عندما وضع ليوطي الإطار القانوني للدعاية الكاثوليكية بالمغرب

عندما وضع ليوطي الإطار القانوني للدعاية الكاثوليكية بالمغرب
الثلاثاء 5 يوليوز 2016 - 07:30

تطور العلاقات المغربية – المسيحية من العصر الروماني إلى نهاية القرن العشرين، سلسلة تنشرها هسبريس مُنَجمة عبر حلقات يومية في شهر رمضان الكريم.

28. سياسة ليوطي الدينية

لم يكن الجنرال ليوطي مجرد أول مقيم عام للجمهورية الفرنسية بمغرب الحماية فحسب، بل كان يعد العقل المدبر لكل تفاعلات المشروع الكولونيالي، وبالتالي كل التطورات التي عرفها الاستعمار الفرنسي في مواجهته مع المغاربة قبل وبعد التوقيع على معاهدة الحماية بفاس يوم 30 مارس 1912. ولم يفت أي مقيم عام فرنسي جاء من بعده أن يستنير بنهجه الكولونيالي، ويحاول ولو عبثا أن يستنجد بأفكاره الاستعمارية الماكرة. لقد عينت الجمهورية الفرنسية الجنرال ليوطي على رأس إقامتها العامة بالرباط في أبريل 1912، مع احتفاظه بمنصب القائد العام لقوات الاحتلال بالمغرب.

وانسجاما مع مقتضيات تلك المعاهدة الجائرة ، تفنن ليوطي في تظاهره باحترام مقدسات البلاد وفي مقدمتها الإسلام. وبما أن سلطان المغرب كان يجسد رمز المشروعية، فإن الجنرال ليوطي جعل منه حصان طروادة لنهجه الدعائي القائم على “الاختراق الهادي” المضلل، كما اتخذ منه مسوغا قانونيا باطلا من أجل مواصلة سياسة ما أسماه ! بـ”التهدئة”. تلك ،”التهدئة” التي كانت بكل تأكيد مجرد تلطيف دعائي لحرب ضروس دامت حوالي ثلاثين سنة، شنتها قوات الاحتلال على مكونات الشعب المغربي قاطبة.

وفي المجال الديني بالتحديد كانت إستراتيجية ليوطي تعتمد على الظهور بمظهر “صديق” الإسلام، بل و”حامي” للدين الإسلامي وفقا لما جاء من “إصلاحات” تمت الإشارة إليها في معاهدة فاس، والتي تعهدت الدولة “الحامية” للمغرب بإنجازها. وقد اجتهد ليوطي في توسيع تأويله لهذه “الإصلاحات” الكاذبة روحا ونصا. وأما بالنسبة للديانتين الأخريين، اليهودية والمسيحية ، فإن ليوطي كان على قدر كبير من اللباقة والحذر، لأنه كان يعلم أن من شأن أي مغالاة في الدعاية المسيحية أو اليهودية أن تثير غضب الإسلام، سيما وأن عمليات “التهدئة” ما زالت في بدايتها، وحتى يتسنى له ضبط الدعاية الكاثوليكية، انشغل ليوطي بإيجاد حل لمسألة الفرنسيسكان الاسبان المتواجدين داخل المنطقة الفرنسية.

وهكذا جاءت المعاهدة الفرنسية الاسبانية، بتاريخ 27 نونبر 1912، لترسم الإطار الملائم لمنظور ليوطي، حيث نصت مادتها الثامنة على ما يلي: “تتعهد حكومة صاحب الجلالة ملك اسبانيا، فيما يخصها، على القيام بكل ما من شأنه أن يضع حدا لاستمرار الامتيازات التي يتمتع بها حاليا الأكليريوس الاسباني القانوني وغير القانوني في المنطقة الفرنسية، غير أنه في هذه المنطقة بالذات تحتفظ الإرساليات الاسبانية بمؤسساتها وممتلكاتها الحالية، ولا تعترض حكومة جلالة ملك اسبانيا على تعيين رجال الدين من جنسية فرنسية بها. ويعهد إلى رجال الدين الفرنسيين الإشراف على المؤسسات الجديدة التي تؤسسها هذه البعثات”.

وبناء على هذه المعاهدة أصدر رئيس الجمهورية الفرنسية، يوم 5 مايو 1913، مرسوما منظما لهيئة الإرشاد العسكري وطبيعة نشاطها داخل الجيش. وفي هذا السياق أبرق وزبر الحربية للجنرال ليوطي موضحا: «إن الرهبان، سواء تعلق الأمر بأولئك الذين يقدمون مساعفات دينية لجنود قوات الاحتلال داخل الثكنات أو ضمن الأرتال، يجب أن يخضعوا مسبقا لموافقتكم”. وبهذا يكون الجنرال ليوطي قد وضع الإطار القانوني لنشاط عناصر الدعاية الكاثوليكية، وضبط تحركاتها ليس فقط داخل الحاميات العسكرية بل كذلك داخل المجتمع الأوربي الناشئ وفي أوساط الأهالي المغلوبة على أمرها.

