فتاوى في حضرة السلطان

فتاوى في حضرة السلطان
الإثنين 24 فبراير 2014 - 10:48

قد لا نفقه كثيرا في أمور الدين ،لكن عبث الفتاوى في حضرة السلطان/الحاكم تستفز منطق التفكير العقلي حيث يصاب المرء العاقل بنوع من “التسمر الاندهاشي الموضعي” ،وذلك تحت سباب ما تثويه من هرطقات وترهات اجتهادية غاية في العته ،حيث تتم عملية اللهث وراء السلطان/الحاكم وتمجيده وما يستتبع ذلك من نفاق وزيف مكشوف ،وما يستلزم من تسخير أعمى لأصول الدين في مدح السلطان/الحاكم، واصطفائه من دون الناس والعامة، وإصباغه بمكارم الأخلاق وكامل الأوصاف، وفي ترسيخ تميمة “أن الخير لا يأتي إلا على يديه”،مع ما يطبع سلوكه من نقاء وصفاء ،فهو ظل الله في الأرض من خلال استدراج مسلكيات ومضامين نظرية التفويض الإلهي واستعارة موبقات الحكم الثيوقراطي أيضا ،وامتلاك الحاكم السلطة على الشمس والقمر والأرض والبحر وسوق، سيل من الأساطير،وتنزيهه عن الأخطاء والزلات،وتمكينه من قوة خارقة وقاهرة لا تقاوم،وكل خير يأتي فهو من فضله وكل شر يحل بالدولة والرعية فهو بمقياس التآمر عليه فقط أو مجرد ابتلاء زائل لا محالة.

وبحسب تحليل الجابري فإن العقل السياسي العربي كان دائما مسكون ببنية المماثلة بين الإله والحاكم، ف”الملوك والسلاطين يعتبرون مرفوعين عن صف البشر وهم غير بعيدين عن العزة والعناية الإلهية”،وأيضا يورد ابن الأزرق أن” الحاكم السياسي هو ذلك الإنسان الذي اصطفاه الله من بين العباد وزوده باستعدادات كافية من اجل حكم الجماعة التي تتمركز حول شخصه” بصفته “الملك الظل الإلهي الذي يستمد سلطانه من الله”.

(ابن الأزرق ،بدائع السلك في طبائع الملك)،وبالتالي يتم تسخير الفقهاء والعلماء أيضا في خدمة هذه”الايديولوجيا السلطانية” القائمة على الغلبة والسمو والرفعة والقوة والجبروت والتسلط والاستبداد أيضا،فالسلطان /الحاكم إنسان استثنائي وغير

عادي ويملك قدرات لا نظير لها يستمد أصولها من الله مباشرة .فهذا التزلف والتملق يعتبران بمثابة جرم مشهود في حق الدين والرعية على حد سواء وهو يقع نظير نيل المكافآت والحظوة والجاه والمال،والتقرب من الحاكم لقاء منافع ذاتية ضيقة.

هذه الفئة الضالة “المتفيقهة”philodoxes -كما يسميها خليل احمد خليل في كتابه “سوسيولوجيا الجمهور السياسي الديني في الشرق الأوسط المعاصر”-،التي تسخر الدين في خدمة مآربها الشخصية،وفي تجلي ممارسة التحوير والتضليل للآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة،خاصة أن تعاليم الدين الإسلامي الحقة ترفض بشكل قطعي “تأليه الحاكم” وممارسة الاستبداد والتسلط، أي حكم الجبابرة والمتسلطين.

ففقهاء السلطان يوظفون آلياتهم الاجتهادية الباطلة في “شرعنة الاستبداد والتسلط”،واستلاب وتخدير عقول الجمهور والإيقاع بها في دائرة الاستتباع وتجريدها من إرادتها وحريتها، وإنتاج الجهالة واستغلالها في تقبل فتوى تعظيم السلطان/الحاكم ،بشكل تسطيحي وتبسيطي دون النبش فيها أو محاولة مراجعتها أو نقدها،أي خلق الجمهور العبودي/المستعبد والمستلب.

