في ليلة من ليالي بني وراين، حيث يعلو صوت البندير وتصطف الأجساد في نسق واحد، ثمة شيء آخر يحدث لا ينتبه إليه كثيرون. البندير ليس وحده من يتكلم هناك. هناك كلمات قديمة تخرج من بين الضربات، وصور من حياة الناس، وأسماء أماكن، وحكايات حب وفراق وعتاب وسخرية، وفخر بالأرض وبالإنسان الذي عاش عليها. يرفع أحدهم صوته فتلتقطه المجموعة، ثم يأتي الرد من الصف المقابل، وتشعر للحظة أنك أمام مباراة، لكن من نوع غريب: لا كرة فيها ولا حكم، بل قصيدة تواجه قصيدة، وذاكرة تواجه ذاكرة.
هذا هو أحيدوس حين ننظر إليه بعيدًا عن الصورة السياحية التي اعتدنا عليها: رجال ونساء مصطفون، وبنادير تُضرب، وحركات منسجمة تُصوَّر وتُنشر. الحركة وحدها ليست القصة كاملة، ولا الإيقاع، ولا اللباس التقليدي. القصة الحقيقية تكمن في الكلمة، وفي قدرة الشاعر على أن يلتقط تفاصيل الحياة ويحوّلها إلى كلام موزون تتناقله الأجيال.
صار أحيدوس اليوم يحظى باهتمام مؤسساتي لا بأس به. وزارة الشباب والثقافة والتواصل تعتبره جزءًا من التراث المغربي غير المادي، وتنظم له مهرجانًا وطنيًا، وتتحدث عن صونه وضمان استمراريته ودعم شعرائه وفرقه. وقد شهدت سنة 2026 الدورة الخامسة والعشرين لهذا المهرجان في عين اللوح، بمشاركة فرق من مناطق مختلفة، من بينها فرقة تمثل أيت وراين بإقليم تازة.
هذا جهد يستحق الإشادة، لا خلاف في ذلك. لكن السؤال الذي أراه أكثر إلحاحًا ليس كم فرقة ستشارك في المهرجان المقبل، ولا كم منصة ستُقام، ولا كم صورة ستُلتقط للفرق وهي ترقص أمام الجمهور. السؤال هو: ماذا فعلنا بالكلمات التي قيلت قبل خمسين أو ستين أو سبعين سنة؟ أين قصائد الشيوخ الذين كانوا يحفظون المئات من الأبيات؟ أين تسجيلاتهم، أسماؤهم، نصوصهم؟ ومن سيحفظ ما يقوله شعراء اليوم حين لا يعودون قادرين على حمل ذاكرتهم بأصواتهم؟
هنا بالضبط المشكلة.
التراث الشفهي يموت بطريقة تختلف عن موت الكتاب. الكتاب تضعه في خزانة فيبقى سنوات دون أن يمسه أحد. أما القصيدة الشفوية فلا تعيش إلا بصوت: شخص يحفظها، وآخر يسمعها فيعيد قولها. وحين يرحل آخر من كان يحفظ قصيدة لم تُكتب ولم تُسجَّل، لا يرحل صاحبها فقط، بل يرحل معه جزء من ذاكرة الجماعة كلها.
وربما أجمل ما في أحيدوس الورايني أن الشعر فيه لم يكن يومًا منفصلًا عن الحياة. كان الشاعر يقول ما يراه الناس ولا يجرؤون على قوله: عن الحب، عن المرأة والرجل، عن الأرض والفقر والغربة، عن العلاقات بين الناس، عن الزمن وما يفعله بالمجتمعات. وأحيانًا يتحول اللقاء بين فرقتين إلى مباراة شعرية حقيقية، لا يكفي فيها أن يكون الصوت جميلًا، بل يُشترط سرعة البديهة، والقدرة على الرد، وذاكرة تحفظ، ولسان يصوغ الفكرة في لحظتها. مدرسة شعرية قائمة بذاتها، دون سبورة ولا كراس، وكان لها جمهور يعرف كيف يُنصت.