وأما بالنسبة للدعاية الصهيونية التي كان يقودها في بادئ الأمر ناحوم سلوش، فإن ليوطي لم يمنعها وإنما طلب من مؤطري اليهودي المغاربة أن يلتزموا السرية والحيطة، وذلك بهدف المحافظة على الأمن العام بالمفهوم الاستعماري، وانكب ليوطي على وضع الإطار القانوني للمؤسسات اليهودية والذي كان يتماشى ونظام الحماية، وكان الزاكوري هو مستشاره الخاص في كل ما يتعلق بقضايا الطائفة اليهودية المغربية.

ومع نهاية 1916 كانت منطقة الحماية الفرنسية موزعة إلى عشرة مراكز للإرشاد الكاثوليكي التابع لجماعة الفرنسيسكان الفرنسيين، وهذه المراكز هي: الدار البيضاء، مراكش، مكناس، فاس، قصبة تادلة، وجدة، بركان، تاوريرت، كرسيف. ومع بداية العشرينيات كان الاكليريوس الفرنسي يشرف على أكثر من أربعين كنيسة تم بناؤها في منطقة الاستعمار الفرنسي التي كان يطلق عليها اسم المنطقة السلطانية.

وجاء تقرير أعدته لجنة الشؤون الخارجية في الجمعية الوطنية (البرلمان الفرنسي) وقدمه النائب موريس باريس في جلسة 4 فبراير 1924، فقرة تؤكد بكل وضوح على تعزيز العمل التبشيري وانتشاره بالمغرب : «إنه من الضروري، وعلى سبيل دعم التغلغل الفرنسي أن تؤسس مراكز تبشيرية في كل من : وزان، سوق الأربعاء، مشروع بلقصيري، سيدي سليمان، واد زم، خريبكة، بن احمد، سطات، برشيد، وأكادير”. وارتفع عدد المبشرين الفرنسيين إلى حوالي 200 راهب، تمثل الراهبات من ضمنهم أكثر من النصف، وينضاف إلى هذا العدد الرهبان الإسبان الذين لم يغادروا المراكز الساحلية (أسفى والجديدة).

وانطلقت حركة تأسيس المدارس المسيحية، ومن بينها مؤسسات تحمل اسم المستكشف الجاسوس شارل دو فوكو، كما أحدثت مؤسسات اجتماعية وطبية عديدة، وكانت كلها تحت إشراف وتدبير هيئات التبشير. وتأسست سنة 1921 مجلة “المغرب الكاثوليكي” التي كانت بمثابة المنبر الرسمي للكاثوليك الفرنسيين بالمغرب. وبدا جليا من توجهات رجال الكنيسة الفرنسيسكان اعتمادهم على المنهج التبشيري العدواني المباشر، ولم يعودوا قادرين على كتمان سر طالما سكن ذاكرتهم وأجج مشاعرهم الصليبية.

وباستقالة ليوطي في أكتوبر 1925، كنتيجة لإخفاقه في “تهدئة” الانتفاضة الريفية بزعامة عبد الكريم الخطابي، أطلق الكاثوليك العنان لدعايتهم التنصيرية مستهدفين كل شرائح المجتمع المغربي.

*أستاذ التاريخ المعاصر وعلوم الإعلام والاتصال بمدرسة الملك فهد العليا للترجمة- طنجة
[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • ali
    الثلاثاء 5 يوليوز 2016 - 08:39

    Et pourtant pendant la période coloniale aucun marocain musulman n'a abandonné l'islam, aucun. C'est maintenant que des milliers de sont évangélisés. Pourquoi ?

  • السلام
    الثلاثاء 5 يوليوز 2016 - 11:09

    لا ادري لماذا يغيب أحداث الحماية الاسبانية بشمال المغرب عند أغلب المثقفين المغاربة الذين تتاح لهم المواقع ووسائل الإعلام والاتصال نظرا لقربهم من مركز القرار. لقد كانت مواجهات بين أبناء هذه المنطقة الشمالية قل نظيرها بالوطن العربي والإفريقي. وذلك بشهادة خبراء العسكر والاستراتيجيات العسكرية. هناك بطولات لأبناء الشمال في عدة جهات مع العدو الاسباني آنذاك وليست معركة أنوال العظمى. وحدها. بل هناك معارك عنيفة وبطولات كمعركة الحمراء ببني حسان. وضواحي تطوان وطنججة والحسيمة وببني مسارة وجبال تازة والناظور والحسيمة وشفشاون. وفي هذه المنطقة كان يتدرب جيش التحرير ويتلقى الدعم المالي والمعنوي. كان يحصل على السلاح. بعد ان يهربه أبناء هذه المنطقة الذين كانت لهم الاتصالات مع القومية العربية بمصر و….. لا تتجاهلوا تاريخ وطننا الحبيب كله من طنجة إلى الكويرة

