شكرا "كورونا" ... أنت تعلمنا!

شكرا "كورونا" ... أنت تعلمنا!
الأربعاء 4 مارس 2020 - 11:58

غني عن البيان أن تاريخ الأمراض والفيروسات والأوبئة الفتاكة، أقدم من تاريخ الحروب التي اصطنعها الإنسان، لأغراض شخصية، قبل اهتدائه أخيرا للحروب البيولوجية، ومحاولة توظيفها في الصراعات من أجل التحكم في الشعوب والدول.

ودون خوض في أسباب ظهور مرض العام الجديد 2020 المسمى CORONA، الذي غزا العالم في رمش العين، ينبغي أن نعترف أولا بأنه مرض لا يشبه الأمراض الأخرى، فهو أعدل الماكرين، وتثوي فيه خصائص وسمات خلاقة لم نلمحها في الأمراض الفتاكة التي غزت العالم قبله، إن نظرنا إلى المرض نظرة إبداعية تتوسل بمفاهيم أنصار شعرية القبح.

ذلك أن المبدع في نظرته للأوبئة والأمراض عامة، ومرض كورونا خاصة، يتبنى نظرة أنصار القبح الجمالي، أمثال بودلير في أزهار الشر، وفيكتور هيغو في أحدب نوتردام، وجيروم ستولينز صاحب كتاب “النقد الفني”، وجون غريغور، حيث عدل هؤلاء في نظرتهم للموجودات، عن النظرية النقدية التقليدانية التي تقوم على مبدأ عدم التناقض، ومبدأ الفصل بين النقيضين، حين انتصروا لجماليات القبيح، ونصوا على أن كل موجود قبيح المنظر والأثر، يحمل قيمة جمالية مضمرة، خفية على الناقد استكناهها.

وتأسيسا على ما سبق، فإن الشاعر – والمبدع عامة- ستكون نظرته لكورونا نظرة مغايرة لوسائل الإعلام وجمهورها من العوام.

فالمبدع المتأثر بفلسفة أنصار جماليات القبح، قبل تعداد مساوئ كورونا الفتاك، لا محالة سيبحث عن القيم الجمالية الثاوية فيه.

وتأتي في طليعة هذه القيم المتكوثرة جماليا التي يخفيها مرض كورونا، قيمة العدل، حيث ألفيناه عادلا، حيث الانتشار الجغرافي وديموقراطيا من حيث التمثيلية المجالية.

وتلي قيمة العدل الكوروني، قيمة المساواة، حيث لم نجد مرض كورونا ذكوري المعاملة، فقد ساوى في حلوله الجسدي بين النساء والرجال، ولا يخفى أن قيمة العدل والمساواة قيمتان متكوثرتان جماليا، وهما أس أي نهضة مجتمعية حقيقية، كأن كورونا أراد بانتشاره الفتاك أن يذكر العالم بضرورة الانتصار للعدالة و المساواة في الحقوق، مادام البشر يشتركون في المصير نفسه، هذا فضلا عن إعادته الاعتبار للحوار الجسدي، ذلك أن أول فَقْدٍ يستشعره المصاب به، هو فَقْدُ عناق الحبيب ومحاورته جسديا.

وبما أن الشيء بالشيء يذكر، نلتمس من المسؤولين الذين ذاع شرهم في المناطق التي يديرونها، أن يكونوا على الأقل ككورونا حاملين لبعض القيم الأخلاقية البانية، من قبيل العدل والمساواة والحوار، بالرغم من شرهم، وقبحهم الذي هو رديف للشر الكوروني.

وختاما لا يسعنا إلا أن نقول: إن كورونا أعدل الماكرين، جاء ليذكرنا بقيمة العدل والمساواة والحوار، كي يعيش جميعا بسلام واطمئنان، بغض النظر عن جنسنا أو عرقنا، أو لغتنا، أو ديننا، أو تمذهبنا، أو نظرتنا لذواتنا أو الآخرين.

*شاعر وناقد مغربي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • القرحة الفكرية
    الأربعاء 4 مارس 2020 - 14:49

    " فالمبدع المتأثر بفلسفة أنصار جماليات القبح، قبل تعداد مساوئ كورونا الفتاك، لا محالة سيبحث عن القيم الجمالية الثاوية فيه."

