله أننا نوفر لها القوت والمبيت…! أما أنا، فمن سيطعمني؟ من سيوفر لي المبيت؟ أتدري أنت الذي تتعَنْـفَص أمامي بالخُطب! هذا الحمار يتمتع بحقوقه أفضل مني! كيف تطلب مني أن أمنح الحمار حقوقا أنا مالك الحمار لا أحلم بها! ابتعد عني، واذهب لحال سبيلك يا هذا!
عاد الرجل لعدّ النقود، وانصرف البدوي صحبة حماره تاركا المدينة، وهو يتأمل خطاب سيد الحمار… فكلما ابتعد البدوي مسافة عن حدود المدينة، تلاشت ملامح الغضب من عينيه، وعاد ليغني أهازيج قريته فوق ظهر حمار ينهق غضباً ويتألم على مصير أخيه… تساءل الحمار في نفسه، فقال: “كيف حكت جدة هذا الحمار مأساة الاسترقاق ولم ترو له كيف يمكن أن ننقلب عليه؟ ما هو المقصود يا ترى بانقلاب الحمير؟ أهو تتكتل الحمير لكي تصدح بنهيقها الشجي ضد التجويع والظلم والحرمان؟ كيف السبيل إلى تكوين جبهة الحمير؟
اخترق هذا السؤال أحشاء الحمار بينما هو يطوي المسافات في طريقه عائدا إلى القرية مخدَّرا ممغنَطا بنفحات انقلاب الحمير!
ذات رمضان
في لقطة فكاهية
قال الفكاهي الممنوع
أنه ذات مرة كان رجال واقفون
ففتح أحدهم فمه يتثاءب
فابصره مخازني وبسرعة شنق عليه
وقال له لا تفعل هذا
فنظر المسكين مخلوعا غليه وقال : لماذا؟
أنا فقط أتثاءب بسبب العياء وقلة النوم…
فقاطعه مزمجرا قلت لا تفعل لا تفعل
يقول بزيز: أن المشكلة ليس في هذا
أين المشكل؟
المشكل في الرجال المتجمهرين حوله
المغاربة
راحوا يقولون له
أحدهم: نعم لا تفعل يعني لا تفعل
آخر: إن فعلت ستثير الفتنة
آخر: نعم أنت إن تثاءبت وآخر تثاءب وآخر تثاءب إذن غتنوض
وهكذا
سبحان الله
اليس هذا الذي يحدث بالضبط حاليا
كلما فتح أحدهم فمه ولو مطالبا بجزء من جزء من معشار ما أخذ منه
أبسط حقوقه
الكل يتهمه: الفتنة ناااائمة لعن الله موقظها؟؟؟
وهكذا
وهكذا
ولسان حالهم يقول:
أنا أطحن
أقمع
أسحق
…
إذن أنا موجود
والفتنة ناااائمة
دعها تدردك فوق ظهري
وإياااك ان توقظها
فذن انا موجود
ويقال والله اعلم
أن رينيه ديكارت
حين سمع بهؤلاء يقولون ذلك
انتفظ في قبره
وعض على يديه وقال
آاااش داني
علاش قلت
قصة رائعة اصابت وصف القطيع رغم ان وعي الحمير يختلف من مكان لاخر ومن بلد لاخر.اتمنى من الكاتب ان يكتب حوارا بين حمار الشرق والغرب لكي نزداد فهما ووعيا للاشياء على سبيل المقارنة.
