في الذكرى الـ16 لخطاب أجدير التاريخي

في الذكرى الـ16 لخطاب أجدير التاريخي
الأحد 29 أكتوبر 2017 - 02:40

يعد المغرب نموذجا متميزا في مجال تدبير التنوع اللغوي والثقافي عموما والنهوض بالأمازيغية على وجه الخصوص، سواء في التعليم والإعلام أو الإبداع الثقافي. وقد بوأه هذا مرتبة خاصة على الصعيد الدولي في اليونيسكو وعدد من المؤسسات الدولية التي تدعو إلى العناية بالإرث الثقافي الإنساني في مختلف بلدان العالم.

ولقد شكل خطاب العرش (30 يوليو 2001) بداية لسياسة جديدة قائمة على الاعتراف والاعتزاز بتعددية مكونات الثقافة الوطنية، وعلى المكانة الأساسية التي تحتلها الثقافة الأمازيغية وسط باقي المكونات، في الوقت الذي كانت فيه قبل هذا التاريخ في وضعية الهامش المنسي.

كما مثل الخطاب الملكي السامي لأجدير بتاريخ 17 أكتوبر 2001، الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله بحضور مختلف الفاعلين في مجالات عديدة، منها أطراف سياسية ونقابية واقتصادية، وفاعلون في المجتمع المدني والديني في منطقة أجدير التاريخية التي شهدت من قبل أحداثا مهمة في تاريخ المغرب، منعطفا مهما في تاريخ المغرب، وخصوصا بالنسبة للأمازيغية لغة وثقافة؛ إذ نص الخطاب على مبادئ أساسية اعتبرت خطوة مهمة نحو الدمقرة اللغوية والثقافية في المغرب.

وقد تقرر انطلاقا من هذه التوجهات الجديدة إنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الذي تحددت مهامه في الظهير المنشئ والمنظم له الذي ينص على “النهوض بالأمازيغية؛ وذلك عبر إدراجها في المنظومة التربوية وضمان إشعاعها في الفضاء الاجتماعي والثقافي والإعلامي الوطني والجهوي والمحلي”.

وقد اعتبر تأسيس المعهد بمثابة إحياء وبعث للثقافة الأمازيغية ولغتها التي كانت مهددة بالانقراض؛ حيث عبر الخطاب الملكي السامي رسميا على أن الأمازيغية “مسؤولية وطنية لكل المغاربة” وليست حكرا على طرف دون غيره، مما يعني أنها لا تهم بعض المغاربة دون بعض، كما اعتبرت ذات جذور عميقة في تاريخ المغرب تجعل منها عنصرا جوهريا في تحديد هوية البلاد وشخصيتها الثقافية. كما كان من أهم مضامين خطاب أجدير تأكيده على أنّ الأمازيغية ترتبط بمشروع “المجتمع الحداثي الديمقراطي”؛ حيث لا ديمقراطية بدون الهوية الثقافية.

واليوم إذ يُحتفل هذه السنة بالذكرى الـ16 لتأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، بعد مرور أزيد من عقد ونصف على خطاب أجدير التاريخي، يمكن القول بأنه مقارنة مع أمس، نستنتج أن الرصيد المتحقق من طرف المعهد يعد تراكما كميا ونوعيا غير مسبوق، نذكر منه على مستوى التعليم إدراج الأمازيغية في المدرسة المغربية وتأليف منشورات بلغ عددها 314 إصدارا، بالإضافة إلى 12 عددا من مجلة “أسيناك”، المجلة العلمية للمعهد، وهذه الإصدارات متوزعة على مجالات اللسانيات الأمازيغية والبيداغوجيا والديداكتيك والدراسات الأدبية والفنية والدراسات التاريخية والبيئية والأنثروبولوجية والسوسيولوجية والترجمة والتوثيق والنشر والتواصل والسمعي البصري وكذا في مجال الدراسات المعلوماتية وأنظمة الإعلام والتواصل.

وبعد دخول عامها السابع، تظل قناة “تمازيغت” القناة الوحيدة التي تنتج 90 في المائة من برامجها بالأمازيغية، مما جعلها تستقطب جمهورا هاما كان من قبل متعطشا لمشاهدة برامج تلفزيونية بلغته الأم، ما أعاد الاعتبار لشريحة مهمة في المجتمع المغربي، وخاصة في المناطق الجبلية المحرومة من وسائل التثقيف والترفيه.

