يمكن تعريف العمل الحزبي بكونه تلك الممارسة اليومية من قبل أشخاص اختاروا الانخراط في العمل السياسي وذلك من خلال التعبير عن اختياراتهم سواء تلك المعتدلة أو اليسارية ، أمر لا يمكن إلا أن نعتبره نضالا حقيقيا ينم عن الشعور بالانتماء الوطني من قبل هؤلاء الأشخاص الذين نجد النزهاء منهم لازالوا يضحون بالغالي والنفيس من أجل خدمة المصلحة العليا للوطن والمواطن.
تتعد رؤى الباحثين والمهتمين بدراسة وتحليل الشأن الحزبي وخاصة في شقه المرتبط بتقييم عطاء الفاعل السياسي من عدمه ، أبحاث قادت في مجموعها إلى التمييز بين صنفين من مكونات الأحزاب السياسية والمتجليين أساسا في كل من المناضل الحزبي والمهني الحزبي، فالمناضل الحزبي حسب تعبير الباحثين لا يمكن فصله عن نظرائه حتى في الدول التي قطعت أشواطا كبيرة في المسار الديمقراطي، أشخاص لا يهمهم التربع على عرش المسؤولية السياسية الحزبية أو الاستفادة من الريع السياسي بقدر ما يهمهم التعبير عن طموحات المواطنين وخاصة الفئات الهشة منهم وتبويبها في برامج انتخابية تنبني على الجرأة والصراحة التي لطالما تمخضت عنها برامج انتخابية كانت السبيل الأوحد لتنزيل سياسات عمومية كان لها الوقع الكبير على مسلسل التنمية الاقتصادية والاجتماعية لرعايا الدولة ، غير أنه وبالمقابل نجد بأن هناك صنف اخر من مرتادي الأحزاب السياسي والذي نسميهم وإن صح التعبير على ذلك بممتهني الشأن الحزبي أو الباحثين عن طرف الخبز، أشخاص لا يهمهم غير الظفر بالمقاعد ولو باستعمال الخدع والحيل غير المشروعة ، والتي لازالت توصد الباب أمام خبرات وكفاءات وطنية لها من الامكانات العلمية والمعرفية ما يؤهلها لأن تضطلع بمشهدنا الحزبي إلى مصاف الدول المتقدمة في هذا المجال، وما يؤكد نعت هؤلاء الأشخاص بممتهني الشأن الحزب والذي أراه من وجهة نظري مقنعا هو الاغتناء الصاروخي الذي يميز وضعية هاته الفئة السياسية ، فالكل قد يتفق مع الكاتب بأن هاته الكائنات قد كانت بالأمس القريب تنتمي إلى الطبقة الفقيرة أو حتى الغنية ، بحيث أن الفقير قد وافى الطبقة الغنية دون المرور بالطبقة المتوسطة ، في حين أن الغني قد زاد من غناه، كل هاته النعوت لا يجب أن يفهم معها القارئ تحامل الكاتب على هذه الفئة بالذات ، بل على العكس من ذلك فالتطرق لتحليل هذا الموضوع بالذات قد تولد لدي بالموازاة مع قرب تنظيم عرسين ديمقراطيين : “الانتخابات الترابية والتشريعية “، ذلك أن استمرار تعامل هذه الكائنات الحية مع المشهد الحزبي بمنطق الوظيفة لا يمكن أن يؤدي بنا إلى مواصلة بناء الورش الديمقراطي، لا لشيء إلا أن هذه الفئة قد اتخذت من مقرات الأحزاب السياسية مواطن رسمية لممارسة مهنتها من أجل كسب قوت يومها، ونعت هذه الشريحة بالريعية لم يأت من فراغ، ذلك أن الوظيفة الدستورية للأحزاب السياسية هي التأطير المؤدي إلى إشراك المواطن في تدبير دواليب الشأن العام ، وليس الاغتناء الفاحش والحصول على المنافع غير المستحقة .
إنه من الأسباب المكرسة لظاهرة العزوف السياسي داخل مجتمعنا المغربي تجذر فئة الباحثين عن لقمة العيش داخل الأحزاب السياسية ، الأمر الذي لا يدعو إلى الاستغراب والحال أن نسبة التأطير الحزبي ببلادنا لا تتجاوز الواحد بالمائة ، لا لشيء إلا لأن مدبري المشهد الحزبي لا يهمهم سوى اقتفاء أثر النعمة السياسية الكفيلة بسد رمقهم وضمان قوتهم اليومي، خاصة وأن جل مكونات هذه المجموعة لم يحاولوا في يوم من الأيام حتى الظفر بمنصب في أحد الإدارات العمومية لا لشيء إلا لأنهم لا يريدون ترك فانوس علي بابا لمن غيرهم.
