كُش مَلك على تَلة الرمل

كُش مَلك على تَلة الرمل
الجمعة 6 نونبر 2026 - 20:36

خمسون عاماً في الجانب الخطأ من التاريخ

في هندسة الصراعات الدولية، لا تُقاس الصلابة بالقدرة على إحداث الجلَبة أو رفع وتيرة الشعارات، بل تُلخصها القوانين الفيزيائية للحركة؛ حيث يخبرنا قانون “القصور الذاتي” أن الجسم الساكن يظل مستسلماً لسكونه، بينما الجسم المتحرك يكتسب بزخمه وكتلته قوة دافعة هائلة تجعل من المستحيل إيقافه أو تغيير مساره. وفي السياسة كما في الفيزياء، فإن الطاقة المتراكمة بفعل البناء والواقع على الأرض تولد “قصوراً ذاتياً استراتيجياً” يتغذى من ثقل المنجزات، لينتصر في النهاية من يتقن فضيلة الصبر الديناميكي ونَفَس الفروسية الطويل، محولاً الزمن إلى حليف موضوعي يمتص اندفاع الخصوم ويتركهم في حالة تحجر تام، لتتهاوى أمامهم قلاع الوهم بمجرد أن تكتمل فصول الواقع.

وعلى هذا النحو، كانت رقعة الشطرنج ممدودة فوق جغرافية ممتدة، رقعة تمتد من أطراف الأطلسي الصاخب إلى عمق الصحراء الساكنة. وعلى مدى نصف قرن، كانت القطع تتحرك في صمت، يُديرها طرفان بذهنيتين مختلفتين تماماً.

كانت الذهنية الأولى ذهنيةَ الدولة الأمة الممتدة، التي تفكر بمنطق التراكم وبناء المستقبل؛ ذهنية صِيغت من عمق الأرض لتجمع بين زئير الأطلسي وكبريائه الحاسم في مواجهة العواصف، وبين هدوء الصحراء وحكمتها البالغة في استيعاب الزمن وغربلة العابرين. ذهنية تؤمن بأن معركتها الحقيقية ليست فوق طاولات المنابر بل في جوف الأرض، فتحفر الطرق وتُشيد الموانئ وتزرع الحياة، محولة الجغرافيا إلى شريك دائم. أما الذهنية الثانية؛ فكانت ذهنيةً تكتيكية مغلقة، حُبست في أيديولوجيا الحرب الباردة ونزوع الهيمنة الإقليمية؛ ذهنية تعيش على افتعال الأزمات واحتجاز البشر كأوراق ضغط، تقتات على بقايا شعارات الماضي وتصنع من الجمود قضية، عاجزة عن استيعاب أن رمال الزمن متحركة، وأن من لا يتقدم على الرقعة يندثر.

تلك الرقعة، وقبل أن تشتعل بالخصومة، كانت مغطاة بظلال الأخوة والتآزر. يتذكر “شاهد” وهو يُقلِّب دفاتر التاريخ في وعيه الجريح كيف كان المغرب في عهد الملك محمد الخامس يمثل القلعة الحصينة والظهير الاستراتيجي لجيش التحرير الجزائري. لم تكن المدن المغربية مثل وجدة والناضور مجرد عُمران على الخريطة بل كانت عمقاً آمناً تتدفق منه الأسلحة والدعم وملاذاً للثوار الجزائريين الذين وجدوا في حضن المغرب السند والنصير لاقتلاع حريتهم من المستعمر الفرنسي.

كانت قطع الشطرنج المغربية تتحرك بروح الفروسية والنبل؛ حتى إن الملك محمد الخامس رفض عرضاً فرنسياً مغرياً لإعادة ترسيم الحدود واسترجاع الأراضي المغربية المبتورة ومنها تندوف وبشار مقابل التخلي عن دعم الثورة الجزائرية، مفضلاً تأجيل الأمر إلى حين استقلال الأشقاء إيماناً بعهد الوفاء ووحدة المصير المغاربي.

لكن ما إن وضعت الحرب أوزارها واستنشقت الجزائر عبير الاستقلال حتى تغيرت ملامح اللاعبين على الرقعة وتنكرت اليد التي مُدت بالأمس. بدلاً من الوفاء بالعهود، تحركت القطع الجزائرية في خريف 1963 بنزعة توسعية وقومية مغلقة، رافضة إعادة الحقوق التاريخية لأصحابها ومشعلة فتيل الضغينة لتتحول إلى حرب الرمال، وتُرسي معها قواعد التوجس الإقليمي الدائم.