اليوم تغيّر كل شيء. الهاتف في جيب الجميع، وبإمكان أي أحد أن يصوّر دقائق من أحيدوس وينشرها خلال ثوانٍ. والمفارقة أن زمن التسجيل قد يكون، في الوقت نفسه، زمن النسيان. نصوّر كثيرًا لكننا نوثّق قليلًا. نحتفظ بمقاطع من العروض دون أن نسأل عن اسم الشاعر، ولا عن معنى ما قال، ولا عن المناسبة، ولا عن القصائد الأخرى التي يحفظها، ولا عن الكلمات التي سقطت من الاستعمال اليومي.
ولهذا فإن حماية أحيدوس بني وراين أكبر بكثير من مجرد تنظيم مهرجان. المهرجان مهم، والفرقة مهمة، والزي والإيقاع مهمان، لكن الأهم هو المتن الشعري الذي يمنح هذا الفن روحه.
أعتقد أن الوقت حان لتتحول العناية بأحيدوس من الاحتفاء به وهو يصعد إلى المنصة، إلى الاشتغال عليه وهو ينزل منها. لماذا لا يكون هناك مشروع وطني أو جهوي لجمع أشعار أحيدوس بني وراين من أفواه كبار السن والشعراء والمهتمين؟ لماذا لا تُسجَّل جلسات طويلة مع الشيوخ الذين لا يزالون يحفظون النصوص؟ لماذا لا تُفرَّغ هذه التسجيلات وتُكتب بالأمازيغية، وتُترجم إلى العربية، مع توثيق أسماء أصحابها ومناطقهم والمناسبات التي قيلت فيها؟ ولماذا لا تُنشأ خزانة رقمية تحفظ هذه المادة وتفتحها أمام الباحثين والأجيال الجديدة؟
لا أظن أن الأمر يحتاج مشروعًا مستحيلًا. في قرى بني وراين ما زال هناك من يعرف، وما زالت هناك ذاكرة بشرية تمشي بيننا. لكن الوقت ليس في صالحنا. هناك رجال ونساء يحملون في ذاكرتهم ما لا وجود له في أي كتاب، وإذا انتظرنا حتى يرحلوا جميعًا، سنكتشف متأخرين أننا كنا نملك أرشيفًا ثقافيًا حيًا ولم نفكر يومًا في فتحه.
الحفاظ على هذا الموروث لا يعني تجميده. التراث الذي لا يتغير يموت هو الآخر. لسنا بحاجة لإعادة أحيدوس إلى الماضي، ولا لمنع الشعراء الشباب من قول ما يريدون. المطلوب أن نصل الماضي بالحاضر، أن يعرف الشاب الورايني من كان شعراء الأمس ويتعلم منهم قبل أن يضيف إليهم، وأن تصبح المجاوبة الشعرية فضاءً يتعلم فيه الارتجال والإيقاع وحفظ الشعر والاشتغال على اللغة، لا مجرد حفظ خطوات الرقص.
وقد تلعب المدارس والجمعيات الثقافية ودور الشباب دورًا كبيرًا هنا. تخيّلوا ورشة صغيرة في إحدى مناطق بني وراين، يجلس فيها شيخ من شيوخ الشعر أمام مجموعة من الشباب، يلقي عليهم أبياتًا قديمة، يشرح معانيها، ثم يطلب منهم أن يجيبوا عنها. عندها لا يعود التراث معروضًا في متحف، بل يصبح ممارسة حية. وهذا هو الفرق بين أن نحفظ التراث وأن نحافظ عليه: الحفظ يعني أن نضعه في صندوق، أما الحفاظ الحقيقي فيعني أن نترك له القدرة على التنفس.