إن المشهد الحزبي المغربي لازال يكتنفه شيء من الغموض وضبابية الرؤية، أمر ليس بالهين وخاصة بعد أن أصبح المغرب منخرطا في برامج تنموية ضخمة بحاجة إلى من يدير عجلة دورانها باحتراف ، أهداف لا يمكننا بلوغها واستمرار تواجد اللاهثين وراء الخبز اليومي داخل منظومة الأحزاب السياسية ، وبالتالي فالأمر يدعونا إلى مواجهة هذا السرطان الخطير الذي وإن استفحل سيؤدي لا محالة إلى وفاة المشهد الحزبي ببلادنا.
إن ممارسة نقذ الذات الحزبية لهي الحل الأوحد من وجهة نظرنا ، إذا ما أردنا التغلب على افة الاسترزاق الحزبي الغير مشروع ، مما يدعونا إلى ضرورة فتح نقاش حزبي هادف وبناء كفيل بالتطرق الجريء مع هذه الظاهرة الخطيرة والقول لمكونات هذه الفئة كفى من تحقيق ماربكم الشخصية على حساب مصلحة الاخر.
لقد دقت ساعة الحسم وخاصة مع توفر المغرب على دستور فريد من نوعه، دستور قوامه المساءلة والمحاسبة، من أجل اقتفاء أثر هذه الفئة المعادية للإصلاح الحزبي، وتطبيق قاعدة من أين لك هذا في حق جميع مكوناتها وذلك في أفق اجتثاثها من أرضية مشهدنا الحزبي والذي من المفروض أن ينبني على النضال المنافي لجميع أشكال الريع والاغتناء غير المشروع.
إن إصلاح المنظومة الحزبية لا يمكننا بلوغه إلا من خلال إعمال قواعد المحاسبة والمساءلة الكفيلة بالتصدي لكل من تسول له نفسه محاولة التدليس من أجل تحقيق رغباته الخاصة ، الأمر الذي يدعونا إلى فتح نقاش واضح عنوانه الحكامة الحزبية ، مما سيمكننا من توضيح أدوار كل الفاعلين الحزبيين في صناعة القرار الحزبي وعبره التنموي، هذا بالإضافة إلى أن إعمال مبادئ الحكامة الجيدة ستمكننا من معرفة حتى أملاك كل مناضل حزبي عن طريق إقرار ولما لا مكنة التصريح بالممتلكات ، الشيء الذي سيؤدي بنا إلى التخفيف من وطأة هذه الفئة على مشهدنا الحزبي المعطوب.
إن النضال الحزبي لا يمكن أن يلتقي بأي حال مع الأحوال مع مارب الوظيفة الخبزية ، لا لشيء إلا لأن لكل منهما أهدافه وقوانينه، إذ أصبح من غير المقبول في بلد صاعد كالمغرب أن يستمر التعامل مع مسألة التدبير الحزبي بمنطق الوكالة أو الحانوت، ولكن من اللازم التدقيق في اختصاص كل مناضل وتكوينه تكوينا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يخرج ممارساته عن جادة الطريق.
إن الأمل معقود على أحزابنا السياسية مجتمعة لأن تجعل من الاستحقاقات المقبلة سواء منها الترابية أو التشريعية قنطرة لبلوغ سفينة إصلاح أعطاب الممارسة الحزبية ، الأمر الذي لن يتأتى لها بدون تكريس سياسة الانفتاح على جميع الأطياف المكونة للخريطة السياسية ولمالا خلق قنوات للحوار والتناظر قوامها الإنصات للرأي والرأي الاخر ، وذلك في أفق الخروج بقواعد علمية وعملية قابلة للتطبيق على أرضية الممارسة السياسة المغربية التعددية ، ومن هذا المنطلق أوجه ندائي لجل الشرائح المكونة لمشهدنا الحزبي بالكف عن التعنت للرأي والعمل أغلبية ومعارضة من أجل تجاوز ويلات الاسترزاق السياسي الذي لم ولن يجدي في شيء ، غير تضييع فرص حقيقية من النماء والازدهار الاقتصادي والاجتماعي على بلادنا ، هذا بالإضافة إلى ضرورة تنمية الشعور بالانتماء الوطني لدي مختلف مناضلات ومناضلي الأحزاب السياسي ، الذين أعتبرهم بمثابة سفراء لأحزابهم من طنجة إلى الكويرة ، وذلك في أفق تمكينهم من تمرير مبادئها لجل المواطنات والمواطنين المترقبين لغد أفضل ، غد يخدم فيه الجميع من أجل تحقيق مصلحة الجميع ، وبالتالي فلا مناص لأحزابنا السياسية من التعاون إذا ما أرادت ضمان مقعد لها في ركب التنمية الحقيقية لبلادنا.
Email : [email protected]
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.