مدى دستورية فرض جواز التلقيح

مدى دستورية فرض جواز التلقيح
الثلاثاء 26 أكتوبر 2021 - 00:38

أثر بلاغ الحكومة الصادر بتاريخ 18 أكتوبر 2021 بفرض جواز التلقيح كوثيقة معتمدة من طرف السلطات الصحية لتنقل الأشخاص، بين المدن وولوج الإدارات العمومية والجماعات الترابية والمتاجر والمقاهي والمطاعم والفنادق والحمامات والقاعات الرياضية في إطار التدابير الاحترازية الجديدة نقاشا دستوريا وقانونيا جديرا بالمناقشة والدراسة حول مشروعيته.

ومما لا شك فيه، فإن البلاغ يستند إلى ما تتيحه المادة الثالثة من المرسوم بقانون المتعلق بحالة الطوارئ الصحية التي تنص على أنه “بالرغم من جميع الأحكام التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل تقوم الحكومة خلال فترة إعلان الطوارئ الصحية باتخاذ جميع التدابير اللازمة التي تقتضيها هذه الحالة، وذلك بموجب مراسيم ومقررات تنظيمية أو إدارية أو بواسطة مناشير وبلاغات من أجل التدخل الفوري والعاجل للحيلولة دون تفاقم الحالة الوبائية للمرض وتعبئة جميع الوسائل المتاحة لحماية حياة الأشخاص وضمان سلامتهم.

لا تحول التدابير المتخذة المذكورة دون ضمان استمرارية المرافق العمومية الحيوية وتأمين الخدمات التي تقدمها للمرتفقين”.

وبالتالي لا يمكن القول من الناحية القانونية إن هذا البلاغ موضوع الدراسة يجب أن يستند إلى نص قانوني أو مرسوم جديد ما دام المشرع ترك للحكومة حرية ونطاق هامش التحرك بالوسائل القانونية التي تختارها دون معقب عليها، لأن المرسوم بقانون الطوارئ الصحية يعلو على كافة الأحكام التشريعية والتنظيمية الأخرى.

ومن المهم الإشارة إلى أن هذا الموضوع يثير إشكاليات دستورية وقانونية هامة، تتعلق بضمان التوازن والتناسب بين مبدأ وجوب حماية الصحة الفردية والجماعية من خلال التلقيح ضد كوفيد ومبدأ آخر لا يقل أهمية، يتعلق بحرية التلقيح وبالحقوق الأساسية للفرد بحماية كرامته وحرية ضميره وحرمة وسلامة جسمه، إذ أن التنازع مبناه المفاضلة بين التلقيح الإجباري والتلقيح الاختياري، أي بين الحقوق الفردية “المصالح الخاصة “والحقوق الجماعية “المصالح الجماعية”.

وإذا كان القانون لا يفرض مسألة التلقيح الإجباري لحدود اليوم، فهل يجوز فرض تدابير إدارية أو تنظيمية تقيد ممارسة بعض الحقوق والحريات بضرورة إجراء التلقيح والحصول على جواز التلقيح، كالمنع من التنقل بين المدن وولوج المقرات العامة والخاصة ووسائل النقل العمومية؟

قد يعتقد البعض أن مثل هذه القيود تشكل انتهاكا لمبدأ حرية التلقيح وفرض التوائي وناعم للتلقيح الإجباري بغير سند من القانون؟ لكن من وجهة نظرنا نعتبر أن الأمر لا يشكل أي تضاد بين الأمرين أو المسألتين، ولا غبار حول دستوريته أو شرعيته، ففرض القيود بشكل نسبي لا بشكل مطلق، لا يعني بتاتا فرض إجبارية التلقيح بل نوعا من المرونة من داخل المبدأين بشكل يمكن من التوازن والتناسب بين الصحة الفردية والجماعية وضمان الحقوق الأساسية للفرد بحماية كرامته وحرية ضميره وحرمة وسلامة جسمه، فالشخص الذي يرفض فكرة التلقيح حماية لشخصه لا يمكن أن نقبل بأن تصل تلك الحرية للمساس بالصحة العامة، فحريته تنتهي حينما تبدأ حرية الآخرين، فلا يمكن المخاطرة بصحة جميع المواطنين بدافع أنانيات وحسابات شخصية.

