لقد انفضحت خطط البيجيدي

لقد انفضحت خطط البيجيدي
الإثنين 11 يناير 2021 - 00:12

كل المحطات التي خاض حزب العدالة والتنمية معاركه الشرسة خلالها لمناهضة مطالب الإصلاح والتغيير (خطة إدماج المرأة، الدستور، الإجهاض، مشروع القانون الجنائي..) كان يفتخر بخوض تلك المعارك “دفاعا عن ثوابت” الشعب المغربي، ودفاعا عن “الهوية الإسلامية” للمجتمع.

وحتى حين ترأس الحكومة، تبنى كل القرارات التي استهدفت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للشغيلة المغربية وعموم المغاربة (تحرير أسعار المحروقات، تمديد سن التقاعد، تجميد التوظيف والترقيات، إلغاء الترقي بالشهادات الجامعية وبالأقدمية، التشغيل بالتعاقد..). كان البيجيدي يدرك جيدا أن الريع السياسي أفسد الأغلبية كما المعارضة؛ لهذا لم يخش ردات الفعل الحزبية أو النقابية أو الجمعوية إزاء القرارات المجحفة التي اتخذها أو يتخذها. قالها بنكيران داخل قبة البرلمان حين رئاسته للحكومة أنه “تيتبورد” على البرلمانيين، وأنه سيمرر قانون التقاعد حتى ولو احتجت عليه النقابات “بشعب الصين”.

كما لم تترك قيادة البيجيدي فرصة للتأكيد على أن برنامجها السياسي هو برنامج الملك. اليوم، وبعد توقيع الأمين العام للبيجيدي ورئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، على التصريح المشترك بين المغرب وأمريكا وإسرائيل، يتنصل الحزب، بكل مؤسساته، من كل مسؤولية عن التوقيع وعن استئناف العلاقات مع إسرائيل؛ إذ جاءت تصريحات العثماني الأخيرة تكرس لامسؤولية الحزب الدستورية والوطنية والأخلاقية. ذلك أن الحزب وحركته الدعوية ظلا يروجان لوقوفهما وراء الملك ودعم كل قراراته ومبادراته؛ لكن ما أن قرر جلالة الملك استئناف العلاقات مع إسرائيل وفق ما تقتضيه المصلحة العليا للوطن، خصوصا بعد القرار التاريخي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالسيادة المغربية على أقاليمه الجنوبية، حتى سارع الحزب والحركة إلى النأي بأنفسهما عن أية مشاركة أو مساندة لقرار استئناف العلاقات مع إسرائيل. هكذا جاء بلاغ حركة التوحيد والإصلاح رافضا ومستنكرا: “تأكيدَ موقف الحركة الرافض والمستنكر لكل محاولات التطبيع والاختراق الصهيوني، واعتبارَ المكتب التنفيذي ما أقدم عليه المغرب، الذي يرأس لجنة القدس الشريف، مِن تدابيرَ مشارٍ إليها أعلاه، تَطورا مؤسفا وخطوةً مرفوضةً”. لم تكتف الحركة “بالرفض” و”الاستنكار”، وإنما انتقلت إلى التحذير “من خطورة هذه التدابير المعلن عنها ومآلاتها السلبية، والتي تضع بلادنا ضمن دائرة التطبيع مع الكيان الصهيوني وتفتح الباب أمام اختراقِه للمجتمع والدولة وتهديدهِ لتماسك النسيج المجتمعي واستقرار الوطن ووحدته”.

هكذا اختفت فجأة دعاوى ومزاعم “المساندة المطلقة” لجلالة الملك لتطفو على خطاب الحركة لغة الرفض والاستنكار والاتهام لأعلى سلطة بالبلاد “بفتح الباب” أمام “الكيان الصهيوني” “لتهديد تماسك النسيج المجتمعي واستقرار الوطن ووحدته”. ضمنيا وعلنيا الحركة، ودون استحياء أو استحضار لرمزية الملك ومكانته في وجدان المغاربة، تتهمه “بالتآمر” على الوطن. وإذا كانت حركة التوحيد والإصلاح اختارت لغة التخوين والاستنكار هذه، فإن حزب العدالة والتنمية اختار التنصل من أي مسؤولية سياسية أو دستورية عن توقيع التصريح المشترك بين الدول الثلاث (المغرب، أمريكا وإسرائيل). فبكل جبن سياسي صرح الأمين العام للبيجيدي بأنه لم يكن يمثل الحزب لحظة التوقيع: “موقعي كرئيس حكومة، كانت عندي مسؤولية، وهذه المسؤولية أتحملها بوصفي رئيس حكومة المملكة المغربية”. أكيد لا يستقيم منطق اللامسؤولية هذا الذي عبر عنه السيد العثماني مع نص الدستور في فصله 47 الذي ينص صراحة على أنه “يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها”. فرئيس الحكومة، سياسيا ودستوريا، يمثل حزبَه في كل الأنشطة الرسمية.

