الكتابة أولاً وأخيراً..

الكتابة أولاً وأخيراً..
الإثنين 17 نونبر 2025 - 01:01

ليسَ غيرُ الكتابةِ الرفيعة والمسؤولة، مَطْلَباً ومُبْتَغَى.

يُروج، منذُ مدة، منذ أكثر من عقدين تقريباً، كلامٌ لا يستندُ، في زَعْمي، إلى معرفةٍ علميةٍ استقرائيةٍ وميدانيةٍ بالواقع القرائي عربياً بعامة، ومغربياً تخصيصاً، بالمعنى السوسيولوجي. يتعلق الأمر بالكلام عن أجناس الكتابة المختلفة، وأنماط التعبير المتداولة، والتنابز الادعائي بالسبق، والرجم بالمديح لجنسٍ معين، والتبخيس من قيمة جنسٍ كتابي على حساب جنسٍ كتابي آخر.

هكذا تَتَنَثَّرُ الصحف والمجلات بالكلام إياه، وتمتلئ قاعات الندوات والجلسات الأدبية بحديثٍ منفعل عن صدارة الرواية في راهننا الثقافي، ومشهدنا الأدبي مغربياً وعربياً. بل يذهب البعض إلى أن الرواية أصبحت ديوان العرب الجديد، وأنها أزاحت الشعر من التداول والانتشار، ودفعته مدفوعاً إلى زاوية معتمة. وهذا جابر عصفور ينتصر للرواية معتبراً أن الزمن الأدبي المعاصر زمنها بامتياز. وبالمقابل، يتشبث البعض بالشعر، معتبراً أن له الزعامة والريادة والصدارة، والكلمة الأولى. ألم يقل أدونيس في مهرجان شعري انعقد قبل سنوات بغرناطة: «إن الشعراء أكثر تأثيراً من الروائيين في وجدان العالم»؟ وهو رأي يقول به متحمساً الشاعر والمفكر المارتينيكي الكبير إدوار غليسان. بينما يذهب الباحث المصري طه وادي وآخرون، إلى أن القصة القصيرة هي ديوان العرب.

أما بعد: فإن فصل الخطاب – في نظري – يرتبط، أساساً، بفكرة الذيوع والمقروئية، وتداول الكتاب في العالم العربي، والمغرب جزء منه.

هذه الرقعة من العالم التي تعرف نسبة مخجلة ومخيفة من الأمية، وهي نسبة تفضح السياسات العربية «الإنمائية» واندحارها، وسرابيتها في مجال تأهيل الإنسان العربي تربوياً وثقافياً واقتصادياً في الألفية الثالثة. إن الأمر ينبغي أن يتحدد في هذه المشكلية، بَلْهَ المعضلة القائمة، ويتحدد، بالتبعية، في ضرورة وجوب معرفة هذه الحقيقة المرعبة، حقيقة أن أقلية فقط هي التي تقرأ، وتتابع، وتتداول الكتاب، وتنتصر لجنس دون جنس، من منطلق توهج وحضور رموز ثقافية بالذات في شكل تعبيري إبداعي يحتل العقل والوجدان. وتأسيساً على ما سلف، فإن للرواية العربية حظها من الانتشار داخل شريحة اجتماعية قارئة محدودة عددياً وزمانياً–مكانياً لشروط تاريخية وسياسية لا مجال للإفاضة فيها الآن. كما أن للشعر حظاً من التداول والتلقي ضمن الشرعية إياها والشروط الحافة بها. والأمر – في البدء والختام – يؤول إلى الكتابة، عنيت: إلى الجمال والتصوير في الكتابة، والماء فيها. ومن ثم، فلا مجال للتنابز بالأجناس، إذا صح التعبير، ولا مجال للغمز واللمز من قناة نوع أدبي وتعبيري على حساب نوع أدبي آخر. فالصدارة للكتابة، وحسبُ، داخل الجنسين معاً. وهكذا، فالروايات التي تحوز الإعجاب، وتتنشقها حاسة القراءة والمتابعة – مغرباً ومشرقاً –، هي تلك الروايات التي تستدخل في بنائها اللغوي، ونسيجها الاستعاري، ضوء اللَّمَع، وطلاوة اللغة، وحذق الإنشاء.. الإنشاء بالمعنى الشكلاني، وماء الشعر، وثبج الاخضلال، وذوب الروح، ونبض الفكر. وأن أروع الشعر وأعذبه، وأشفه على النفس، وأرهفه على الوجدان والإحساس، هو الشعر الذي تأتَّى له بَلُّورٌ وزُغْرُبُ الماء، ووردة النار وجمرة الإشراق والومض، وريش اللغة الزاهي الألوان. ولا يهم أن يكون قد تَبَنَّكَ شكلاً تفعيلياً أو اتَّشَحَ نَثْرَةً.

الصدارة –إذًا– للكتابة من حيث كونها شهادة راهنة على واقع متشظ، وَمَاحِق السوء والقتامة، قصدت: واقع العرب. ومن حيث كونها استشرافاً وتشوفاً، واختراقاً للزمان والمكان بالمعنى «الكَانْطي»، ونقداً وسؤالاً معرفياً وأنطولوجياً بالمعنى «الهابرماسي».

الكتابة أولاً، الكتابة أخيراً: للتجوهر اللغوي فيها، وكيفيات صَوْغه وبنْيَنَته، وللشعرية التي تَتَقَوَّم بها، وتقوم عليها. الشعرية بالمعنى الذي ذهب إليه الشكلانيون الروس في أطروحاتهم الجمالية الفَذَّة.