على مستوى الانفتاح على المحيط الخارجي قام المعهد بعقد شراكات مع عدد كبير من الجمعيات العاملة في مجال النهوض بالأمازيغية في إطار دعمها، كما قام بمنح جوائز للثقافة الأمازيغية منذ سنة 2005 تشجيعا للمبدعين والفنانين، إضافة إلى دورات تكوينية في الإعلام السمعي البصري، وكذا في المجال التربوي وغيره.

بعد هذه المكتسبات على سبيل المثال لا الحصر التي تحققت، جاء دستور المملكة 2011، الذي ينص في فصله الخامس على ما يلي: “تعد الأمازيغية أيضا لغة رسمية للدولة باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء يحدد قانون تنظيمي مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في مجال التعليم وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية وذلك لكي تتمكن من القيام مستقبلا بوظيفتها بصفتها لغة رسمية”، الشيء الذي يعد ثمرة نضال مدني للفاعلين الأمازيغيين من جهة، ونتيجة عمل أكاديمي علمي في تهيئة الأمازيغية ومعيرتها وتنميط حرفها من طرف المعهد من جهة أخرى.

وقد أطلق هذا الاعتراف الدستوري برسمية اللغة الأمازيغية دينامية اجتماعية كبيرة منذ سنة 2012، تمحورت جهودها حول مناقشة مضامين القانون التنظيمي المرتقب، وهو النقاش الذي استمر بعد أن قامت الحكومة بصياغة مشروع قانون تنظيمي لتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية، القانون رقم 16-26، وكذا قانون تنظيمي خاص بالمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، وهما المشروعان اللذان اعتبرهما المجتمع المدني الأمازيغي والحقوقي بعيدين عن منطق استحضار متطلبات إعمال الدستور والالتزامات الرسمية لبلادنا، وكذا مكاسب المصالحة اللغوية والثقافية منذ 2001، حيث لم تعتمد في وضعهما المقاربة التشاركية؛ إذ تم تهميش المجتمع المدني والجمعيات العاملة في هذا المجال، مما جعل القانونين بعيدين عن المكتسبات والتراكمات الإيجابية المتحققة.

في ظل هذه المتغيرات، نتساءل هل من منفذ لإطلاق مسلسل المأسسة الفعلية للأمازيغية في كل قطاعات الحياة العامة، وذلك بناء على التجارب والخبرات والمكتسبات المتراكمة منذ 16 سنة، أي منذ انطلاق أشغال المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الذي يظل إطارا مرجعيا رسميا لا غنى عنه في تدبير موضوع اللغة والثقافة الأمازيغيتين داخل المؤسسات؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • جليل نور
    الأحد 29 أكتوبر 2017 - 16:04

    تساؤل لعل الكاتبة تساعدني في الإجابة عليه: انطلاقا من كوني مغربي عربي/عارب/أمازيغي غير ناطق بالأمازيغية – لا أتهكم فقط أعرف بعناصر، لغة و أصلا إثنيا، تدخل في تكوين شخصيتي كمغربي (إلى جانب غيري من المغاربة ذو مكونات متنوعة تلاقت وانصهرت) – يؤرقني الندم أني تأخرت في الوعي بالثقافة الأمازيغية في مختلف أبعادها، و يخجلني أني عاجزعن التحدث بها أو فهم أي من لهجاتها إلا أنه خجل أبعد ما يكون عن الشعو بالذنب ما دمنا، أنا والآخرالناطق بالأمازيغية، ضحايا خلل أو اختلال لغوي نتيجة عوامل تاريخية مستقلة عن إرادة أي منا ("الفتح" الإسلامي و الإستعمار الفرنسي أساسا) وضعتنا في علاقة دونية تابعة حيال ثقافة أجنبية عانينا منها على اختلاف ألسنتنا زمنا مديدا و عاشنا أبناء الوطن الواحد بسببها تواصلا معاقا و اغترابا..يتبع