في هذه اللحظة المبكرة من التاريخ، وُضعت أحجار اللعبة الأولى؛ الحقيقة المريرة التي نزلت على روح “شاهد” لاحقاً كالصاعقة هي إدراكه أنه لم يكن يوماً سوى ضحية لقواعد تلك اللعبة الخبيثة التي صِيغت بدقة في خريف 1963، قبل أن يولد هو وقبل أن تولد قضيته أصلاً. تملكه شعور حاد بالخذلان وهو يستوعب كيف تم التلاعب بمصيره ومصير جيله، وكيف حُوّلت حياتهم لاحقاً إلى مجرد ورقة ضغط في صراع إقليمي لا ناقة لهم فيه ولا جمل، صراع وُلد من رحم نكران الجميل ليعتقل أحلامهم في تندوف.

لكن في نونبر 1975، رداً على تلك المحاولات العقيمة، اندفعت على الرقعة نقلة بيضاء خالصة قلبت الموازين تماماً وغيرت إحداثيات المواجهة الإقليمية؛ نقلة تجسدت في ملحمة المسيرة الخضراء السلمية التي شقت الرمال واستعادت الأرض جهاراً بالرايات والمصاحف.

ولم ينسَ “شاهد” أبداً ارتداد تلك النقلة في عمق وجدانه؛ حيث تراءت له ذكريات دجنبر الأسود من العام نفسه، ممتزجة برائحة عيد الأضحى التي خنقتها أنفاس الفزع؛ إذ أقدمت السلطات الجزائرية في رد فعل انتقامي غادر على طرد آلاف العائلات والمواطنين ذوي الأصول المغربية قسراً. يتذكر كيف استفاقت أسرته وأقاربه على طَرْقات عنيفة على الأبواب، وكيف رأى بعينيه ملامح الذعر تعلو وجوه جيرانه وأخواله وهم يُساقون نحو شاحنات الترحيل. كانت صور الأطفال المذعورين والنساء اللواتي جُرِّدن من حليّهن ومدخراتهن، والأجداد الذين تركوا وراءهم طين الأرض التي شيدوها وعرق السنين التي بذلوها لبناء الجزائر، تتراءى له كجرح دائم. أسر ممتدة ومصاهرات عريقة بُترت بدم بارد وقُذفت نحو الحدود في أجواء مهينة وصادمة أدمت القلوب، في محاولة يائسة من صانع القرار في الجزائر لإرباك النقلة المغربية الكبرى وتعميق جراح الخصومة الإقليمية.

تلك اللحظة القاسية أثارت في وجدان “شاهد” سؤالاً مؤرقاً ظل ينهش روحه طيلة العقود الماضية: كيف يمكن لعاقل أن يصدق هذه المفارقة؟ كيف تدعي الجزائر حماية سكان مخيمات تندوف وتعدهم بجنة الدولة الموعودة والتحرر، بينما تطرد في الوقت نفسه إخوانهم من الدم والنسب والعقيدة والرحم الممتد، وتلقي بهم إلى المجهول في ليلة عيد؟ أي شعار هذا الذي يحتضن الغريبَ ليصنع منه واجهة حرب، ويمزق نسيجُ القريب وشائجَ القرابة بنكران وجفاء صارخين؟.

ومن رحم هذا الشرخ المتنامي، بدت تتشكل ملامح البيدق الذي صُنع بعناية ليكون أداة المناورة على الرقعة؛ “جبهة البوليساريو”، التي وُلدت رسمياً في 10 ماي 1973 كحركة لمقاومة الاستعمار الإسباني، قبل أن يتم اختطاف قرارها وتتحول الجزائر إلى حاضنة لها فوق أراضي تندوف ليعاد صياغتها كأداة تقسيم. تحول هذا الكيان في يد جغرافيا الاحتضان إلى حائط صد بشري وجغرافي وُجد ليستنزف طاقة المغرب، ودخلت إلى الرقعة قطعة المينورسو عام 1991 بمهمة تحديد الهوية الشاقة، والتي غاصت أقلامها في مستنقع الرمال المتحركة وعجزت تماماً عن تفكيك شيفرة القبيلة الصحراوية الأصيلة الممتدة برباط البيعة التاريخي لسلاطين المغرب، مما جعل الأمم المتحدة تعلن رسمياً مع نهاية التسعينيات استحالة تطبيق الاستفتاء، وسقوط هذا الوهم الدبلوماسي.

وفي غمرة هذا الانسداد، تقدمت ذهنية البناء والاستباق بنقلة استراتيجية ذكية غيرت قواعد اللعبة بالكامل وحاصرت أطروحة الجمود؛ تمثلت في تقديم مبادرة “الحكم الذاتي” عام 2007 كحل جاد وذي مصداقية تحت السيادة الكاملة للمغرب. لتبدأ بعدها محاصرة قطع الخصم تدريجياً، حتى جاءت محطة 31 أكتوبر من عام 2025 لتمثل حركة “تطويق القلعة” الكبرى عبر القرار الأممي رقم 2797. في تلك النقلة الاستراتيجية، حسم مجلس الأمن تموضعه على الرقعة؛ فتحركت “القلاع الدولية الكبرى” لتثبت أوتاد المبادرة المغربية كأساس وحيد وجاد للعب، بينما جُردت قطع الطرف الآخر من قدرتها على المناورة العشوائية.

وعلى وقع هذا التطويق الصارم، شهدت الرقعة فصلاً طويلاً من المماطلات؛ تحرك وسيط الأمم المتحدة ومبعوثوها الشخصيون في جولات مكوكية معقدة، يحملون الرسائل بين العواصم ويقطعون الفيافي محاولين تقريب وجهات النظر المتباعدة. كانت اللقاءات والموائد المستديرة تُعقد لتصطدم دائماً بجدار العناد وصناعة الجمود من قِبل الأطراف الأخرى التي أصرت على إدامة الوضع الراهن وإبقاء النزاع الإقليمي حياً في غرف الانتظار، بينما كان قطار الواقع يرفض الانتظار ويمضي في طريقه على الأرض واضعاً الخصوم أمام قوة دفع فيزيائية لا تُرد.

كان “شاهد” يجلس القرفصاء فوق تلته الرملية التي تكاد لا تتحرك رغم عواصف خمسين سنة. كان يلف ملحفته حول جسده الذي غضنت السنينُ ملامحه، يرسل نظراته الزجاجية نحو الأفق البعيد، حيث تلوح تندوف كسراب دائم. فجأة، شعر بوخزة باردة في قلبه وهو يحسب السنين؛ لقد مرت نصف قرن بالتمام والكمال على جلسته تلك، وها هو اليوم وقد ناهز الخامسة والسبعين من عمره، يسترجع ملامح ذلك الشاب اليافع الذي غادر أرضه محملاً بوعود براقة وشعارات رنانة عن الدولة الموعودة. جلس يومها منتظراً العودة الخاطفة، وها هو اليوم يجلس الجلسة ذاتها، بالانحناءة ذاتها، في المكان ذاته الذي لم يتغير فيه شيء سوى تحول الخيام إلى بيوت طينية رمادية وتحول الأمل إلى قيد ثقيل.

التفت “شاهد” خلفه نحو مخيمات تندوف، وانفطر قلبه وهو يتأمل الجوانب الإنسانية المؤلمة للمحتجزين. لم تكن المخيمات مجرد مأوى، بل كانت مقبرة جماعية للوقت والعواطف تعيش جموداً فيزيائياً مطلقاً. رأى عيون الأمهات التي انطفأ بريقها من كثرة التطلع نحو أفق لا يغير ملامحه، وشاهد أجيالاً وُلدت وكبرت في هذا الحصار الرمادي، شباباً ضاعت زهرة عمرهم وهم يقتاتون على أوهام يبيعها لهم قادة يتاجرون بآلامهم، ويوزعون عليهم فتات المساعدات الدولية بعد أن يسرقوا صالحها وغاليها. رأى كيف تحول الإنسان الصحراوي هناك، برغبته الصادقة في العيش بكرامة، إلى رهينة مسلوبة الإرادة، محاصرة بالأسلاك الفولاذية والبنادق الموجهة نحو صدورهم قبل صدور الأعداء، في معتقل مفتوح تحت شمس الحماة الحارقة؛ في الأرض ذاتها تندوف التي رفض محمد الخامس مقايضتها احتراماً للأشقاء بالأمس.