ثم عن أية رواية ينبغي أن نتحدث؟ هل عن الروايات التي تقبع في الخزانات والمكتبات، منتظرة قارئاً مفترضاً؟ أم عن تلك التي تحولت إلى أفلام سينمائية ومُنِحَت لأصحابها الشيوع والذيوع؟ أم عن الروايات التي بُرْمِجَت ضمن البرامج والمناهج الديداكتيكية، والمنهاج التربوي العام؟ وكيف يتحدث البعض، في مصر وغير مصر، بمطلقية عن طليعية الرواية، وتصدرها المشهد الثقافي العام في غياب دراسة سوسيولوجية للقراءة، واستمزاج ميداني للرأي العام؟ وفي واقع عربي – كما أشرت – مطبوع بالأمية والنمطية، والمصادرة على أحلام الناس، وحقهم في التعليم والثقافة، كحقين كرستهما الأديان السماوية والوضعية، والثقافات الإنسانية، والمواثيق والمعاهدات الدولية؟

كيف نقول كل ذلك، ونحن نشكو – في لقاءاتنا وندواتنا – من تَرَدٍّ مريع في متابعة واقتناء ما يصدر؟ ومن ضآلة عدد القراء، وتوزعهم – على قلتهم – بين قراءة الإبداع شعراً أو قصة قصيرة أو رواية أو مسرحاً، وقراءة الكتب النقدية والفكرية؟ ولماذا لا يتم الحديث بنفس الحماس، والاندفاع، والتوثب، عن القصة القصيرة، بما هي جنس تعبيري راقٍ ووازن في المشهد الثقافي المغربي والعربي؟ علماً أنها جنس كتابي مكثف ووجيز، وينضح بكثير من الشعر. وبمُكْنَة القاصين أن يتواصلوا مع الجمهور في القاعات مثلما الشعراء. وهذا ما تقصر عنه الرواية تماماً لحجمها وطولها، واستحالة قراءتها في جلسة. أما الشعر، في قوالبه وأشكاله التعبيرية الآن، فيقع في المابين، يقع بين مأزق المنبرية والإنشاد، ومأزق القراءة البصرية التأملية التي تستوجب ثقافة وإطلاعاً عميقين، وتقتضي انعزالاً بالضرورة. مأزق: كيف تقرأ قصيدة / كتابة خلت من الوزن الخليلي الصائت، لأن الإيقاع أوسع من الوزن، وهو حاضر في النص، في الكتابة إن لم يكن بالفعل، فبالقوة على أقل تعديل.

خلاصة القول: إن في كل كتابة عظيمة: (الكتابة التي تعصف بالحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية)، شعراً عظيماً، وماءً نميراً وسلسَلياً، سارياً كالشعاع الهَفهاف في الخلايا والمسام والعروق، ووتين الحياة، ومركوزاً، خفاقاً بالنشوة والسحر، كراية من حرير لازَوَرْدي على فَرْوَة ربوة زمردية باذخة!

÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷

تـنـويه:

ولعل للرقميات والخوارزميات وفي طليعتها: الذكاء الاصطناعي، كلاماً آخرَ غير هذا الكلام.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    الإثنين 17 نونبر 2025 - 07:40

    “The only way to write well is to write what you believe in”
    “الطريقة الوحيدة للكتابة الجيدة هي أن تكتب ما تؤمن به.”

    D Allison
    (1949-2024)

    “Words can be like X-rays if you use them properly،they’ll go through anything. You read and you’re pierced”

    “يمكن للكلمات أن تكون مثل الأشعة السينية إن استخدمتها بشكل صحيح،ستخترق أي شيء. تَقْرَأ، وتُطعن.”

    A Huxley
    (1894-1963)
    (القوة التأثيرية للكتابة العميقة )

    أستاذ محمد،
    إن طرحكم القَيِّم حول أولوية جودة الكتابة (الرفيعة والمسؤولة) على جدل سيادة الأجناس الأدبية يمثل نقطة تحول حقيقية في النقاش الثقافي. فتركيزكم على أن الخلاف الدائر حول صدارة الرواية أو الشعر يفتقر إلى دراسة سوسيولوجية واقعية للمقروئية العربية، هو في محله تماماً، إذ لا يمكن الحكم على الانتشار بمعزل عن إحصاءات التداول الحقيقية. إن فصل الخطاب كما ذكرتم يجب أن يرتبط بفكرة الذيوع والمقروئية، فجنس الكتابة الناجح هو ذلك الذي يجد صدى حقيقياً ومستداماً في وجدان القارئ، بصرف النظر عن تصنيفه أو مكانته التقليدية في “ديوان العرب”. الأهم هو ما يؤثر فعلاً، ويحرك الوجدان.

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
طقس خريفي متقلب بالمغرب
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 16:17

طقس خريفي متقلب بالمغرب

صوت وصورة
النفايات تحاصر مدرسة ومستشفى
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 11:55 1

النفايات تحاصر مدرسة ومستشفى

صوت وصورة
أزمة النقل تخنق سكان طنجة
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 10:28 4

أزمة النقل تخنق سكان طنجة

صوت وصورة
GNV تحتفي بزبنائها في مراكش
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 09:20 1

GNV تحتفي بزبنائها في مراكش

صوت وصورة
ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 21:17 6

ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي

صوت وصورة
ضيوف من الفضاء
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 20:36 2

ضيوف من الفضاء