    المبدع او المبدعون هم من سينقدون الانسانية من هذا الوباء القبيح ،هم من سيشغلون مادتهم الرمادية الى اقصى حد ليجدوا لقاحا او دواءا لهذا الوباء اما ما تبقى فهو لعب بالالفاظ

  • كمال //
    الأربعاء 4 مارس 2020 - 16:20

    الاخلاق و القبح الشر الخير … الى اخره هذه كلها معايير و قيم من صنع البشر تجهلها الفيروسات ولا تحتاج اليها لتكون
    البشر هو الوحيد الذي يحتاج لهذه القيم لاسباب اجتماعية و سياسية و عقائدية الفيروسات همها الوحيد هو ان تكون وهذا همُ كل الكائنات على هذا الكوكب الصمُود في وجه الموت
    لكن ما يثير الاستغراب هو تزايد في عدد الفيروسات في السنوات الاخيرة في اسيا و الطريق التي تظهر بها وكأن احدهم يحاول ان يعدلها حتى تقوم بدور حسب الطلب
    ذلك ان الفيروسات السابقة N1H1 وSARS َ لم تستطع ان تذهب بعيدا في الانتشار و القتل بينما فيروس كورنا ينتشر بسرع اكثر و اكثر خطورة و ما يثير العجب هو انه انتقائي اي ان اغلب ضحاياه من المسنيين ودوي المناعة الضعيفة
    وحينما نرى هذا النمو ديموغرافي البشري الهائل المبالغ فيه والذي لا يتناسب و موارد الارض التي تحتضر جراء ذلك نفهم سر ضرورة ظهور مثل هذه الفيروسات
    في اعتقادي ان فيروس كورونا والفيروسات التي ستاتي بعده ستغير مناحي حياتنا اليومية راسا على عاقب و ستغير مسارنا التطوري لا شك في ذلك .

  • sifao
    الخميس 5 مارس 2020 - 07:57

    هو نفس خطاب رجال اللاهوت حين يساوون بين الفقير ،المريض والجاهل ولغنى والمعافى والعالم تحت حجة نفس المصير ، يُقنعون الفقير ان لا فرق بينه وبين الغني بما ان مصيرهما واحد ، في الاخير يغادران حياة الدنيا الى الآخرة بنفس اللباس وفي نفس الحفرة ,,,,قد يكون كرونا اعدل في الاصابات ولم يميز بين الناس على اساس الجنس والعمر والعقيدة والعرق و…و.. والانتماء الطبقي ، لكن فرصة المتعلم والمثقف والغني في الشفاء او تجنب الاصابة به اكبر من فرصة الجاهل الفقير ، اللغة حين تتحدث عن نفسها وتخاطب الوجدان لتظهر اكثر شاعرية وجمالا ليس مثلما تتحدث عن واقع قائم مختلف ومتضارب’’’

  • Sad
    الخميس 5 مارس 2020 - 08:50

    ليس الصمت حكمة غلى الدوام لكنه أحيانا يقينا _على الأقل- من ضجيج الكلام!

  • oks zizil
    الإثنين 30 مارس 2020 - 16:18

    شكرا كرونا الذى علم البشرية كيف تتعامل مع بعضها علم الجبابرة ان هناك من هو اقوى منه يقتل في صمت وينتشر في صمت ويعدل في قتله لاككقتل الجبابرة نعم شكرا كرونا انت معلم واستاذ مهذب وقاتل وديع اراك رفعت راية العدل والمساواة التى كان يتشدق بها حكام الارض وطبقتها كما يجب ان تطبق وهو الحق انت لست ملعون وليست سافر ولست مجرم تخضع لمحكمة البشر المزيفة انت عربيد من نوع اخر حكمت فعدلت فاعدمت شكرا كرونا

صوت وصورة
أخنوش في لقاء مع ساكنة تزنيت
السبت 19 شتنبر 2026 - 00:08

أخنوش في لقاء مع ساكنة تزنيت

صوت وصورة
لشكر: "سرقوا برنامجنا الانتخابي"
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 23:48

لشكر: "سرقوا برنامجنا الانتخابي"

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تنفذ "كرسي الخط"
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 23:31

أكاديمية المملكة تنفذ "كرسي الخط"

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | نبيل بنعبد الله
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 22:19

الطريق إلى الانتخابات 2026 | نبيل بنعبد الله

صوت وصورة
الرميلي وتخفيف تكلفة العلاج
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 21:29 4

الرميلي وتخفيف تكلفة العلاج

صوت وصورة
محافظ ثقيلة وأطفال صغار
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 20:29 3

محافظ ثقيلة وأطفال صغار