أما لغة النفاق ولعبة المكر التي يوظفها السيد العثماني حتى يخفف عن نفسه وعن حزبه شدّة “الحرج” وحِدّة الانتقاد التي صار الحزب موضوعا لها من طرف جبهة مناهضة التطبيع، فلا تجدي نفعا ولا تعفيه من كامل المسؤولية. ذلك أن الدستور المغربي حدد الإطار السياسي والحزبي لرئيس الحكومة لا يمكنه التنصل منهما، ولم يسمح له بلعب دور “موظف في الدولة” والاختباء خلفه لتبرير أفعاله. فحين وقع السيد العثماني على التصريح المشترك، إنما وقع بصفته السياسية والدستورية، أي بصفته رئيس الحكومة المغربية، وهي الصفة التي تلازمها قطعا الصفة الحزبية التي أهلته لتولي هذا المنصب. لهذا، وأي تنصل من هذه الصفة الحزبية والدستورية إنما هو جبن سياسي يكشف عن حقيقة الحزب بكل أذرعه الذي يلقي بكل المسؤولية على جلالة الملك ويعفي نفسه منها. علما أن قرار جلالة الملك يجمع بين الدفاع عن المصلحة العليا للوطن والدفاع عن مصلحة الفلسطينيين وحقهم في إقامة دولة مستقلة لهم. والتعلل بكون “السياسة الخارجية يصوغها ويشرف عليها ويتخذ القرار فيها الملك محمد السادس؛ وهو مجال سيادي يخضع مباشرة لتوجيهات الملك. ونحن نساند الملك في ذلك” وفق ما جاء في كلام السيد العثماني خلال اللقاء التواصلي مع الكتابات الإقليمية والكتّاب المحليين والهيئات الموازية بجهة سوس ماسة، إنما هو خذلان وجبن وتنصل من المسؤوليات السياسية والدستورية والأخلاقية. فمنطق “فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون”، منطق فاسد دينيا وسياسيا لأنه قائم على الغدر والخذلان. والسيد العثماني ومعه حزبه حين يتبرآن، بكل خسة، من قرار التوقيع على التصريح المشترك، ويحملان كامل المسؤولية لجلالة الملك، إنما يخلان بالمسؤولية الدستورية وبالأخلاق السياسية. طبعا الملك يمثل ضمير الشعب المغربي الذي عبّر، في غالبيته المطلقة، عن التأييد الكامل لقرار استئناف العلاقات مع إسرائيل، ولا يحتاج لتأييد من البيجيدي أو مباركة حركته الدعوية. لكن الأخلاق السياسية تقتضي من رئيس الحكومة وحزبه إما الموافقة على قرارات جلالة الملك هذه والانخراط في أجرأتها، أو إعلان الانسحاب من الحكومة والتفرغ لمعارضة تلك القرارات. أما الاحتماء بقول “العامة”: “لا يمكن للرّجل الثّاني في الدولة أن يُخالف الرجل الأول في الدولة” فهو استخفاف بالدستور واستهزاء بالشعب.

أيا كانت مراوغات البيجيدي وشطحات قيادته، فهو مسؤول عن كل القرارات التي تتخذها الحكومة والمبادرات التي تنخرط فيها الدولة المغربية. وكل محاولات الالتفاف للتنصل منها ومن تبعاتها إنما تفضح مخططات الحزب الرامية إلى استهداف رموز الدولة ومؤسساتها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