  • جليل نور
    الأحد 29 أكتوبر 2017 - 16:05

    تتمة…لذا (وهنا التساؤل) أفكر جديا في تعلم اللغة الأمازيغية بغرض التواصل بواسطتها مع مواطني و مواطناتي الأمازيغ تواصلا حيا، لا أهتم حاليا بكتابتها و قراءتها – إذ لا أحتاج الآن لفصحى ثانية خاصة بفئة المثقفين و ربما سأفكرفي ذلك لما تصبح اللغة  "المعيارية" متاحة! – يهمني الآن أختيارأي لغة (عفوا لهجة): تشلحيت أم تريفيت تمزيغت؟  رجاء إرشادي أي معيار أعتمده في الإختيار؟ كم الناطقين بها أم الكيف، أعني جمالية اللغة وسلاستها و سهولة بنائها؟.. مع جزيل الشكر مسبقا لكل من يتفضل بالمشورة..فقط المتعصبون العرقيون أو الخشنون المتعجرفون، عربا أو أمازيغ أو فرانكفون، رجاء امتنعو s’abstenir svp!

  • J'aime tamazight
    الأحد 29 أكتوبر 2017 - 17:53

    Au n2jalil Nour : j'ai le même problème .mes enfants ne parlent pas facilement tamazight mais je crois qu'avec le temps ils seront obligés de l'apprendre lorsque tamazight sera exigé e dans l'administration et la justice l'enseignement et la TV (les médias) …pour le moment je te conseille d'apprendre un des dialecte s amazigh et c'est largement suffisant car tu peux dialoguer avec n'importe quel amazigh même avec les Kabyles d'Algérie..

  • BILAL
    الأحد 29 أكتوبر 2017 - 18:26

    الي جليل نور
    والله احبك من اعماق قلبي واشكرك غاية الشكرعلي مقالك الرائع. مقالك اثلج صدرلان كلامك هو السبيل الحيد ليحب بعضنا البعض ولنحس ان مصيرنا واحد بالدارجة وبالامازيغية يدا في اليد. كلاهما نحبهما ونتحدث بهما لانهما المغرب الحقي.
    لتكون منصفا مع نفسك، تعلم اللغة الامازيغية في غاية السهولة لكل مغربي ترعرع في احضان الثقافة المغربية. لماذا؟ لانك غالبا تنطق بالامازيفية ولا تشعر. واعلم جيدا ان قواعد الدارجة المغربية ونحوها واعرابها وحركاتها وجل كلماتها اصلهم جميعا هو الامازيغية. نعم الامازيغية مع كلمات العربية الفصحي ولكن معجونة بالامازيغة وبعض الاحيان بالفرنسية.
    اذا اردت تعلم الامازيغة بجد فلا تبالي لا بالسوسية ولا بالريفية ولا بالزيانية لأنك اذا تعلمت واحدة سوف تفهم الاخرتين.
    نفس الكلمات والاختلاف موجود فقط في الاوتارالصوتية والنطق. phonitique مثلا السوسية بالحنجرت والشفتين والريفية والاطلسية باللسان المشدد. ولكي تحس برنانة الكلمة لفهمها لا عليك الا استعمال الاذن.مع مدة قصيرة جدا الاذن سيتعود علي اللون الغنائي للكلمة الامازيغية كيفما كان مؤديها. تعمد حفظ بعض الكلما ت وستوفر تري..

  • جليل نور
    الإثنين 30 أكتوبر 2017 - 15:33

    تحياتي للصديقين المحترمين بلال ( الحب متبادل يا أخي) و الفرنكفوني J'aime Tamazight شكرا على إهتمامكما و سرعة إستجابتكما للإستغاثة!
    تسرني مصادفة اتفاقكما حول نفس النصيحة
    و سرني أكثر ما حصل من تجاوب جميل بين مواطنين أمازيغفون + فرنكفون + عربفون نابع من حبنا المشترك للغاتنا المشتركة! لدي ثلاثة أصدقاء أعزاء ريفي و سوسي و زموري كل واحد يشجعني على تعلم لغته الأم، أظن سألجأ للقرعة باش نخلي كل واحد على خاطرو..شكرا مرة أخرى و كل الشكر أيضا لكتابة المقال الأخت خديجة عزيز.
    p.s. je ne suis plus un enfant quand même cher ami ! allayehfad lik loulidat

صوت وصورة
التزامات "البام" لساكنة طنجة
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 23:40 4

التزامات "البام" لساكنة طنجة

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 21:00 1

لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي

صوت وصورة
أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:56 7

أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي

صوت وصورة
لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:08 14

لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 18:07 2

الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع

صوت وصورة
بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 17:16 3

بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا