مسار ومراحل الدفع نحو تصنيف البوليساريو: تفصيل تشريعي واستراتيجي
يمثل الحراك التشريعي الحالي في الكونغرس الأمريكي نقلة نوعية في التعاطي مع ملف “البوليساريو”، حيث انتقل من مجرد مواقف فردية أو بيانات صحفية إلى مسار تشريعي ممنهج ومتصاعد يمتد عبر الغرفتين (النواب والشيوخ)، ويتقاطع فيه الحزبان (الجمهوري والديمقراطي)، ويحظى بدعم لجان مؤثرة في الأمن القومي والشؤون الخارجية. وفي محاولة لتفكيك ملامح هذا المسار التشريعي بناءً على المعطيات المتاحة، يمكن رصد المحطات الرئيسية التالية:
أولاً: المسار في مجلس النواب
يُعد مجلس النواب الأمريكي الغرفة الأكثر تمثيلاً للشعب الأمريكي، وتتمتع مشاريع القوانين المقدمة فيه بقدرة عالية على خلق ضغط شعبي وإعلامي، خاصة عندما تحظى بتوقيع كتل برلمانية واسعة.
1. نقطة الانطلاق
في يونيو من سنة 2025، شهد مجلس النواب الأمريكي تقديم مشروع القانون رقم (HR 4119)، الذي جاء بتوقيع مشترك من النائبين جو ويلسون، النائب الجمهوري المخضرم عن ولاية كارولينا الجنوبية والعضو السابق في لجنة القوات المسلحة، وجيمي بانيتا، النائب الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا ونجل وزير الدفاع الأمريكي السابق ليون بانيتا. وقد أضفى هذا التوقيع الثنائي على المشروع ثقلًا خاصًا؛ فويلسون يُعرف بمواقفه الحازمة تجاه قضايا الأمن القومي وملفات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بينما يمنح بانيتا، بفضل إرثه العائلي في ملفات الدفاع والاستخبارات، مما منح المشروع مصداقية إضافية في أوساط الحزب الديمقراطي.
وقد مثّل تقديم هذا المشروع نقطة تحول مفصلية في التعاطي التشريعي مع ملف “البوليساريو” داخل الكونغرس؛ إذ كسر حاجز الجمود الذي كان يحيط بهذا الملف لسنوات، وأسس لمرحلة جديدة من النقاش المؤسسي حول تصنيف الجبهة. فالطابع الثنائي الحزبي للتوقيع (جمهوري–ديمقراطي) منح المشروع شرعية فورية، وحرم “البوليساريو” من أي إمكانية للتذرع بـ “الانحياز الحزبي” أو تسييس الملف داخليًا. كما أن التوسع التدريجي في قاعدة المؤيدين للمشروع خلق أرضية خصبة وزخمًا متصاعدًا، مهد الطريق لمبادرات تشريعية لاحقة أكثر اتساعًا وتأثيرًا.
2. التصعيد النوعي
في خطوة تعكس تصعيدًا نوعيًا في المسار التشريعي ضد جبهة “البوليساريو”، تقدّم النائبان روني جاكسون؛ الجمهوري عن ولاية تكساس وطبيب رؤساء أمريكيين سابقين، وجوش جوتهايمر؛ الديمقراطي عن ولاية نيوجيرسي، بمشروع قانون جديد يدعو إلى تصنيف الجبهة منظمة إرهابية أجنبية. ويُضفي هذا الثنائي على المشروع طابعًا متكاملًا؛ فجاكسون، بصفته عضوًا نشيطًا في لجنة القوات المسلحة وصاحب خطاب حازم ضد التنظيمات الإرهابية، يمنح المبادرة زخمًا سياسيًا وأمنيًا واضحًا، بينما يضيف جوتهايمر، بصفته عضوًا في لجنة الخدمات المالية ومتخصصًا في قضايا تمويل الإرهاب والعقوبات الاقتصادية، بُعدًا تقنيًا دقيقًا يتعلق بآليات الخنق المالي وتجفيف منابع الدعم.