ولقد صاغ نفس الفكرة أحد الفقهاء الفرنسيين بقوله “أولئك الذين، باسم الحرية، لا يرغبون في الخضوع لأي فحوصات، سيتمكنون من البقاء في المنزل، لأن الأشخاص الذين يعانون من حساسية حزام الأمان لهم الحرية في عدم ركوب السيارة. سيكون لدينا الحرية لاستعادة حرية الحركة وحرية حبس أنفسنا باسم الحريات”.

ولهذا اعتبر المجلس الدستوري الفرنسي أن المشرع لم ينتهك المتطلبات الدستورية لحماية الصحة من خلال فرض التزامات التلقيح، وبالتالي يمكن للمشرع “تحديد سياسة التطعيم من أجل حماية الصحة الفردية والجماعية”، تمامًا كما يمكنه “تعديل الأحكام المتعلقة بسياسة التطعيم هذه لمراعاة تطور البيانات العلمية والطبية والوبائية Dec. رقم 2015-458 QPC بتاريخ 20 مارس 2015، لا سيما وأن هذا المجلس مستقر على الزامية التلقيح واجباريته ضد “الأمراض الخطيرة والمعدية للغاية أو تلك التي لم يشتبه في استئصالها”.

كما أقر مجلس الدولة الفرنسي أن “هذه الأحكام لها تأثير لتقويض مبادئ حرمة وسلامة جسم الإنسان التي يتذرع بها المتقدمون، [لكن] يتم تنفيذها بهدف ضمان حماية الصحة، (…) وتتناسب مع هذا الهدف (…) لذلك، عدم تجاهل المبدأ الدستوري المتمثل في الحفاظ على كرامة الإنسان (ولا) حرية الضمير”. للقيام بذلك، يأخذ في الاعتبار خطورة الأمراض وفعالية هذه اللقاحات وضرورة جعلها إلزامية من أجل تحقيق تغطية تحصين مرضية لجميع السكان.

وفي هذا الإطار اعتبرت محكمة النقض المغربية أنه “لما كان التلقيح الذي خضع له الضحية تلقيحا إجباريا، يهدف إلى حماية الصحة العامة من الأوبئة، ولا يطلب من الملقح أو ولي أمره -إذا كان قاصرا- القبول طواعية بالمخاطر المترتبة عن عملية التلقيح، فإن أساس تعويض من تضرر من هذه العملية يكون هو التضامن بين أفراد المجتمع في تحمل الأخطار الاجتماعية بصرف النظر عن قيام الخطأ من عدمه.”

قرار محكمة النقض تحت عدد 236 الصادر بتاريخ 11/04/2013 في الملف الإداري عدد 742/4/2/2012.

وصفوة القول إن المادة الرابعة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية نصت على أنه “في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة، والمعلن قيامها رسميا، يجوز للدول الأطراف في هذا العهد أن تتخذ، في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد، شريطة عدم منافاة هذه التدابير للالتزامات الأخرى المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي وعدم انطوائها على تمييز يكون مبرره الوحيد هو العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الاجتماعي”.

ولقد قيد المرسوم بقانون المتعلق بحالة الطوارئ الصحية الحكومة بعدم إصدار تدابير احترازية تتنافى وضمان استمرارية المرافق العمومية الحيوية وتأمين الخدمات التي تقدمها للمرتفقين، وفرض جواز التلقيح لا يتعارض مع ذلك لأنه لا يلغي الحقوق بل يقيد الاستفادة منه وهو مسألة مشروعة، وتظل إمكانية استفادة غير الملحقين واردة منها بتوكيل من يتقدم للمرافق العمومية أو الخاصة باسمه لمباشرتها نيابة عنه.