خصوصا وأن رجل الدين يستمد قدسيته من زيه ولباسه(العمة واللحية) ،ومع الجهل الذي يستحكم الكثير من الناس تلقى الفتاوى القبول مادامت تلبس لبوسا دينيا،وفتواهم في حضرة السلطان مخدومة بشكل محبك ممزوجة بأدلة تستمد أصولها من آيات قرآنية مجتزأة وأحاديث مبتسرة وفق إسقاطات وتماثليات غرائبية لا تنسجم مع وقع حقائق الأمور .

فهي عبارة عن ملفوظات حائزة لمتن معتل وضعيفة الحجة والبرهان ،وتتنافى مع المنطق العقلي والعلمي /الموضوعي.

وما يزيد من عبثية المشهد أن تجد لها آذانا صاغية وتلقى القبول والترحاب والتهليل لدى جموع الناس خصوصا الموالين والأتباع منهم،وتكتسب معقوليتها ومصداقيتها وتنال نصيبها الأوفر في التداول،وهي في وظيفتها تهدف إلى صرف الناس عن مشاكلهم، كما إن ربط الخلاص والانفكاك منها بيد الحاكم وحده،والعمل أيضا على تثبيت أسس ثقافة الحشود والجموع بدل الرأي العام الواعي بحقوقه وواجباته ،وتثبيت منطق الرعية بدل مفهوم المواطن والمواطنة.

إن هذه المهنة تضرب بعروقها وجذورها في التاريخ واستمرت بفعل التواتر والممارسة ،وقد حضيت بالتوظيف الجيد من لدن العديد من الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا،من اجل شرعنة الاستبداد والتسلط وضمان استمرارية ودوام الحاكم بغض النظر عن درجة جبروته وقهره للشعب.

والملاحظ حتى في عز ربيع الشعوب وزخم الثورات والاحتجاجات كانت تسخر آلية الفتاوى لتحريمها ،حيث كانت تعتبر بحسب الاجتهادات الواهية خروج عن طاعة ولي الأمر وبالتالي هي خروج عن طاعة الله،ولأنها كانت مصدر لإشاعة الفتنة والكراهية بين الناس .

ولعل ما يقع في مصر يشكل نموذج حديث وساطع يدل على التوظيف السياسوي للدين ،ففي عهد حكم مرسي تم ترويج مجموعة من الفتاوى والأقاويل التي تستند إلى أساس ديني في سياق مسعى تكريس فكرة “الرئيس المبروك”،و أن “مرسي اختيار الله”، و “من أهل الحق والبرادعى وحمدين من أهل الباطل”، و”أن مهاجمة مرسى معصية ومعارضته محرمة”، و”ربط زيادة محصول القمح ستة أضعاف بوجه مرسى المبروك”.

وفي سياق التهييء لتولي وزير الدفاع “عبد الفتاح السيسي”لمنصب الرئاسة كثر اللغط /الغلط حول تمجيد ومبايعة ومباركة السيسي من مشايخه، حيث هناك من شبهه بالقائد الإسلامي طارق بن زياد الذي أنقذ الإسلام وشمال أفريقيا ،وكذلك السيسي أنقذ مصر من حكم الإخوان ” وبقوله أن السيسي هو قدرنا ونحن قدره ” ،واعتبر أن من يرفض النزول للاستفتاء على الدستور فهو آثم لأنها شهادة ومن يكتمها ارتكب معصية”.

وفي نفس السياق يقول العالم الأزهري الهلالي إن مصر شهدت سرقة للدين مرتين الأولى في عهد فرعون موسى، والثانية في عهد الرئيس المعزول. وأضاف الهلالي، في كلمة باحتفالات الشرطة لتكريم “شهدائها” في الأحداث الأخيرة، اليوم الخميس: “الله أرسل رسولين من عنده إلى مصر لإنقاذها، وهما المشير عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع، واللواء محمد إبراهيم وزير الداخلية”. ورأى أن الله حمى مصر والدين الإسلامي بالوزيرين المحاربين للإرهاب والعاملين على توفير الأمن للمصريين.

