ماذا خسرتْ الديمقراطية بتصريحات الشيخ الريسوني؟

ماذا خسرتْ الديمقراطية بتصريحات الشيخ الريسوني؟
الأربعاء 9 أكتوبر 2013 - 15:23

على موقع هسبرس، أوقفني تصريح الشيخ الريسوني، الفقيه الرباني الكبير، والعالم المقاصدي الفذ، وعضو هيأة اتحاد علماء المسلمين، ورئيس حركة التوحيد والإصلاح سابقا، حفظه الله من كل تنطع، ووقى لسانه من شر الكلمات التي ينطق بها المرء وهو لا يلقي لها بالا، ثم تهوي به سبعين خريفا في قعر جهنم، حينما قال عن السيد بنكيران بأنه رجل ناجح، وصادق، وعفوي، ورجل الفطرة.

لقد كفى الشيخ الريسوني، حفظه الله، الكتائب الإلكترونية لحزب العدالة والتنمية شر القتال، وأراحهم من عناء التعليقات التي يجدون أنفسهم مضطرين لصياغتها، “رَفْعا” للواء الإسلام، كلما سقطت أعينهم الثاقبة على مقال ينتقد حزبهم “الإسلامي”، الذي يرونه يرجو وجه الله ولا يرجو غيره، ويجدونه زاهدا في جاذبية الكرسي وبريقه، ومعرضا عن أبهة السلطة أو زخرف الحياة.

لن يضر هذا الحزب بعد تصريح الريسوني شيء، سواء واحد من مقالاتي “الحاقدة”، أو تحليلاتي “الكافرة”، أو حتى العشرات منها، كما لا يستطيع أن ينال منه أحد، مثقفا أيا كان مستوى ثقافته، أو سياسيا، مهما علت درجة إخلاصه، أو حتى فقيها أو علامة، مادام عميد الفقهاء، وسيد العلماء، قد قطع الشك باليقين، بدون رِجعة، وبلا قيد أو شرط.

لقد حسم شيخُنا الخلاف، فلا قول بعد قول الشارع، ولا رأي بعد فتوى أكابر العلماء: السيد بنكيران لا ند له ولا مثيل، وحتى إذا غضب، أو تطاير الشرر من عينيه، أو تسللت كلمات نابية من بين شفتيه، فلأنه عفوي، وحتى إذا قبّل زوجة السفير الأمريكي السابق، فلأنه رجل الفطرة، أما إذا أفقر الشعب أو زاد من معاناته، فلأنه رجل صادق، لا يكذب على الناس ولا يمنيهم، فالوضع الاقتصادي العالمي منهار، والسيد بنكيران، من صدقه، لن يسمح بانهيار الدولة، وإن كان على حساب انهيار المواطن البسيط، الذي تراقص فرحا، وهو يتلقى نبأ فوز حزب بنكيران بصدارة النتائج الانتخابية.

ناجح، وصادق، وعفوي، ورجل الفطرة: إنه برنامج سياسي صريح ومتكامل، مفاده أن الشيخ الريسوني، بكل ما أوتي من فهم للمقاصد الشرعية، يفتح لبنكيران مغاليق السياسة، ويعبد له الطريق أمام ولاية حكومية ثانية، لأن الصفات التي أثبتها في حقه، تمنحه من الشرعية الدينية والأخلاقية ما يكفيه لأن يُعَمِّر فوق كرسي الحكومة مادام على قيد الحياة، وليس فقط ولاية أو ولايتين.

لقد بلغت رسالة الشيخ الريسوني أهدافها، وحققت مقاصدها، وتلقفها حراس العقيدة بفخر وسؤدد، فنشروها على المواقع الإلكترونية، وتحدّوا بها مخالفيهم على صفحات الفايسبوك، في معارك غير عادلة، ومنازلات غير متقابلة، فلا غالَبَ أحدٌ الدين إلا غلبه، ولا تنافس أحدٌ مع جهبذ من جهابذة الأمة إلا سبقه، فشعرت الكتائب المكلومة في رئيسها بالنشوة، ونالت بذلك المنى، ونام “الإسلام” مطمئن البال، قرير العين.

لا أفهم ماذا قصد الشيخ الريسوني بقوله إن بنكيران رجل ناجح، أقصد الدين أم الدنيا؟ أقصد رجلا ناجحا لبلده وحكومته ودعوته، أم ناجحا على المستوى الشخصي، لنفسه، وأصحابه، وأهله، وأبنائه، ووالدته “للا مفتاحة” التي قال عنها أنها تعدل أربعين رجلا؟

إن كان يقصد الدنيا، أو على المستوى الشخصي، فلا أحد يجادله أو يعترض عليه، فرغم أن السيد بنكيران لم يتحصل إلا على شهادة الإجازة، إلا أنه استطاع أن يترأس الحكومة، وتمكن من حكم البلاد، والتحكم في رقاب العباد، كما أنه صار يهاتف الملك ويلتقي به، وهو إنجاز كبير على المستوى الشخصي، يحسده عليه أكبر السياسيين، أما إذا كان الريسوني يقصد النجاح في الدين، فقبلات بنكران لزوجة السفير تنبؤك اليقين.

كيف لا يكون السيد بنكيران رجلا ناجحا، وفي عهده قفز المغرب إلى المرتبة الأولى عربيا في تصدير الخمور، حيث يخصص أكثر من 37 ألف فدان لزراعة العنب أو الكروم لإنتاج النبيذ، مما يوفر 30 مليون يورو لميزانية الدولة، ويمكن من تشغيل 20 ألف عامل؟ وقد تكون هذه المرتبة “المشرفة” جدا في بيع الخمور، من وراء اتهام وزير العدالة والتنمية عبد القادر عمارة بتناول وجبة في فندق ب “واكادوكو” بمليون سنتيم، مع احتساء قنينتي شمبانيا، قبل أن تبرئه المحكمة من هذه التهمة فيما بعد.

كيف لا يكون السيد بنكيران رجلا ناجحا، وفي عهده عرف حجم التبادلات الاقتصادية مع الكيان الصهيوني أرقاما قياسية، وشمل التطبيع معه كافة المجالات الثقافية والرياضية والفنية والسياسية؟

كيف لا يكون بنكيران ناجحا، وقد صرح لقناة تلفزية أردنية، بتاريخ 17 مارس 2013، بأن أسلمة المجتمع مجرد خزعبلة، وبأن العالم يتجه نحو مزيد من الحرية الفردية، ولن يكون ضد التيار؟

وقد شرع، بالفعل، في تنفيذ هذا المخطط بقبلات زوجة السفير، حتى صارت القبلات حديث الساعة في بلدنا الحبيب، بعد فضيحة “الساعة” التي اجتمع المجلس الحكومي من أجل مناقشتها.

كيف لا يكون بنكيران ناجحا، وقد عاش الفقير في عهده أتعس أيامه، ونال المعطل أسوأ نكباته، وتلقى الموظف أفجع أنبائه، في حين انتشرت تجارة الفساد، واستشرت صناعة الزبونية والمحسوبية، وعمت مظاهر البعد عن الدين، وعاشت العفاريت أزهى أوقاتها، ونامت التماسيح وهي تحلم بأجمل أمانيها؟

كل الوقائع، والأحداث، والقرارات التي اتُّخذت في عهد بنكيران، تنظر إلى الشيخ الريسوني مشدوهة البال، وكأنه فقد العقل، أو أنه يعيش في كوكب نائي، توهمه من فرط هُيام: ” كوكب المقاصد الشرعية” حيث لا شرع ولا مقاصد، إلا خيالات العصبية، وأوهام التنطع والمغالاة، والتي ترى في نُصْرة بنكيران نصرة الدين، وفي انتقاده هدم أصوله وفروعه.

حينما يتكلم الريسوني عن نجاح بنكيران وصدقه وفطرته، فهو لا يعطي لذلك دليلا، ولا يقدم برهانا، ولا يستقي معطيات، فنقتنع بكلامه، ونطمئن لرأيه، فنتعامل مع هذه التصريحات على أنها فتوى شرعية لا يجوز تخطيها، أو رأيَ دين لا يمكن تجاوزه، خصوصا أن غير واحد من المتتبعين قد طعن في توجهاته وسلوكياته وأفكاره، ويوشك المحللون السياسيون أن يجمعوا أمرهم، على أن حكومة بنكيران هي أفشل حكومة عرفها المغرب منذ الاستقلال.

