لا فضيلة للاستبداد

لا فضيلة للاستبداد
الجمعة 21 نونبر 2008 - 14:58

لم ولن تحقق الأنظمة السياسية المستبدة أية فضيلة لشعوبها، مهما أُتلفت من ملايير وبُدِّرت من أوقات وفُوِّتت من فُرص، لسبب بنيوي ينخر في جسمها ويسري في عروقها سما ناقعا، ألا وهو الظلم، و”الظلم مؤذن بالخراب” بتعبير ابن خلدون، لذلك لا فضيلة لهذه الأنظمة لأنها تقوم على أساس الخوف وتفرض الطاعة بالتخويف، وعلى الحس الأمني الاستخباراتي الذي لا مهمة له سوى حفظ دار المستبد حتى ولو تطلب الأمر العسف على كل الأخلاق والقيم والقوانين والشرائع.


لا فضيلة للاستبداد مادامت الأنظمة المستبدة –من شدة تجبرها وطغيانها- لا تقبل أن ينافسها أو يزاحمها أو يشاركها أو ينتقدها أو أن يكون لها ندا أحد. أحزابها منبطحة أو مهمشة، علماؤها تابعون أو محاصرون، مثقفوها مهرولون أو مطرودون، فنانوها مداحون أو ممنوعون.


لا فضيلة للاستبداد لأنه لا ينبت الطغيان إلا في أرض القمع والذُّل والمهانة والتخلف، ولأنه لم ينتج إلا الفقر والجهل والأمية والتبعية والتطرف والسجن والبِغاء.


لا فضيلة للاستبداد لأنه جاثم على صدور الأحرار بالسيف والحيف، وإن زَيَّن وجهه العجوز القبيح بمكياج العالم، وإن سَمَّى حُكمه بأفضل تسميات أهل الدنيا، لم تزل عنه عاهة الاستعلاء بغير حق، وعيب الحكم بالجبر.


لا فضيلة للاستبداد لأنه يحتوش مجموع الرأسمال الرمزي والمالي والسياسي والفني والرياضي… للوطن، (الجَمَل وما حَمَل) ويجعل من نفسه هو الوطن! ولا يقبل أن يكون المرء وطنيا دون أن ينحني للوثن. بل هو مستعد لإلغاء الشعب من أجل حكم الفرد.


لا فضيلة للاستبداد لأنه وحده يُشرِّع ويقرر عوض الشعب، فيكون الشعب “عزيزا” وذليلا في نفس الوقت، عزة الشعارات والخطب وذل الواقع اليومي المعاش. وكلام الليل يمحوه النهار.


لا فضيلة للاستبداد لأنه يروض المواطن على الخنوع والركوع والسكوت، ولا يقبل إلا تربية التدجين والاستحمار التي تحرص على إفساد الناس ليكونوا مطيعين، ولا بركة في الإهانة، يقول مونتسكيو: “التربية في الديكتاتورية كأنها العدم”، لا تجدي نفعا مع تعفن أجهزة ومؤسسات الاستبداد بالخوف من يقظة المتعلمين.

لا فضيلة للاستبداد لأنه ينشئ أجيالا غير مبالية بحالها ولا بحال شعوبها وأممها، قوامها المتعة والعبث، وشعارها: “اقتنص أكثر لذة في أقل مدة“، أو كما قال الشاعر: إنما الدنيا طعام وشراب ومنام فإذا ما فاتك هذا فعلى الدنيا السلام .


لا فضيلة للاستبداد لأنه يتعالى على القانون وإن كان هو الذي وضعه على مقاسه، ويتولى تأويله كيفما شاء، مثل قانون: “كل ما من شأنه”، ويخرقه في واضحة النهار باسم عار “التعليمات“!!!


لا فضيلة للاستبداد لأن القضاء تحث قدمي وصايته، ليكون هو الخصم وهو الحَكم في نفس الوقت، ومن تجرأ على مقاضاة من يحكمُ القضاةُ باسمِه يُقضى عليه.


لا فضيلة للاستبداد لأنه يَقتل في نفسية المواطن الغيرة ويُفقده الثقة ويخصي فيه الرجولة ويسقط منه المروءة، من حيث لا عهد له ولا منطق ولا خُلُق.


لا فضيلة للاستبداد في تاريخ الأمم لأنه لا يقبل المسائلة والمحاسبة والنقد والاعتراض، حيث يجعل المستبد من نفسه المريضة المتعاظمة إلها أو شبه إله أو ظل إله يمشي على الأرض. “نظرية الحق الإلهي للملوك.”


لا فضيلة للاستبداد لأنه استعلاء وتكبر في الأرض وطغيان وتجبر على خلق الله الذي خلقه على الفطرة كي لا يتظالموا ولا يجور بعضهم على بعض ولا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله.