لم يلبث المشروع أن استقطب كتلة داعمة وازنة من الحزبين، تمثل تيارات مختلفة داخل الكونغرس، مما يعكس اتساع رقعة الإجماع حول الملف. فقد التحقت بالمشروع النائبة الجمهورية كلوديا تيني عن ولاية نيويورك، مما يمنحه بعدًا جغرافيًا مُهمًا لكونها تمثل ولاية محورية ذات ثقل انتخابي وسياسي. كما انضم إليه النائب الديمقراطي غريغ لاندسمان عن ولاية أوهايو؛ المعروف بتركيزه على قضايا الأمن الداخلي، إلى جانب النائب الجمهوري دون بيكون عن ولاية نبراسكا؛ الجنرال المتقاعد في القوات الجوية الذي يُضفي على المشروع مصداقية عسكرية وأمنية مستمدة من خبرته الميدانية الطويلة.
امتدت قائمة الداعمين لتشمل النائب الديمقراطي جاريد موسكوفيتز عن ولاية فلوريدا، عضو لجنة الأمن الداخلي والمتخصص في مكافحة التطرف، مما يعزز البعد الأمني المتخصص للمشروع، إضافة إلى النائب الجمهوري برايان فيتزباتريك عن ولاية بنسلفانيا، العميل السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي، الذي يمنح المبادرة ثقلًا قانونيًا واستخباراتيًا إضافيًا. هذا التنوع في الخلفيات المهنية والسياسية والجغرافية للنواب الداعمين يُحوّل المشروع من مجرد مبادرة فردية إلى حركة تشريعية عابرة للتيارات، يصعب تجاهلها أو التقليل من شأنها في أروقة صنع القرار الأمريكي.
3. الاتساع النوعي للتحالف
تكمن الدلالة الاستراتيجية لهذا المشروع في “الاتساع النوعي” لقاعدة داعميه؛ فلم يعد الأمر مقتصرًا على نواب من لجنة تشريعية بعينها، بل تحوّل إلى تحالف عابر للتخصصات يجمع بين خبراء في الأمن القومي، ومتخصصين في تمويل الإرهاب، وعسكريين سابقين، وعملاء استخبارات. وهذا التنوع يمنح المشروع قوة ثلاثية الأبعاد: فمن جهة، يُضفي عليه شراسة في النقاش، إذ يستطيع كل نائب الدفاع عنه من زاوية تخصصه الدقيق؛ ومن جهة أخرى، يخلق عقبات حقيقية أمام أي محاولة لرفضه، لأنه من الصعب على الإدارة الأمريكية تجاهل مشروع مدعوم من خبراء في التمويل الإرهابي والأمن الداخلي؛ وأخيرًا، يوجه رسالة واضحة إلى “البوليساريو” مفادها أن المعركة معه لم تعد سياسية أو دبلوماسية فحسب، بل انتقلت إلى المستوى الأمني والقانوني والمالي، وهو ما يُصعّب عليه أي هامش للمناورة أو التملص من التصنيف المرتقب.
ثانياً: المسار في مجلس الشيوخ
يمتلك مجلس الشيوخ صلاحيات أوسع في الشؤون الخارجية والتصديق على المعاهدات، وتتمتع مشاريع القوانين المقدمة فيه بثِقل مؤسسي أكبر، خاصة عندما يقودها “صقور” معروفون بتأثيرهم على سياسة الأمن القومي.
المشروع التشريعي:
في مارس من سنة 2026، انتقلت المعركة التشريعية ضد جبهة “البوليساريو” إلى مجلس الشيوخ- الغرفة العليا للكونغرس الأمريكي- عبر مشروع قانون قدّمه السيناتور تيد كروز، الجمهوري عن ولاية تكساس، الذي يُعدّ من أكثر الأعضاء نفوذًا وتأثيرًا في المؤسسة التشريعية الأمريكية. ويكتسب تقديم كروز لهذا المشروع زخمًا استثنائيًا بالنظر إلى ثقله السياسي والإعلامي؛ فهو عضو مؤثر في لجنة العلاقات الخارجية، ويُعرف بمواقفه المتشددة تجاه إيران والتنظيمات التي تصنفها واشنطن إرهابية، مما يمنح المبادرة مصداقية عالية في دوائر صنع القرار.