ثم أدار “شاهد” جسده المتعب ووجه منظاره نحو الجانب الآخر.. نحو الصحراء المغربية التي يراها بعين الشوق والواقع وهي تغلي بالحياة والتطور، مندفعة بزخم مشاريعها وعمقها التاريخي.

بدت له من بعيد الرافعات العملاقة لورش ميناء الداخلة الأطلسي كقلاع حصينة تنمو وتولد من رحم البحر لتصل الصحراء بالعالم، ورأى بعينيه امتداد الطريق السريع تيزنيت الداخلة شريطاً أسود مصقولاً يشق الرمال وتتدفق عبره الشاحنات التجارية نحو عمق إفريقيا كشريان نابض بالحياة. وفي حواضر العيون والداخلة تراءت له أنوار المجمعات الجامعية، وكليات الطب، والحدائق الخضراء النابضة، بينما كانت أعلام القنصليات الدبلوماسية الدولية لقرابة ثلاثين دولة ترفرف معلنة اعتراف العالم الشرعي والقانوني بمغربية الأرض كمن يثبت أوتاداً لا يمكن اقتلاعها على الرقعة.

هناك يعيش أبناء عمومته وأفراد قبيلته في وئام وسلام، يديرون شؤونهم ومؤسساتهم بأنفسهم ويساهمون في صياغة المستقبل. وهنا فوق تلة الرمل لا يملك “شاهد” سوى رداء يستر جسده النحيل ووهم تبخرت قطراته في رمال الخديعة الإقليمية والجحود التاريخي.

أنزل “شاهد” منظاره وأغمض عينيه متنهداً تنهيدة حارقة تملأ جوفه بملوحة الأطلسي وشوق الأرض. ارتبطت تلك التنهيدة في أعماقه بما يراقب من حسم شامل على الأرض، وما تلاها بساعات قليلة حين التقط مذياعه الصغير المتهالك الأنباء العاصفة القادمة من نيويورك في ذلك اليوم المشهود؛ 30 أكتوبر 2026. جاء قرار “المسمار الأخير” في نعش خيار الاستفتاء، ليجد الخصم نفسه محاصراً في زاوية ميتة من الرقعة، عاجزاً عن التراجع أو التقدم بعد أن سقطت آخر خطوطه الدفاعية وعمّ شلل “اللايقين” معسكره. وفي حركة يائسة وغير محسوبة، لنزع ذلك المسمار في اللحظات الأخيرة؛ لكن النقلة هذه الخاطئة أجهزت على ما تبقى؛ قتلت الممدد داخل النعش نفسه، وأنهت ولاية بعثة “المينورسو” رسمياً، لتطوى هذه الصفحة التي دامت 35 سنة كلياً.

هوت الكلمة الفصل على الرقعة كالنقلة الأخيرة الحازمة: “كش ملك”. انطفأ المذياع، وبقي “شاهد” فوق تلته الرمادية، بينما كان صدى بلاغ الديوان الملكي يتردد في الآفاق تزامناً مع الاحتفال بـ “عيد الوحدة”؛ لقد طُويت الرقعة تماماً، ومضى قطار التنمية والحداثة، تاركاً خلفه خيام تندوف المهجورة، وتلة الرمل.. وجلسة قرفصاء لم تبقَ منها سوى ذكريات عمرٍ ضاع في المكان الخطأ من التاريخ.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
تحذيرات مرعبة تجتاح العالم
الجمعة 6 نونبر 2026 - 22:00 1

تحذيرات مرعبة تجتاح العالم

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد العزيز باريك
الجمعة 6 نونبر 2026 - 21:00 5

لقاء خاص | عبد العزيز باريك

صوت وصورة
جدل زيادات طاكسيات بالرباط
الجمعة 6 نونبر 2026 - 15:32 13

جدل زيادات طاكسيات بالرباط

صوت وصورة
استمرار مهام دي ميستورا
الجمعة 6 نونبر 2026 - 12:32 15

استمرار مهام دي ميستورا

صوت وصورة
جيل جديد يروي المسيرة الخضراء
الخميس 5 نونبر 2026 - 23:07

جيل جديد يروي المسيرة الخضراء

صوت وصورة
زيت الزيتون بين 30 و60 درهما
الخميس 5 نونبر 2026 - 22:41 7

زيت الزيتون بين 30 و60 درهما