ومن المؤسف أننا نكتفي أحيانًا بالنظر إلى الثقافة الشعبية من زاوية الفرجة فقط. نرتدي الزي، نضرب البندير، نلتقط الصور وننشرها، ثم نعود إلى بيوتنا، بينما هناك على الجهة الأخرى من المشهد شاعر مسن يحمل في ذاكرته عشرات القصائد التي لا يعرفها أحد. وقد تكون إحدى تلك القصائد وثيقة اجتماعية أهم من عشرات التقارير المكتوبة عن المنطقة، لأن المؤرخ يكتب ما حدث من زاوية معينة، بينما الشاعر الشعبي يحفظ كيف شعر الناس بما حدث. وهذه نقطة لا ينبغي الاستهانة بها.
في شعر أحيدوس نعثر على تفاصيل الحياة اليومية، على صورة المرأة والرجل، على نظرة المجتمع للحب والزواج، على علاقة الإنسان بالأرض، على أثر الهجرة والفقر والتحولات الاجتماعية، وعلى أمثال وتعابير قد تختفي من اللغة مع الزمن. جمع هذا الشعر إذن ليس عملًا فنيًا فقط، بل عمل في الذاكرة الاجتماعية واللغوية أيضًا. وقد أشارت كتابات سابقة حول أحيدوس إلى أن موضوعاته تمتد من المحلي المستمد من الواقع والطبيعة إلى الوطني والعالمي والغزل، وأن بعض أشكاله يقوم على المبارزة الشعرية بين الفرق.
من هنا أتوجه بسؤال بسيط إلى وزارة الشباب والثقافة والتواصل، وإلى المؤسسات الثقافية والجامعات والجماعات الترابية والجمعيات المهتمة بالثقافة الأمازيغية: هل نستطيع أن ننتقل من مرحلة الاحتفاء بأحيدوس إلى مرحلة إنقاذ ذاكرته الشعرية؟ نحتاج مشروعًا خاصًا بأحيدوس بني وراين، يجمع ما تبقى من شعره الشفهي، ويسجل أصوات شيوخه، ويوثق أسماءهم وقصائدهم، ويحفظ اختلافات النطق والتعبير، ويؤرشف المناسبات التي قيلت فيها، ويتيحها للباحثين والشباب. والبداية قد تكون أبسط مما نتخيل: فريق صغير من المهتمين، جهاز تسجيل جيد، كاميرا، دفتر ملاحظات، وأشخاص يعرفون أهل المنطقة وشعراءها. والعمل العلمي يأتي بعد ذلك.
أثبتت التظاهرات المنظمة في إقليم تازة أن أحيدوس أيت وراين لا يزال حاضرًا وقادرًا على جذب الجمهور، وواصلت فرقه حضورها في المهرجانات الوطنية الخاصة بهذا الفن. لكن استمرار العرض لا يعني بالضرورة استمرار الذاكرة. قد تبقى الرقصة وتختفي القصيدة. قد يبقى البندير ويضيع اسم الشاعر. قد تبقى الصورة ويموت الكلام الذي كانت الصورة تحاول أصلًا أن تحفظه. وأخطر ما يهدد التراث ليس دائمًا منع الناس من ممارسته، بل أن يمارسوه دون أن يعرفوا ماذا فقدوا منه بالفعل.
أحيدوس بني وراين يستحق أن يُسمع لا أن يُرى فقط. تُحفظ حركته، نعم، لكن تُحفظ كلماته أيضًا، لأن الحركة يتعلمها الجسد، أما القصيدة فتسكن الذاكرة، وإذا لم تجد من يحملها بعد أصحابها فإنها ترحل معهم. وربما أفضل هدية نقدمها لأحيدوس اليوم ليست منصة جديدة ولا مهرجانًا جديدًا، بل ذاكرة لا تضيع.
في النهاية، حين يهدأ صوت البندير وتنفض الفرق صفوفها ويعود الجمهور إلى بيوته، ماذا سيبقى؟ ستبقى القصيدة إن كتبناها. وسيظل الصوت حاضرًا إن سجلناه. وسيظل اسم الشاعر حيًا إن وثقناه. أما إن تركنا كل ذلك للزمن، فقد يأتي يوم نبحث فيه عن شعر بني وراين، فنجد صورًا كثيرة لأحيدوس، ونكتشف أننا نسينا أن نسجّل ما كان يُقال.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.