14
  • منزلة بين المنزلتين .
    الإثنين 11 يناير 2021 - 00:44

    ولكنك سيدي الأستاذ تنسى أو تتناسى أن سياسة المغرب الخارجية هي اختصاص ملكي خالص وعلى أساسه قبل الحزب الانخراط في الحياة السياسية بمفهومها المغربي وتصروها لمصالحه الكبرى . وبالتالي توقيع السيد العثماني كان تماشيا مع هذه الإلزامية المنصوص عليها في الدستور ” الجديد القديم ” الا من بعض التعديلات الهامشية التي فرضها الربيع العاصف . وخيرا فعل الحزب لأن الرفض كان يمكن أن يدفع به لتقديم الإستقالة وربما حل البرلمان وربما أدى ذالك لحل الحزب وهو ما قد يدخل المغرب في مواجهة أزمة سياسة صعبة ، ويضرب نواة الديمقراطية الوليدة التي بالكاد بدأت تتشكل ، رغم العوار الذي تتحمل عقلية الناخب نصيبا وافرا بسطها على أرض الواقع . لتبقى مناورة الحزب بين التوقيع رسميا والشجب على صعيد الهيئات أهون من عدم التوقيع ليس على الحزب لوحده وإنما على كل الجسم السياسي المهترىء الذي وبالقطع لا يقف على أرض صلبة .

  • عبد الرحمان
    الإثنين 11 يناير 2021 - 12:29

    الدولة العبرية او اليهودية او الصهيونية حسب تعبير كل طرف هي دولة قائمة الذات قوية اقتصاديا وسياسيا.وهي قوة نووية في المنطقة.لذا فالقرار الذي اتخذه المغرب قرار سليم يتماشى مع التحولات الدولية والاقليمية اما دغدغة المشاعر والعواطف والركوب على ملف التطبيع لن يجدي بشيء.هذا واقع يجب التعامل معه بشكل مسؤول وعقلاني

  • تخربيق
    الإثنين 11 يناير 2021 - 13:20

    لست حزبيا، ولكن مغربي قح، بدون عواطف ولا دغدغة، كإنسان عقلاني، هل جائكم نبأ من تونس، ان دولة الصهاينة (الدولة لها حدود) اذن فهي ليست دولة، انهم طلبوا منهم رسميا عقارات اليهود في تونس، اذن قرار التطبيع قرار خاطئ، اما الصحراء فهي مغربية، ولو حتى بالسلاح يمكن استردادها عزوة، بإذن لم مليارات التسليح لوزارة الدفاع، التي اصلا لا تناقش

  • mowatina
    الإثنين 11 يناير 2021 - 16:21

    متافقين مع بعضهوم جهة تكوي وجهة تبوخ كلشي عاق بيهم

  • مشارك
    الإثنين 11 يناير 2021 - 16:39

    حزب البواجد اءو الباجديون استنزف نفسه لفائدةجهات كثيرة منهاماهو واع ومنها ماهو دون ذلك ولم يعد في رصيدالعدالة والتنمية الكثير من الاءشياء ليقدمها للاءخرين وبحساب الربح والخسارة يمكن القول اءن الحزب تعب وفقد الكثير من طاقته التي استجمعها في اءزمنة واءمكنة شتى ولعقود من الزمن في لعبة دعم التوازن في البلد في ظل تطورات طارئة وعدم التزحزح من المكان الماءمور بملازمته ,,,,,, وبعبارة دارجة (كلنا عبيد الله) والحمد لله على كل حال .

  • الحسين
    الإثنين 11 يناير 2021 - 18:26

    أستاذ الكحل. حتى لو فرضنا جدلا أن العثماني رفض التوقيع على الاتفاقيات مع الصهاينة
    ستكتب عنه وعن.حزبه وستقول انهم ضد مصالح . المغرب العليا .أليس كذالك؟

  • ابو زيد
    الإثنين 11 يناير 2021 - 22:32

    يقال ان السيد الكحل باحث في الاسلام السياسي و التطرف…
    طبعا مقالاته لن تشمل الاحزاب الاخرى صاحبة الايديولوجيات المناقضة!!
    على اي ، اسقينا يوما ما ببحث عن عيوب التحرر و الاجهاض….
    نحن نعلم بتجرد ايديوبوجي ان البيجيدي خالف الموعد مع التاريخ منذ زمان…..و لكن ليس من منطلق ديني بحث!
    بل من منطلق اناس ، لا عصمة و لا اهلية سياسية و لا جرأة لخوض مياه التسيير….