  • lila
    الثلاثاء 5 يوليوز 2016 - 11:18

    Lyautey à monter de toutes pièces ce qu'on appelle aujourd'hui maroc , jusqu'à son hymne national et son drapeau
    n certain Sarko avait vanté " Lyautey " dans un discours à Tanger
    le maroc avant qu'il soit français , pendant 1/2 siècle, il était déjà espagnol pendant 6 siècles, et bien avant il était Portugais durant 3 siècles

  • اسد اطلس
    الثلاثاء 5 يوليوز 2016 - 11:48

    اود ان اشكر الاستاذ بوتبقالت على هذه السلسلة الرمضانية من تاريخ بلادنا والتي اوشكت على النهاية على ما فتحته امامنا من فرصة للنقاش والتعليق . شكرا هسبريس.

  • اميمدن
    الثلاثاء 5 يوليوز 2016 - 12:12

    الليوطي استغل الدين للوصول للسلطه
    كان يحمي الدين وصك قوانيين لم تكون حتى في الاسلام لكي يقول المغاربه انهو يدافع عن الاسلام ونسو انه استغل الاراضي ووو
    الليوطي نمودج حديث لاستغلال الدين في الاستعمار ةهدا من نراه في فلسطيين
    افخاي ادرعي اخترق فئة كبيرة من المسلميين وحتى الان بدا الكثير من العرب يقولون اللهم اسرائل او حكام العرب ..

  • الإستعماري المتنور
    الثلاثاء 5 يوليوز 2016 - 13:06

    أورد الباحث دانيال ريفي Daniel Rivet صاحب كتاب «اليوطي ومؤسسة الحماية الفرنسية بالمغرب» ، أن اليوطي قال :
    «لم أتمكن حتى الآن من إحكام القبضة على المغرب، إلا بفضل سياستي الإسلامية. إني متأكد من جدواها، وأطلب بإلحاح ألا يفسد علي أحد لعبتي» .
    اعتمد اليوطي وهو يباشر خطة " تتطويع " القبائل المتمردة في الجبال ما كان يسمى «السياسة الإسلامية» بالمغرب، التي قامت على مبدأ التوقير والاحترام، تجاه كل ما يتعلق ب "الأهالي»، مثل ديانتهم، وعاداتهم المحلية، ومؤسسات حكمهم، ومؤسساتهم الاجتماعية التقليدية٬ من قضاء وأحباس وتعليم. وكان الهدف من ذلك أن «لا يشعروا بأنهم يعيشون٬ مع الوجود الفرنسي، قطيعة كاملة مع تقاليده».
    إنه القائل : " وجدنا في المغرب امبراطورية تاريخية مستقلة ، لها غيرة شديدة على حريتها ، رافضة لكل تبعية ، حافظت رغم ضعف سلطتها المركزية علي تنظيماتها ودبلوماسيتها ومؤسساتها الإجتماعية".
    وإليه يرجع الفضل في الحفاظ على المدن العتيقة و على كنوز تراثها المعماري الحضاري .
    وما تزال الأحياء المبنية في عهده في المدن المغربية شاهدة على المزاوجة بين جمال المعمار الأندلسي المغربي و الأوروبي.

  • قبائلي قح
    الثلاثاء 5 يوليوز 2016 - 13:17

    المستكشف الجاسوس شارل دو فوكو، قتله الجزائريون في منطقة الجنوب
    الجزائري ، لما تفطنوا له ولعمله .

  • مغربي
    الثلاثاء 5 يوليوز 2016 - 16:12

    العجيب و الغريب أن الكثير انطلت عليهم خدعة اليوطي…حين قال : أنا لم آتي لتغيير ثقافة المغاربة…

صوت وصورة
خصاص المقررات المدرسية
الخميس 17 شتنبر 2026 - 10:30

خصاص المقررات المدرسية

صوت وصورة
التزامات "البام" لساكنة طنجة
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 23:40 4

التزامات "البام" لساكنة طنجة

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 21:00 1

لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي

صوت وصورة
أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:56 7

أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي

صوت وصورة
لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:08 15

لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 18:07 2

الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع