مسؤولية الخطاب الحزبي

مسؤولية الخطاب الحزبي
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 08:12

في المغرب، يتكرر المشهد الحزبي دون اللجوء إلى أشكال واضحة من التجديد أو الإعلان عن مظاهر ملموسة للتطور السياسي، وكالعادة، وعود انتخابية ومصالح حزبية متضاربة، يعقبهما تبديد أحلام ملايين المواطنين، وتظهر النتيجة بجلاء أيام الاقتراع، حين يعزف البعض عن المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية. ومن الطبيعي أن تتزعزع ثقة المواطن في الممارسة السياسية، ما دامت لا تعكس، في نظره، اتجاهاته ومصالحه وحاجاته كمواطن. ومن هنا تبدو مسألة إيجاد حلول لتحفيز المغاربة على التصويت وإعادة وصلهم بالفعل الانتخابي أكثر تعقيدا، وهو ما يطرح أسئلة حول مصداقية العملية الانتخابية ومضمونها السياسي. فما يلاحظ على الأحزاب السياسية اليوم هو انغلاقها النسبي وعدم انفتاحها بالقدر الكافي على التحولات التي يعرفها المجتمع، وهو ما يترك تأثيرا على إنتاج خطاباتها ويفرغ بعضها من مضمونه السياسي والإشعاعي. هكذا وجدت الأحزاب نفسها، في بعض الحالات، تعيد إنتاج أنماط من التعاطي البيروقراطي، فكان من نتائج هذا الوضع تراجع انخراط المواطن في العملية الانتخابية، وضعف نسب المشاركة، في ظل ما يثار من أسئلة حول المسؤولية الأخلاقية في تدبير الشأن السياسي من جهة، وقدرة الخطاب الحزبي على بناء شرعية سياسية ترتكز على الواقعية السياسية والاستجابة للمتطلبات اليومية للمواطن من جهة أخرى.

الفجوة بين الخطاب والممارسة وأزمة الثقة

مع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، تبرز تساؤلات متكررة حول المشاركة الانتخابية، إلى جانب النقاشات المرتبطة بالثقة في المؤسسات السياسية. وتقدم الخطابات الحزبية الإصلاح باعتباره لحظة مهمة من أجل استعادة الثقة وتخليق الحياة العامة وضمان انتخابات ذات مصداقية. غير أن الإصلاح ليس مجرد عملية سياسية، بل يشكل أيضا حدثا خطابيا. وتبين الدراسات القائمة حول العزوف الانتخابي في المغرب أنه لا يمكن اختزاله في نقص الاهتمام الفردي، إذ يرتبط بعوامل مؤسساتية، من بينها انعدام الثقة في الأحزاب، وضعف الاقتناع بجدوى العرض السياسي (المزوني والقادري، 2026). ففي الدراسة التي أجريت على خمسة عشر شخصا من الممتنعين عن التصويت، أكد المشاركون على تصورات تتصل بعدم الفعالية السياسية، ولن آتي إلا بمثالين شاهدين على ذلك؛ فأمين، وهو شاب حاصل على شهادة من مدرسة للمهندسين، يتساءل عن مضمون العرض السياسي ذاته: «أين هو العرض السياسي أصلا؟ جميع الأحزاب تقول الشيء نفسه. أحزاب متعددة، لكن في العمق حزب واحد ووحيد». ولا يعبر كلامه بالضرورة عن اللامبالاة أو الجهل، بل عن قراءة نقدية للتجانس الذي يدركه داخل الحقل الحزبي. ويظهر الامتناع هنا، وفق هذه الشهادة، مرتبطا بالشعور بغياب بديل سياسي مقنع (المزوني والقادري، 2026).

ويمكن تقديم حالة فاطمة، فعلى الرغم من أنها ليست من الممتنعين عن التصويت، فإن شهادتها تسلط الضوء على بعض مواطن الهشاشة التي تعتري التجربة الانتخابية. تقول: «صوّت في الانتخابات السابقة لصالح حزب من الأحزاب، وأنا نادمة على ذلك بشدة، فلم أتوقع إجراءات تخنق المواطن مثل تلك التي اتخذوها». وتذكر تجربتها بأن المشاركة نفسها قد تتخللها أشكال من خيبة الأمل. فالتصويت يظهر هنا باعتباره تجربة يمكن أن تنتج خيبة أمل، وقد تؤدي، في بعض الحالات، إلى فقدان الثقة. وبشكل عام، تكشف هذه السرديات عن تعدد في دوافع الابتعاد عن المشاركة، من نقد العرض الحزبي والإدانة الأخلاقية إلى الإحساس بعدم الفعالية المؤسساتية وخيبة الأمل بعد الانتخابات، وهي مقابلات، كما تظهر الدراسة، يطبعها الشك والنقد والابتعاد عن اللعبة الانتخابية (المزوني والقادري، 2026).

ولعل ما يزيد من تعميق أزمة الثقة في الأحزاب تشابه بعض خطاباتها وبرامجها، وبالتالي، فكلما اعترى هذه الأحزاب قصور في الرؤية أو عدم وضوح في الخيارات المتخذة، انعكس ذلك على صورة أدائها ومردودية صناعة القرار السياسي، الأمر الذي يستدعي أن يكون هذا الجهاز، أي الحزب، في مستوى التطلعات المجتمعية تنظيما وتأطيرا وممارسة.

وانسجاما مع ما يثار حول واقع الخطاب الحزبي، قد ينظر بعض المواطنين إلى الأحزاب والمتحزبين بمنظار الريبة والشك، انطلاقا من تصور يرى في الحزب مجموعة من المتخصصين والمحترفين الذين يجنون لحسابهم الخاص المكاسب والمنافع، وهو تصور ارتبط في بعض الخطابات بما يسمى سياسة الريع. وقد أسهمت مثل هذه التصورات في انتشار خطابات توصف بالمهزوزة أو السطحية أو غير المقنعة، مما يطرح أسئلة حول المشاركة السياسية، وعن قدرة المواطن على أداء دوره في عملية صنع القرار السياسي. وبحسب المعطيات الرسمية، ظلت نسب المشاركة في عدد من الاستحقاقات الانتخابية السابقة دون أو في حدود 50 في المائة، قبل أن تتجاوز هذه النسبة بقليل في الانتخابات التشريعية لسنة 2021، وهو ما يعجل بطرح السؤال: كيف يستعيد الناخب ثقته في المشاركة الانتخابية؟

استعادة المصداقية شرط لإعادة الاعتبار للمشاركة الانتخابية

بناء على الأوضاع التي آل إليها مصير الأحزاب المغربية، يمكن طرح مسألة تخليق الحياة السياسية بتجاوز مستوى القصور في القيم والمبادئ والأخلاق المؤطرة للسلوك السياسي، وهو ما يستدعي التفكير في مسألة تكتسي حساسية قصوى، وهي منظومة القيم. وأعتقد أن هذه الواجهة تمثل عمق الخلل والأولوية الحقيقية في معالجة مظاهر العزوف عن المشاركة الانتخابية وفي أي إصلاح سياسي منشود. فمشكلة الأحزاب لا ترتبط فقط بضعف العرض السياسي أو محدودية الأداء التنظيمي، وإنما تمس أيضا طبيعة العلاقة التي تنشأ بينها وبين المواطن، ومدى تطابق الخطاب السياسي مع الممارسة، والالتزامات المعلنة مع السلوك الفعلي.

ومن هذه الزاوية، تغدو مراجعة منظومة القيم السياسية مدخلا أساسيا لتخليق الحياة العامة، بما يستلزمه ذلك من إعادة الاعتبار لقيم النزاهة والمسؤولية والالتزام والكفاءة واحترام المواطن والمصلحة العامة (المالكي، 2024؛ الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، 2024). وتكتسب هذه المسألة سندا من الأدبيات التي تربط منظومة القيم بالسلوك السياسي وبمسار التنمية السياسية، إذ تتأثر الممارسة السياسية بالثقافة والقيم التي تؤطر سلوك الفاعلين داخل المؤسسات (تحديات ومستقبل الأحزاب السياسية في عملية التنمية السياسية في المغرب). لذلك فإن التخليق لا ينبغي أن يختزل في قواعد زجرية أو مدونات للسلوك، وإنما يتصل أيضا بإعادة بناء المعايير التي تمنح الفعل السياسي معناه ومشروعيته.

وتتأكد أهمية هذا المدخل عند النظر في علاقة الثقة بالمشاركة. فقد خلص دانيال ديفاين، في تحليل تجميعي شمل 61 دراسة و329 تقديرا إحصائيا وأكثر من 3.6 ملايين ملاحظة، إلى أن الثقة السياسية ترتبط بدرجات متفاوتة بعدد من المخرجات السياسية، ومنها الإقبال على التصويت، مع تأكيده أن حجم العلاقة محدود وأنها تختلف باختلاف السياقات والتصميمات البحثية (Devine, 2024). وبذلك لا يصح اختزال العزوف في انعدام الثقة، غير أن من الصعب أيضا فصل المشاركة عن الصورة التي يكونها المواطن عن جدارة المؤسسات والفاعلين السياسيين بالثقة.

وتقدم نتائج مشروع TRUEDEM دعما أكثر تحديدا لهذا المنظور؛ إذ تنظر إلى الثقة السياسية باعتبارها حكما تقييميا يتشكل من خلال إدراك المواطنين لنزاهة الإجراءات الانتخابية وجدارتها بالثقة، إلى جانب تقييم أداء المؤسسات. وتبين دراسة Kizilova وHaerpfer أن العلاقة بين المشاركة الانتخابية والثقة السياسية ليست آلية أو مستقرة في جميع السياقات، وأنها تتأثر بتقييمات المواطنين للعملية الانتخابية والمؤسسات السياسية (Kizilova and Haerpfer, 2025). ومن ثم، فإن استعادة المشاركة لا تبدأ من مطالبة المواطن بالتصويت فحسب، وإنما من إعادة بناء الشروط التي تجعل التصويت فعلا ذا معنى في نظره.

في الحالة المغربية، يكتسب هذا الاستنتاج بعدا إضافيا، لأن تخليق الحياة السياسية يصبح مرتبطا بإعادة الاعتبار للممارسة الحزبية نفسها، وبقدرتها على إنتاج الثقة والمصداقية. وهنا تتقاطع مسألة الأخلاق السياسية مع مسألة المشاركة: فحين تتسع المسافة بين الخطاب والممارسة، وبين الوعود الانتخابية والأداء السياسي، وبين المسؤولية والمحاسبة، يمكن أن يصبح العزوف مفهوما في ضوء أزمة العلاقة بين المواطن والفاعل السياسي، وليس بوصفه فتورا فرديا تجاه الانتخابات فحسب.

لذلك، فإن إعادة الاعتبار للمشاركة الانتخابية تقتضي، في تقديري، استعادة المصداقية قبل الاكتفاء باستدعاء المواطن إلى صناديق الاقتراع. والمصداقية هنا ليست صورة اتصالية تصنعها الحملات الانتخابية، وإنما حصيلة ممارسة سياسية تستعيد فيها القيم موقعها داخل العمل الحزبي والمؤسساتي. ومن هذه الزاوية، فإن تخليق الحياة السياسية ومراجعة منظومة القيم يشكلان مدخلا لإعادة بناء الثقة تدريجيا، بما يسمح بإعادة وصل المواطن بالفعل الانتخابي على أساس الاقتناع بجدواه، لا على أساس الواجب الانتخابي أو التعبئة الظرفية.

وعليه، فإن إعادة الاعتبار للمشاركة الانتخابية تظل مرتبطة بإعادة بناء الثقة في الفعل السياسي ومؤسساته، وهي مهمة تبدأ من استعادة المصداقية وتخليق الممارسة السياسية ومراجعة منظومة القيم التي تؤطرها. فالمشاركة المستدامة تحتاج إلى شروط تجعل المواطن يرى في انخراطه السياسي فعلا ذا جدوى ومعنى.

-باحث في سوسيولوجيا التربية

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
حفل اليوم السعودي بالرباط
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 23:58

حفل اليوم السعودي بالرباط

صوت وصورة
"فلامات" الاتحاد الدستوري
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 22:41

"فلامات" الاتحاد الدستوري

صوت وصورة
بنعتيق في "دوار الكورة"
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 20:58

بنعتيق في "دوار الكورة"

صوت وصورة
قواعد الانتخابات التشريعية
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 20:06

قواعد الانتخابات التشريعية

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | دبلوماسية الجزائر على المحك
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 19:00

أبعاد استراتيجية | دبلوماسية الجزائر على المحك

صوت وصورة
حملة مرشح "الأحرار" في مديونة
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 18:53

حملة مرشح "الأحرار" في مديونة