وعليه يمكن القول إن الإطار المسموح به دوليا أو على الصعيد الوطني قانونيا في ممارسة الحقوق والحريات خلال حالة الطوارئ الصحية تقيدت به الحكومة في بلاغها الأخير بفرضها جواز التلقيح للولوج للمرافق العمومية والخاصة بتقييد الولوج لا منع الاستفادة أو تعطيل الحقوق المترتبة عن ذلك.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

13
  • باب الدهشة
    الثلاثاء 26 أكتوبر 2021 - 11:52

    الضعيف يختار الأضعف

    وهذا أفضل السيئين. المشكلة الكبرى تكمن في مكابرة الضعف وتتحول المشكلة إلى كارثة

    فارس الهمزاني

  • غير معروف
    الثلاثاء 26 أكتوبر 2021 - 12:16

    المثقف: صراع البقاء والإقصاء!

    أعتقد أن المثقف يستمد قوته من مدى ارتباطه بالسلطة على مر الأزمان، أعتقد بأن هذا أفضل تحليل أستطيع أن أقنع فيه نفسي كإجابة على سؤال كبير لا يكفيه تحليل موجز وسبب واحد من خلال عمود صحفي.

    بثينة محمد الجناحي

  • مؤامرة
    الثلاثاء 26 أكتوبر 2021 - 16:29

    سوف تحاسب عند الله على كل كلمة نفاق وزواق كتبتها في هذا ٰشبه ٰ المقال. وجهكوم صحيح.

  • خالد
    الثلاثاء 26 أكتوبر 2021 - 22:21

    عندما تتحر ر من اعطاء المثال بدولة فرنسا عندها سوف استمع الى خزعبلات مقالك.

  • ماجد
    الثلاثاء 26 أكتوبر 2021 - 22:48

    مقال غير موفق .. وثقافة قانونية هشة، تنهل من رافدين:
    1- تقليد أعمى لماما فرنسا.
    2- النهوض بدور بوق وفقيه السطلة.

  • نورالدين جلال مراكش
    الأربعاء 27 أكتوبر 2021 - 09:09

    كل رد يجب ان يكون مبني عل نصوص قانونية فكاتب المقال استند إلى نصوص قانونية والرد يجب أن يكون في الإطار نفسه لا الى الاستناد الى أفكار رجعية عفى عليها الزمن أو ضغضغة مشاعر بعض العقول لارضائها ليس الا.

  • كريم العلمي
    الأربعاء 27 أكتوبر 2021 - 11:18

    اريد ان اسال “الفقيه القانوني” المحامي و القاضي السابق سي الهيني عن حالة معينة :

    ادا توجب على الامن (شرطة… درك…) اعتقال شخص ما -لاي سبب من الاسباب- و وجب ادخاله الى مقرات الامن ثم الى المحكمة…الخ… و اتضح ان الشخص غير ملقح و غير راغب في دلك : مادا يتفعل السلطات ? هل ستدخله الى بناية رسمية -مع العلم ان هدا مخالف للقانون…كون الشخص لايتوفر على جواز التلقيح!- ان سيتم تلقيحه رغما عنه -و هدا مخالف للقانون…كون التلقيح غير اجباري بقوة القانون!-… ? ام سيتم اطلاق سراحه لاستعصاء وجود “تخريجة” قانونية ?

    يا لله فكها يا من وحلتيها !!!

  • Simo
    الخميس 28 أكتوبر 2021 - 08:39

    من مساوئ التواصل الاجتماعي ان المثقف يناقشه الجاهل ويرد عليه .

  • سعيد
    الخميس 28 أكتوبر 2021 - 21:46

    إذا و حتى طردك صاغرا من سلك القضاء هو قرار قانوني و لا ينتهك الدستور المغربي، و إن شئت أستشهد لك بالمشرع ماما فرنسا مادامت عندك عقدة الأجنبي و مادمت مهزوم نفسيا و لا ترى إلا ما يرى المستعمر الفرنسي، أنت قلت أنها اجتهادات فقهية فكيف تستشهد بها و كأنها قرآن منزل من عند الله تعالى !!! لم يظلمك إذا الوزير مصطفى الرميد و قراره بطردك كان صحيحا و يوافق شريعة ماما فرنسا. ستبقى عياشيا حتى النخاع لأنك تكره الحرية و الفكر الحر ربما يعيد لك المخزن الفتات الذي كنت تقتات منه قبل إعفائك من القضاء.

