إذا كان التاريخ يُعيد نفسه كفَرَضِيّةٍ فلسفية، فإن السياسة الأمريكية تعود مرة أخرى بخطة جديدة: تحويل غزة المُدمَّرة إلى منتجع سياحي! نعم، هذه ليست نكتة، بل هي “رؤية” تُطرح من قبل أطراف تُعامل العالم كلوحة مُسَطَّحة يمكن إعادة تلوينها بمزاج القوة. لكن ما ينساه هؤلاء أن غزة ليست عقارًا في ميامي، بل هي جُرحٌ نازف في جسد التاريخ الإسلامي.
منطق المطور العقاري: الأرض للقوي، والسكان…؟ ارمِهم في البحر!
بكل برودَةٍ، يُقترح تهجير سكان غزة إلى مصر أو الأردن، وكأن الأمر مجرد تفريغ شقة مُستأجرة! هذا المنطق الاستعماري المُقنَّع بلسان “الاستثمار” ليس جديدًا. فالمستعمرون القُدامى تَحججوا بـ”نشر الحضارة”، أما اليوم، فالبعض يستبدلها بـ”السياحة”. لكن الجوهر واحد: الأرض لمن يملك القوة، والبشر مجرد أرقام في معادلة الربح والخسارة.
لكن القانون الدولي، الذي ساهمت أمريكا في صياغته، يبدو أحيانًا عاجزًا أمام المصالح السياسية الكبرى. التهجير القسري؟ تطهير عرقي؟ هذه مصطلحات لا تعني شيئًا لمن يرى العالم من نافذة برجه الذهبي.
لعبة الضغط: الفوضى كاستراتيجية تفاوض!
ترامب ليس غبيًا، بل هو تاجرٌ بارع. يعرف أن مقترحاته لن تتحقق، لكنه يرفع سقف المطالب لخلق فوضى تمنحه ورقة ضغطٍ قوية. هكذا تعمل آلة الابتزاز النظامية: تهديد، ثم ابتزاز، ثم صفقة. لقد نجحت هذه الخطة معه سابقًا في التعامل مع كوريا الشمالية وحلف الناتو، فلماذا لا تُجرب على العرب؟
المشكلة أن ترامب لا يدرك أن الشرق الأوسط ليس سوقًا للمساومة. فالفلسطينيون، الذين دفعوا ثمن “صفقة القرن” الوهمية بالدم، لن يسمحوا بتحويل جرحهم إلى سلعة. وغزة، التي صمدت تحت القصف، لن تصبح “فيلا فاخرة” لترضية الصهاينة. التاريخ يُعلّمنا أن الأرض التي تُروى بالدم لا تُباع بالدولار.
لماذا غزة بالذات؟ لأنها “كُبْريت” المنطقة!
يختار ترامب غزة لأنها القطعة الأكثر إشعالًا للصراع. فهو يريد إرضاء بعض الأطراف المؤثرة في واشنطن، الذين يدفعون بأجنداتهم تحت مظلة المصالح. ويريد أيضًا دفع الفلسطينيين لقبول شروط نتنياهو، وابتزاز الخليج لضخ أموالهم في الاقتصاد الأمريكي. والأهم: تحويل القضية الفلسطينية إلى ورقة للضغط على دول النفط، لتخفيض الأسعار وإضعاف روسيا. كل هذا تحت شعار: “الشرق الأوسط فوضى، وأمريكا من تُسيطر على الفوضى!”.
لكن السؤال: ماذا عن شعوب المنطقة؟ الجواب: “على الشعوب أن تدفع الثمن، كما تفعل دائمًا!”.
كفى استهتارًا: على العرب أن يختاروا بين الخنوع والكرامة
الدرس الأهم هنا هو أن ترامب لا يخشى سوى شيء واحد: الوحدة العربية. فمقترحاته الساخرة لن تصمد لو وقفت الدول العربية ككتلة واحدة تقول: “كفى استهتارًا بدماء الفلسطينيين!”.
رفض الابتزاز السياسي: لا يمكن التعامل مع ترامب كشريك تفاوض، بل كطرف يُروج لمشروع استعماري.
دعم غزة فعليًا: إرسال مساعدات إنسانية فورية، ومحاكمة إسرائيل دوليًا، وبدء إعادة الإعمار دون انتظار “الوصاية الأمريكية”.
تذكير العالم بالتاريخ: فالفلسطينيون لم يخرجوا من أرضهم عام 1948 رغم كذبة “النزوح المؤقت”، ولن يخرجوا اليوم. غزة ليست أرضًا، بل هي هوية. وكما كتب محمود درويش: “غزة ليست أجمل المدن، لكنها تُعادل كل جمال الأرض في عيون من دافع عنها”.
حين يصبح الصمت جريمة
يعيد ترامب إنتاج سيناريو “الفوضى الخلاقة”، لكن هذه المرة بوجهٍ عقاري. وعلى العرب أن يقرروا: إما أن يكونوا جزءًا من حلٍّ قائم على الكرامة، أو أن يصبحوا مجرد أدوات في مسرحية الهيمنة الأمريكية. غزة لم تكن يومًا مجرد أرض، بل هي ضمير الإنسانية. فإن سقطت غزة، فاعلموا أن العدالة والكرامة ستسقطان معها.
الوقت ليس للشعارات الجوفاء، بل للتحرك الفعلي. وكما قال الفيلسوف إدموند بيرك: “الشر الوحيد الذي يحتاج إلى انتصار، هو صمت الأخيار”. فهل سنظل صامتين، أم سنعمل معًا لإيجاد حلول عادلة تُنهي معاناة غزة وتُعيد للكرامة الإنسانية مكانتها؟
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.