رجل “ناجح” يترأس حكومة فاشلة، هذا هو بلدنا الحبيب، المليء بالتناقضات المضحكة المبكية، حيث يعفو رئيس الحكومة عن الفاسدين، ويُخلف الوعود التي قطعها مع المعطلين، ويتنكر لعهوده مع المُنْتَخِبِين، وينزل بأسه على الفقراء والمساكين، ويصدر قرارات لم يسبقه إليها “أعداء الدين”، ويُكَرّم الإسرائيليين، وينشر الحرية الفردية حتى اعتلت منصاتنا مغنيات بالتَّبابين، وبعدها يأتينا شيخ “عارف بالله”، غير عارف بمكر السياسيين، لكي يقول لنا عن بنكيران بأنه صادق وناجح وأمين.

[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • benben
    الأربعاء 9 أكتوبر 2013 - 17:46

    للتذكير فزوجت السفير الامريكي هي من قبلت بن كيران و ليس العكس ..و الفرق شاسع للفاهم…
    اما بالنسبة للزيادة في الاسعار ببضع سانتيمات فلا
    يقارن بزيادة 10دراهم للتر الزيت في عهد الحكومة
    السابقة …فقد كان الزيت المائدة ب8 دراهم و اصبح ب 18 درهم…….
    و قبل ان تتكلم عن الخمور فكان حري بك ان تتكلم عن
    السياحة الجنسية التي نتصدر بها القائمة و في عهد
    الحكومات الحداثية السابقة …….

  • وجة المدينة
    الأربعاء 9 أكتوبر 2013 - 19:36

    ان المقال كالعادة هو حقيقة و واقع يعكس الوضعية التي يعيشها المغرب في ظل السياسة الفاشلة للحكومة ماما أي حكومة بن كيران

  • رشيد
    الأربعاء 9 أكتوبر 2013 - 22:49

    شيخنا الريسوني حفظك الله، قلتها و سأعيدها، ابتعد عن السياسة فأوساخها لاتليق بك، ودورك الاساسي في التربية، فالاجيال تائهة تبحث عن مخرج، بن كيران لا يستحق ان تضحي من أجله بمصداقيتك ورمزيتك الدينية في البلد. و إلا فلتعلنها صراحة و لتقل للمغاربة أنك منهم؟؟؟ وإلا كيف نفهم انتقاذك لمن قبلهم؟؟؟ و مدحك المبالغ فيه لتجربة بن كيران؟؟؟ أوليست له أخطاء؟؟؟ إن كنت عالما بمقاصد الشريعة، فالمغاربة خاصة فقراءهم أعلم منك بصعوبات تحصيل القوت اليومي من مأكل و مشرب تدريس و تطبيب و تنقل، فلا داعي لتجعل لحمك طبقا بين الناس تلوكه ألسنتهم فإن كان لحم العلماء مرا فقرارات بن كيران أمر؟؟؟

  • nadia oujdiya
    الجمعة 11 أكتوبر 2013 - 02:29

    bravo pour ce magnifik article les islamistes sont tous pareil , tous des menteurs , et utulisent la religion pour arriver au pouvoire ,

صوت وصورة
مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"
السبت 26 شتنبر 2026 - 22:40 2

مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"

صوت وصورة
ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي
السبت 26 شتنبر 2026 - 21:30 6

ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي

صوت وصورة
ساكنة سلا تتحسر
السبت 26 شتنبر 2026 - 17:49 10

ساكنة سلا تتحسر

صوت وصورة
مرافق مهملة بالدار البيضاء
السبت 26 شتنبر 2026 - 13:57 4

مرافق مهملة بالدار البيضاء

صوت وصورة
الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:49 9

الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي

صوت وصورة
بنكيران: البيجيدي في المعارضة
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:02 18

بنكيران: البيجيدي في المعارضة