لا فضيلة للاستبداد لأنه يمنع المواطنين أن يختاروا بحرية ومسؤولية من يحكمهم، ويمارس عليهم الوصاية كأطفال صغار أو معتوهين.


لا فضيلة للاستبداد لأنه لا تُهِمه قيمة الشخص، ولا قدسية القاعدة الأخلاقية، ولا إلزامية القاعدة القانونية، ولا واجب الكرامة الآدمية، ولا حق الشعب في قول “نعم” أو “لا “على حد سواء.


لا فضيلة للاستبداد لأنه يكفيه شرا أنه استبداد، تجبُّر على العباد وتسلُّط في البلاد، ومآله يوم التناد مع ثمود وعاد. ولن يكون يوما للأحرار هو الملاذ.


نسأل الله العافية لنا ولجميع المسلمين وللوالدين والأولاد. ولا فضيلة للاستبداد.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • د عبو مول الديطاي
    الجمعة 21 نونبر 2008 - 15:00

    “لا فضيلة للاستبداد لأنه يكفيه شرا أنه استبداد، تجبُّر على العباد وتسلُّط في البلاد، ومآله يوم التناد مع ثمود وعاد. ولن يكون يوما للأحرار هو الملاذ”
    تحية الى الاستاذ احمد الفراك

  • الحسين السلاوي
    الجمعة 21 نونبر 2008 - 15:02

    وماذا عن المربي المستبد كما قال أخونا البشيري رحمه الله الذي يجعل من المريد شخصا خنوعا خاضعا لمشيئة الشيخ ولسانا أخرصا لا يحتج على الشيخ حتى ولو أخطأ هذا الأخير وكان خطأه لتزول منه الجبال ، أليست هذه التربية هي التي تؤدي إلى السلبيات التي ذكرتها في مقالك فلم لم تذكرها ؟؟وتنكرها أم على العقول أقفالها؟ ؟، وحتى أقربك من الصورة أدعوك لقراءة ما جاء في كتاب الإحسان صفحة 238 حيث يقول الشيخ:
    ” قم بخدمة شيخك بالإخلاص … وتقيد بخدمته ، وأكثر من الخدمة في منزله ، وأقلل الكلام في حضرته ، وأنظر إليه بنظر التعظيم والوقار….”
    فقل لي بالله عليك أهذا هو الفكر الذي تغرف منه وتدعو الناس إليه مع أنه يهدف إلى الإستعباد وهي قمة الإستبداد ، ماهذا الإستبلاد؟؟ والله يا أخي كثيرا ما أقرر مع نفسي أن لا أرد على مقالاتك، ولكن إستفزازك وكيلك بمكيالين هو الذي يجعلني أتدخل للتعليق ؛ ففي مقالك مثلا جاء :….في تاريخ الأمم لأنه لا يقبل المسائلة والمحاسبة والنقد والاعتراض، حيث يجعل المستبد من نفسه المريضة المتعاظمة إلها أو شبه إله أو ظل إله يمشي على الأرض.أوليس تعظيم وتقديس الشيخ يدخل في هذا الباب ؟؟؟ ثم أليس وجود شيخ على رأس جماعة منذ تأسيسها يعد من قبيل الإستبداد والإستفراد بوضع اليد عليها دون السماح لأي كان بالجلوس مكانه .أليس هذا إستبدادا؟؟؟ ثم أتحداك أن تنتقد الجماعة أو أن تقل كلمة في حق الشيخ لتنظر مآلك !!! أليس هذا إستبدادا .؟
    فقبل إطلاق الكلام على عواهنه وإصدار الأحكام على الآخرين ، يجدر بنا أولا أن نتخلى على الصفات الذميمة التي ننعت بها من نختلف معهم ، وعلى الإنسان أن “يشطب” باب داره قبل أن ينعت الجيران بأنهم وسخون .
    إذن فلا فضيلة للإستبداد …وأيضا لا فضيلة للإستبلاااااااد

صوت وصورة
ارتفاع أسعار السمك يثير الاستياء
السبت 7 نونبر 2026 - 18:18

ارتفاع أسعار السمك يثير الاستياء

صوت وصورة
إغلاق محلات أكادير في منتصف الليل
السبت 7 نونبر 2026 - 16:38 11

إغلاق محلات أكادير في منتصف الليل

صوت وصورة
تشييع جثمان أرملة إدريس البصري
السبت 7 نونبر 2026 - 14:37 8

تشييع جثمان أرملة إدريس البصري

صوت وصورة
العنف الأسري يدق ناقوس الخطر
السبت 7 نونبر 2026 - 13:24 2

العنف الأسري يدق ناقوس الخطر

صوت وصورة
تحذيرات مرعبة تجتاح العالم
الجمعة 6 نونبر 2026 - 22:00 11

تحذيرات مرعبة تجتاح العالم

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد العزيز باريك
الجمعة 6 نونبر 2026 - 21:00 7

لقاء خاص | عبد العزيز باريك