إن من يقول بأن قوى الإمبريالية التقليدية – وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا- قد استعادت شهيتها الاستعمارية، يكون واهما إلى حد بعيد. إن هذه الدول لم تفقد شهيتها منذ أن أعلنت توبتها الأخلاقية مع بداية الحركات التحررية وما تلاها من توزيع الاستقلالات الموهوبة. بكل بساطة، ارتآى المستعمر آنذاك -وكان على حق في حساباته- أن يستل أرواح جنوده من عنف المقاومات البربرية التي لا تلقي بالا لقدسيته ولا تقدر رسالته الحضارية. فالتواجد على أرض الاحتلال ليس ضروريا من أجل الاستمرار في سلب ثرواتها ورعاية مصالحه فيها.
وعلى هذه الخلفية، منح للمغرب استقلاله بعد أن كتب المقيم العام (ليوطي) دستور البلاد وترك وراءه جهازا مخزنيا وفيا يأتمر بأوامر فرنسا ويخضع لتحكمها عن بعد. ويلخص الرئيس الفرنسي الراحل (ادغار فور) فلسفة نهاية الاستعمار الصورية في مقولته في مقولته (الاستقلال في ظل التبعية المتبادلة). و”التبعية المتبادلة” عبارة مريبة تكون في إعرابها أقرب إلى الجار والمجرور منها إلى النعت والمنعوت.
ليس من خفايا(الكابالا) أن فرنسا تحافظ على استمرارية نفوذها الاستعماري عبر منظمات تتنافس في نرجسيتها وسفاهة أعذارها؛ على غرار المنظمة الدولية للفروكوفونية والتي تعهد بمفاتيح بيتها لبعض النماذج الأمينة من (عبيد البيت) من فصيلة ليوبولد سدار سانغور، الحبيب بورقيبة، بطرس بطرس غالي، عبدو ضيوف وغيرهم كثيرون في سوق خردة الكرامة الوطنية والوعي القومي. كما تنعم أساطيل المقاولات الفرنسية، وعلى الرغم من تردي مستوى عروضها وارتفاع أجر خدماتها، بمعاملة خاصة في إطار العلاقات الاستثنائية و”التبعية المتبادلة” والعمولات الجاري بها العمل من تحت الطاولة ومن فوقها. وهكذا ينظف المستعمر شوارعنا ولا ينظفها، ينقي مياهنا ويعفنها ويغير حفاظاتنا ولا يغيرها.
أما نوبات البرودة الدبلوماسية العابرة، كالتي عرفها المغرب مع فرنسا أيام دوغول (بسبب قضية اغتيال ابن بركة) وميتران (ومرجعها نشاط زوجته-دانييل ميتران- الحقوقي شبه الحصري على المغرب، وكأنما حقوق الإنسان محفوظة في باقي دول العالم ولا تنتهك إلا في المستعمرة القديمة)، لم تتعدى كونها اختلافات على مستوى القمة ولم تفسد في الود قضية. كما لم تمنع الملك الراحل من الإلحاح في استفاضة الكاتب الفرنسي “الشعبي” (فريدريك دار المعروف بسان أنطونيو) وقد كان من أوفى معجبيه، حتى وافته المنية، بينما ظل (الكوميسير سان أنطونيو) يتمنع في أدب ولباقة ويتحجج بمغامراته البوليسية العوليسية. لأن “البيزنس هو البيزنس”، تنبح كلاب حقوق الإنسان والإصلاح والتنمية حتى يجف ريقها؛ وتسير قافلة العمالات محصنة بنظام تحديد المواقع وتوزيع العمولات.
ما الذي يبرر حماسة فرنسا الفجائية وتشبتها الزائد في أيامنا بحقوق الإنسان ومساعدة الشعوب المقهورة على التخلص من استبداد حاكميها؟
إنها سياسة الكيل بثلاثة مكاييل…
في كفة، يتكلم ساركوزي عن القذافي كما لو كان قد اكتشفه واكتشف أرشيفه الإرهابي داخل ليبيا وخارجها؛ بعدما كان متخفيا بين سطور تعريفات الكلمات المتقاطعة في عدد (لوموند) الذي تصفحه صدفة بعيد قيام الثورة الليبية.