  • مصطفى الشامي
    الإثنين 11 يناير 2021 - 23:51

    اظن ان هذا المقال يتناقض مع المقال السابق (مصالح الاوطان تتجاوز العقائد والعواطف),

  • حنظلة
    الثلاثاء 12 يناير 2021 - 07:57

    من قال لك إن المغاربة مع التطبيع؟؟؟ هل قمت باستفتاء حتى تصدر هذا الحكم؟
    لا تطبيع مع الصهاينة والتطبيع خيانة وطعنة غادرة في ظهر الشعب الفلسطيني
    انشر الرأي المخالف رجاء فهو يحترم شروط النشر التي وضعتموها وشكرا

  • Amaghrabi
    الثلاثاء 12 يناير 2021 - 11:58

    اعتقد ان الاحزاب ذات مرجعية اسلامية يجب ان لا يرخص لها وان تمنع دستوريا ليس لانني ارفض الرسالة اللاهية وانما ارفض السياسة الاسلامية البشرية التي تستغل الرسالة اللاهية من اجل تحقيق المصالح الخاصة سواء الفردية او الحزبية,فحزب العدالة والتنمية يجب ان يندمج مع الاحزاب الوطنية فورا ويدخل الى المعركة السياسية بوعود وخطط دنيوية من شغل وسكن وصحة وتعليم وحريات متنوعة وحقوق تهم المواطن ذكورا واناثا صغارا وكبارا,استغلال الدين واستغلال سذاجة كثير من المواطنين المغاربة عاطفيا ودينيا اعتقد يعرقل عملية النماء الاجتماعي والفكري ويعرقل توعية المواطن ليفهم السياسة الحقيقية وقدرات السياسيين المبدعين في مجال البناء والتشيد وتحقيق المصالح العليا للوطن والمواطنين.”الدين لله والوطن للجميع”والعبادة تخص الفرد وحده والمساجد يجب ان تدعو الناس الى الخير والاعترام والسلم والسلام وتعليم الفرائض الدينية التي يقوم بها المسلم يوميا او موسميا

  • Abdo
    الثلاثاء 12 يناير 2021 - 17:42

    Et les mensonges cest leur devises,,,,,,,,,les islamistes ou les commercants de la elegion sont mes monteurs mefiez vous d euxL hypocresie

  • Hamidwien
    الثلاثاء 12 يناير 2021 - 18:16

    انت لك عقد إن لم نقل مرض إسمه الإسلام وتستهدف البيجيدي لأنه يحمل شعار الإسلام لكن مبدأهم بعيد عن الإسلام كما أتى في الكتاب والسنة هؤلاء سماسرة رفعوا شعار الإسلام لأنهم يعلمون أن المغاربة عاطفتهم تنجدب لكل ما هو إسلامي رعم بعدنا عن الدين الإسلامي وأخلاقه وقيمه ومبادئه ومعاملته ولهذا أقول لك سير عالج راسك من فوبيا الإسلام أم البيجيدي حتى من لا يفقه السياسة خلص إلى أن هؤلاء ما هم إلا جماعة من الوصوليين لعبوا على الوتر الحساس للمغاربة وسترى إنشاء الله في الإنتخابات القادمة سيعاقبهم المغاربة ذون أذنى شك

  • عبد الله شيشاوة
    الثلاثاء 12 يناير 2021 - 19:39

    من وين عرفت هذا الرجل لايحسن الكلام الا فيما يتعلق بالاسلام اتعبت نفسك ياهذا

  • إلى Hamedwien
    الثلاثاء 12 يناير 2021 - 21:36

    بدل الخبط خبط عشواء هلا تفضلت سيادتكم بإعطاءنا نموذجا للحكم الإسلامي الذي تعتقد أنه نجح حسب تصورك من تنزيل العدالة الإجتماعية وما هي الدولة التي يقودها هؤلاء الذين تعتبرهم إسلاميين ملتزمين بالإسلام الصحيح من وجهة نظرك وتقبل فائق الإحترام .

صوت وصورة
الطفل عبد السلام بين التحديات
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 12:30

الطفل عبد السلام بين التحديات

صوت وصورة
"أكاديمية الأحرار" لمنتخبي الغد
الإثنين 18 يناير 2021 - 18:40 115

"أكاديمية الأحرار" لمنتخبي الغد

صوت وصورة
ساكنة تطلب التزود بالكهرباء
الإثنين 18 يناير 2021 - 16:50 1

ساكنة تطلب التزود بالكهرباء

صوت وصورة
الاستثمار في إنتاج الحوامض
الإثنين 18 يناير 2021 - 15:50 3

الاستثمار في إنتاج الحوامض

صوت وصورة
فضاء نجوم سوس يؤطر الإبداع
الإثنين 18 يناير 2021 - 13:49

فضاء نجوم سوس يؤطر الإبداع

صوت وصورة
سفير أمريكا قبل مغادرة المغرب
الإثنين 18 يناير 2021 - 12:55 11

سفير أمريكا قبل مغادرة المغرب