وهي فتاوى تصب في اتجاه خلق القائد الملهم والمنقذ ولكونه جاء ليهدي الناس إلى الصراط المستقيم وينتشلهم من الظلمات إلى النور ،وطاعته واجبة وهي من طاعة الله ،والخروج عنه يقع في دائرة المحظور والمحرم والمدنس .

إن الممارسة الديمقراطية الحقيقية تستوجب القطع مع هذه الممارسات وتوجيه الدين في خدمة المواطن والسعي وراء تحقيق العدالة ،والابتعاد عن منطق شخصنة السلطة والمضي في بناء دولة المؤسسات والمساواة ورعاية حقوق المواطنين، والتداول على السلطة يجب أن يخضع لناموس الإرادة الشعبية وعبر صناديق الاقتراع ،والبقاء للأصلح من الناس بحكم أدائه في الممارسة الديمقراطية وليس لشخصه ولذاته ،فالديمقراطية يجب أن تقترن بالمؤسسات وليس بالأشخاص،والاجتهاد الفقهي يجب أن يصب في صالح الأمة وليس في صالح الحاكم الظالم،والعمل في اتجاه تقديس مبدأ رعاية مصالح الناس وليس تقديس مصالح الحاكم المستبد.

‫تعليقات الزوار

4
  • العفيف عبد الكريم
    الإثنين 24 فبراير 2014 - 11:12

    لا بد من الحسم في المسألة الدينية و في الاسلام بالخصوص الذي صار من اكبر المعيقات لكل تطور و تقدم و الذي دوما يعيدنا الى الاشكال القديمة في التفكير و النظرة و البنيات الاجتماعية الاقتصادية السيكولوجية و هي بنيات نكوصية معيقة كابحة لكل الملكات البشرية. اعطي مثالا واحدا: الجسد مثقل بالممنوعات و مكبل و المرأة لا تستطيع الحركة و لا العمل و لا الرياضة و لا ركوب المغامرة و المخاطرة (العلمية و الاستكشافية) لهذا نرى النساء عندنا غليضات الجسم سمينات بطيئات الحركة بمشية جامدة تقريبا، بالاظافة الى انهن يسلكن سلوكا هذيانيا (يظنون انهن مراقبات دوما من طرف الاقارب و الجيران و السلطات الخ) و عدوانيا( يؤولن كل شيئ الى الجنس و لا يبتسمن و يظهرن العبوس و الجدية الخ) و سكيزوفرينيا (اي انهن منفصلات عن الواقع لا يعرفنهن او هن فيه غريبات)- و قد لا حظت سيدات يحاولن ممارسة الرياضة لكن بالجلابيب و كومات الثوب على الجسد الذي يعيق حركتهن مما يثير الاستغراب و الضحك علما ان السيدات في دول اخرى تتجاوزن الرجال في الميدان الخ- هذا عن الجسد، فماذا عن العقل و الفكر و النفسية؟ انها الطام

  • amr yassir
    الإثنين 24 فبراير 2014 - 13:38

    ا لسلام عليكم نتكلم عن دولة المؤسسات وحقوق الانسان والديمقراطية والعدالة والتداول على السلطة……كلام مضحك و محزن في تنزيله على الواقع لانه وبكل بساطة انقرض حتى في الدول الاوربية ولم يبق منه الا النزر اليسير اما في الدول العربية فانه لم يوجد اصلا.
    القلم مسؤولية و رسالة