  • حسن
    الجمعة 29 أكتوبر 2021 - 15:57

    أعتقد أن الكاتب كان من المنادين بإنشاء مجلس الدولة على غرار الأنظمة المتقدمة ,و كنت أنتظر من الكاتب استحضار مواقف قضاء الدول المتقدمة كإسبانيا التي لم يقتصر قضاؤها على اعتبار الجواز خرق قانوني بل ألزم الدولة على إرجاع الذعائر لمن استخلصث منه .و بالتالي كفى من الاجتهاد في تبرير الغير المبرر فهي تذكرني بلاعب الكرة الذي اعتقد أن بإمكانه القدف من أي مسافة لتسجيل الهدف . القانون لا يقبل المداراة بل يحسم في البت .

  • المغالطة المنطقية
    الجمعة 29 أكتوبر 2021 - 21:18

    نعم لتفضيل المصلحة العامة على الخاصة!! لو كان بالفعل اللقاح يقي من الاصابة فالملقحون (الاغلبية) مثلهم مثل غير الملقحين(الاقلية) يصابون ينقلون العدوى يدخلون الانعاش… بالتالي هذه المغالطة المنطقية التي استعملها الكاتب ووزير الصحة لاتمر الا على من ارادها ان تمر!!
    نعم للمصلحة العامة التي استجاب لها كل المغاربة بحجر صحي اقتنع بضرورته كل الشعب. أما الآن فالحكومة غير قادرة على الاقناع العلمي للشعب بضرورة التلقيح. اخرجو لنا اللجنة العلمية لنحاججها فإن اقنعتنا نلقح!!

  • مواطن رافض
    الأحد 31 أكتوبر 2021 - 18:31

    من يدعي ما ليس فيه كذبته شواهد الامتحان… ما الفرق بين أن يخيروك أن تموت رميا بالرصاص أو تموت بالسم وما دام الأستاذ يعطي الأمثلة بفرنسا… ففرنسا تسمح للناس بالتظاهر للتعبير عن آرائهم وتوفر لمواطنيها العديد من الحقوق كما ألزمت بجواز التلقيح فقط الأطر الصحية أما باقي المؤسسات فيمكنك الإدلاء بشهادة سلبية للكشف عن كوفيد والقرارات كانت مدعمة من المؤسسة التشريعية

  • مواطن رافض
    الأحد 31 أكتوبر 2021 - 19:23

    شكون يشهد للعروسة المناضل الخبزي… قاليك فرنسا واش الحقوق والمؤسسات اللي كاينة ففرنسا هي اللي كاينة فالمغرب… المظاهرات في فرنسا مرخصة أما فدولة المخزن فليس بإمكانك تأن تفتح فمك إلا عند طببيب الأسنان الله يعطينا وجهك نمشيو بيه للحمام

صوت وصورة
احتجاج يندد بالتطبيع
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 23:50 14

احتجاج يندد بالتطبيع

صوت وصورة
مباشر | ميطا 3 | فوز "الأسود" على الغابون
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 21:43 2

مباشر | ميطا 3 | فوز "الأسود" على الغابون

صوت وصورة
بنعبد الله وعزوف "شعب اليسار"
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 20:19 5

بنعبد الله وعزوف "شعب اليسار"

صوت وصورة
نتائج الانتخابات ومرشحو رئاسة الحكومة
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 17:54 8

نتائج الانتخابات ومرشحو رئاسة الحكومة

صوت وصورة
البطالة تُهجّر شباب تيفلت
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 14:42 5

البطالة تُهجّر شباب تيفلت

صوت وصورة
أسعار اللحوم تواصل الارتفاع
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 10:48 12

أسعار اللحوم تواصل الارتفاع