في كفة ثانية، تتعامل الدبلوماسية الفرنسية بصمت حكيم ورزانة خرساء مع حركات الاحتجاج في اليمن والأردن وسورية، ناهيك عن دول الخليج الممنوعة من الصرف حتى على الجزيرة -قناة الحياد الإعلامي النسبي والرأي والرأي الآخر؛ إلا فيما يمس شؤون قطر.
كما لا ننسى كلام فرنسا المتلعتم أثناء الثورة المصرية وموقفها المشين إبان الثورة في تونس، وكيف همت (ميشال آليو ماري) وزيرة الدولة في الشؤون الخارجية والأوروبية سابقا، بإرسال قوات خاصة لنجدة صديقها (زين الهاربين) وردع الثوار بوحشية توازي بربريتهم.
وفي كفة ثالثة، يهنئ وزير خارجية فرنسا (ألان جوبيه) المغرب بعيد خطاب 9 مارس، في كلمته التي ألقاها بمجلس الأمن، على ركوبه ترام ألستوم للديموقراطية والذي لطالما لاحقه في صبر واستماتة وضيعه في كل موعد في تباث على العقيدة.
هذا كله في كفة، وما صرحت به (رما ياد) -أو (رحمة الله ياد) باللغة الولفية المتداولة بين أهل السنغال- كاتبة الدولة المكلفة بشؤون الرياضة؛ في كفة ثانية (أو لعلها تكون كفة رابعة)، عندما تفضلت علينا بفتوى قدسية أمير المؤمنين في المغرب. لا نريد الخوض في غياب ثقافة (أمير المؤمنين) في بلدها الأصلي (السنغال). ولا نريد الخوض في تفاصيل حياتها الشخصية وقد تزوجت وهي تدين بالإسلام من يهودي، وفاتها وهي المتفقهة في أمور الدين والفتاوى الشرعية أنه لا يحق للمسلمة أن تتزوج من غير مسلم. لعلها تدين بالإسلام كما يريده ساركوزي. إسلام حديث يساير روح العصر ببناء قواعد فقهية جديدة، ويعيد قراءة القرآن وياحبذا لو أعاد كتابته بالحذف والإضافة بما يوافق هوى (ميسيو مارتان) ويطابق ثغاء (معزة ميسيو سوغان).
لا نريد أن نخوض في هذا كله وصداع الرأس لا ينقصنا. لكن عندما “يفتي” عضو من الحكومة الفرنسية بقدسية أمير المؤمنين، و قد قامت الثورة الفرنسية احتجاجا على قدسية الملك وسلطة الكهنوت وتسلط النبلاء والبورجوازية، وأقامت دولة الحرية والمساواة والأخوة (بين مواطنيها)، فهذا قد يكون من علامات الساعة، والله أعلم.
لا يجب أن تتشابه علينا الوجوه، فنخلط بين سحنة الذئب ووجه الجدة في حكاية (القلنسوة الصغيرة الحمراء). فرنسا ليست المعتصم ولا تهب لنجدة المظلوم وردع الظالم لله في سبيل الله (كما تجري العبارة على ألسنة المغاربة). رعايتها لحقوق الإنسان في العالم ورسالتها الحضارية ومسؤوليتها الأخلاقية التاريخية، كلها شعارات واهية لاستهلاك السفهاء والمنافقين، سرعان ما تنقشع عن سماء (الحديقة الخلفية) وتتكسر على صخرة واقع المصالح الاقتصادية والجيوسياسية، في وقت لا يزيد عما يستغرقه قول “كابوتشينو”.
إن مراجعة تاريخ الاستعمار والإمبريالية والاستعمار الجديد، واجترار وصايا أمهاتنا الملحة بعدم قبول الحلوى من الغرباء جديران بأن يرغمانا على أن نعيد النظر في حماسنا وقبل انجرارنا وراء الشعارات والادعاءات، أكثر من مرة.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.