  • ضد الظلام
    الإثنين 24 فبراير 2014 - 14:07

    تسخير الدين لتمجيد السلطان ليس أمرا جديدا في تاريخنا، بل إن ما وقع في صدر الإسلام هو أخطر بكثير مما يحدث في وقتنا الحاضر. فإن كان فقيه وعالم اليوم والماضي القريب يتملق للحاكم بإصدار الفتاوى و لي أعناق النصوص فإن فقيه السلطان في العصر الأول كان أكثر جرأة ودهاء حيث كان يصل إلى حد اختلاق ووضع الأحاديث والتي رفعتها السلطة الحاكمة آنذاك إلى مقام النصوص القطعية حتى تم تدوينها في "صحاح" الأوائل فأضحت على مر التاريخ الإسلامي كله "حججا دامغة" ترفع في وجه أي فكر يروم الاجتهاد الديني العقلاني.

    نخص بالذكر ما فعله بنو أمية بعد استيلائهم على الخلافة وتحويلها إلى ملك عضوض. فنسبت لبعض صناديدهم صولات وجولات في الجهاد والتضحية في سبيل الله كأبي سفيان الذي تزعم الحرب على الرسول لمدة 23 سنة وأصبح بين عشية وضحاها مجاهدا مخلصا.

    وأما معاوية زعيم الفئة الباغية وقاتل حجر بن عدي والذي دعا عليه الرسول (لا أشبع الله بطنه) ورغم كل موبقاته فأضحى كاتبا للوحي وصحابيا جليلا يقتدى ويهتدى به.

    والأمر ينطبق أيضا على اليزيد ومروان بن الحكم وابنه عبدالملك والحجاج وخالد بن عبدالله القسري (الذي ذبح الجعد بن درهم) و غيرهم.

  • sifao
    الإثنين 24 فبراير 2014 - 20:48

    استغلال الدين لتحقيق مشارب شخصية بادية للعيان سواء على مستوى الدولة او على مستوى جماعات دينية سياسية او دعويمة او جهادية اوزاوية أو مشيخة ….الخ ، الاميراو شيخ او مريد يحضى بالتقديس والتبجيل من طرف "علماء دين " مهمتهم تأويل النص الديني وتطويعه في خدمته ، اي خروج او تمرد علىه يكون بمثابة عصيان للامر الالهي ، لكن السؤال هو ، هل الدين لا يوفر هذه الامكانية ، اي امكانية استغلاله في امور اخرى غير التي وُجد من اجلها ؟ النص الديني مفتوح وقابل للاستغلال بصيغ مختلفة ، وهذا ما يفسر تعدد القراءات والجماعات كل واحدة تدعي انها على ما كان عليه الرسول والصحابة ، اذن ، استغلال الدين لتحقيق مصالح شخصية ذاتية يبقى قائما مادام النص الديني يوفر هذه الامكانية ، في حالة بلادنا ، رغم وجود هيئة رسمية تتولى الشأن الديني وتنظيمه ، بغض النظر عن مصداقيتها ، من حين حين لآخر نسمع فتاوي من اشخاص لا علاقة لهم بمؤسسات الدولة على الاطلاق ، كما هو الشأن بالنسبة للشيخ ابو النعيق ، الذي تجاوز صلاحية المجلس الاعلى واصدر فتواه في حق لشكر ، هذه الفوضى هي سبب المشاكل التي تعاني منها العديد من الدول الاسلامية …

صوت وصورة
عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب
السبت 16 يناير 2021 - 17:11 3

عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب

صوت وصورة
جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال
السبت 16 يناير 2021 - 15:55 7

جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال

صوت وصورة
مؤتمر دولي لدعم الصحراء
الجمعة 15 يناير 2021 - 22:35 8

مؤتمر دولي لدعم الصحراء

صوت وصورة
قافلة كوسومار
الجمعة 15 يناير 2021 - 21:34 1

قافلة كوسومار

صوت وصورة
مع نوال المتوكل
الجمعة 15 يناير 2021 - 18:19 7

مع نوال المتوكل

صوت وصورة
رسالة الاتحاد الدستوري
الجمعة 15 يناير 2021 - 17:55 3

رسالة الاتحاد الدستوري