تحياتي
and I gonna give you
a fair tale
تقول
أنه في إطار التبادل الثقافي
بين المشرق والغرب
أرسلت دولة مشرقية
كلابا غلى اميريكا
وهي بالمقابل أرسلت كلابها إلى هذه الدولة
وبعد انقضاء مدة البعثة
رجعت كل كلاب إلى وطنها
في المطار استقبلهم صحافيين
سال المشرقيين كلابهم
كيف وجدت الحياة في أمريكا
قالوا : يا سلااااام كنا هناك نعامل كما لوكنا بشر
وبالمقابل الأمريكان سألوا كلابهم
كيف وجدتم الحياة بالمشرق
قالوا: وغييي سكتوا
ما حسينا بروسنا كلاب تامشينا تماك
وهذا حال
الكثير
ياتي من يطالب بقليل من حقوقه
يلاتي من يقول له: اسكت
الفتنة ناااائمة لعن موقظها
وخليها ناعسة
وخليهم ناعسين فوق ظهرك
نحتاج لقراءة كليلة ودمنة ونتدبرها من جديد ومعها قصص فولتير التي اتخدت من الحيوانات أبطالاً لها لعلنا نمسك بخيوط نسيج التخلف والظلم الذي يطوق الأعناق. فكرة جميلة من ذ. معروف تضرب عصفورين بحجر واحد: تتماهى مع وضع الانسان المقهور وترصد قدره السيسيفوسي الحزين من جهة كما تشير إلى وضع الحيوان كذلك عندنا الذي طحنته رحى الطمع وغلظة البشر دون رحمة. كلنا يصادف حالات بؤس وشقاء يتعرض لها الحيوان من طرف البشر بحيث تحتار على من تشفق، على الحيوان أم على صاحبه أم الاثنين معاً. أما البعد الأهم للأقصوصة فهو سؤال المخرج من أوضاع البؤس. لا يختلف اثنان في أن البداية داخل الجماجم أي تغيير بنية الوعي. وبنية الوعي هي في الأساس بنية سردية. كل العلوم والفلسفات لن تحرك ساكناً عندنا لأنها تبقى محصورة بين ثلة قليلة. إنه السرد الأقصوصي والقصصي والروائي قراءةً وسمعاً ورؤيةً هو الكفيل بتغيير بنيات الوعي والادراك خصوصا لدى الناشئة. انكفاء السرد عندنا أوقف مسيرة تاريخنا وانطلاق السرد مع دونكيشوط فتح باب المغامرة بمعناها الواسع عند الغرب. لنسرد حياتنا كما هي وكما ينبغي أن تكون هو بداية الطريق نحو المخرج. وشكراً
يجب على سعادة الوالي أن يدشن السجون والمقابر قبل أن يأخذ المبادرة بتحريك الدعوات القضائية ضد رموز الحراك،نحن مع القانون ضد السيبة إذا أردتم رفع دعوة قضائية نحن كشعب ريفي سنرفع دعوة أمام النتظم الدولي ضد دولة المخزن بمحاسبتها على الجرائم التي إقترفتها ضد المنطقة من 1912 الحرب الكيماوية نهب المواطنين عدم إستفا دة المواطنين من القروض الدولية ومن المساعدات الدولية للمنطقة جرائم 58-59 محاسبة أصحاب الثروات من أين لك هذا؟؟ المغاربة سواسية أمام القانون إلا إذاكنا نعيش في دولة الغاب فذلك شئ آخر ،الملك يقول بعظمة لسانه المغاربة عندي سواسية،وسأل عن أين الثروة ؟والريف الآن يستجيب لنداء الملك ويقف بجانب الملك ويبحث عن الثروة نحن خدام الملك ونشتغل على آراء الملك ٠وأرى اليوم أن هناك أشخاص يشتغلون ضد إرادة الملك ٠ يعسكرون ويستعملون البلطجة ٠اليوم نعلنها علانية بأننا نشتغل تحت تعليمات الملك نبحث عن الثروة أين هي؟من يشتغل ضد توجيهات الملك سنزعزع الأرض تحت أقدامه وكفى٠
الى صاحب التعريق رقم:4
أقول لك:صدقت…علينا بقراءة كليلة ودمنة ففيها من العبر ما لا حصر له…واليكم بعض منها وهي مأخوذة عن قصص لبعض الحيوانات التي يمكن تنزيلها على واقع البشر وخاصة ببلدنا المغرب حيث كل شيء فيه غريب ولا منطق له من القمة للقاعدة:الحوت الكبير يلتهم الصغير الذي لا حول له ولا قوة..جاء في كليلة ودمنة ما يلي:"من ظفر بالساعة التي ينجح فيها العمل ثم لا يعاجله بالذي ينبغي له فليس بحكيم،ومن طلب الأمر الجسيم فأمكنه ذلك فأغفله فاته الأمر،وهو خليق ألا تعود له الفرصة ثانية،ومن وجد عدوه ضعيفا ولم ينجز قتله ندم اذا استقوى عدوه ولم يقدر عليه"…"انما يسلم العاقل من الندامة بترك العجلة والتثبت"…"يعيش القانع الراضي مستريحا مطمئنا،وذو الحرص والشره يعيش ما عاش في تعب ونصب"…"ان قليلا من العيش في أمن وطمأنينة خير من كثير من العيش في خوف ونصب"…"اللئيم لا يصاحب أحدا الا رغبة أو رهبة"…ومن يقرأ كليلة ودمنة سيجد فيه عبرا ونصائح كثيرة ولن يندم قط على قضاء وقته في قراءة محتوى الكتاب…شكرا لصاحب التعليق رقم:4 فقد كان سببا في عودتي لما أوردته أعلاه من حكم كليلة ودمنة…