ولم يأتِ المشروع منفردًا، بل حظي بدعم سيناتورين بارزين من العيار الثقيل، هما توم كوتون، الجمهوري عن ولاية أركنساس، وريك سكوت، الجمهوري عن ولاية فلوريدا. ويُضفي كوتون على المشروع بُعدًا استخباراتيًا وعسكريًا فريدًا؛ فهو ضابط استخبارات سابق في الجيش الأمريكي، وعضو في لجنتي القوات المسلحة والاستخبارات، ويُصنَّف ضمن أكثر الأصوات تشددًا في ملفات الأمن القومي ومكافحة الإرهاب، مما يمنح المبادرة شرعية أمنية مستمدة من خبرة ميدانية مباشرة. أما سكوت، الحاكم السابق لولاية فلوريدا وعضو لجنة التجارة والعلوم والنقل، فيضيف بُعدًا جيوستراتيجيًا مهمًا، إذ تُعرف فلوريدا تاريخيًا بأنها البوابة الأمريكية نحو أمريكا اللاتينية، كما يُعرف سكوت بمواقفه الحازمة تجاه الجماعات التي تصنفها الولايات المتحدة إرهابية في كل من أمريكا اللاتينية وإفريقيا، مما يربط ملف “البوليساريو” بالتحولات الأوسع في نصف الكرة الغربي والقارة السمراء على حد سواء.
هذا الثلاثي التشريعي، الذي يجمع بين النفوذ السياسي العميق والخبرة الاستخباراتية والبُعد الجيوستراتيجي، يُحوّل مشروع القانون من مجرد مبادرة فردية إلى تحرك مؤسسي عابر للتأثيرات، يصعب تجاوزه أو احتواؤه في أروقة الكونغرس.
الدلالة الاستراتيجية:
تتجلى الدلالة الاستراتيجية لهذا التصعيد في أن انتقال المعركة إلى أروقة مجلس الشيوخ يمثل “نقطة اللاعودة” في هذا المسار التشريعي، وذلك لجملة من الأسباب الجوهرية:
1. ثقل الفاعلين: كروز وكوتون وسكوت ليسوا نواباً عاديين، بل هم “مهندسو سياسة الأمن القومي” في الحزب الجمهوري. أي مشروع يحظى بدعمهم يصبح تلقائياً على أجندة النقاش الجدي.
2. الروابط المؤسسية: كوتون عضو في لجنة الاستخبارات، مما يمنحه وصولاً مباشراً للمعلومات الأمنية حول أنشطة “البوليساريو” وعلاقتها بشبكات التهريب والجماعات المتطرفة في الساحل. هذا يسمح له بتقديم “أدلة استخباراتية” تدعم المشروع.
3. البعد الإقليمي: ريك سكوت يمثل فلوريدا، وهي بوابة أمريكا اللاتينية، وله علاقات وثيقة مع دول مثل كولومبيا التي غيرت موقفها مؤخراً. هذا يمنح المشروع بعداً إقليمياً يربط بين ملف الصحراء وتحولات القارة اللاتينية.
4. التكامل بين الغرفتين: تزامن التحرك في مجلسي النواب والشيوخ يخلق “كماشة تشريعية” تضيق الخناق على “البوليساريو”. فحتى لو فشل مشروع في إحدى الغرفتين، يمكن أن ينجح في الأخرى، أو يمكن دمجهما في مشروع موحد.
ثالثاً: التكامل الاستراتيجي بين المشاريع
ما يميز هذا المسار التشريعي، في جوهره، هو التكامل الوظيفي والدقيق بين المشاريع المختلفة، التي لا تُقرأ بمعزل عن بعضها البعض، بل كحلقات متصلة في سلسلة تصعيدية واحدة. فقد بدأ هذا المسار بمشروع القانون (HR 4119) في مجلس النواب، الذي شكّل حجر الأساس وكسر حاجز الجمود التشريعي الذي كان يحيط بالملف لسنوات. ثم تصاعد الزخم مع تقديم المشروع الأحدث في المجلس نفسه سنة 2026، والذي تميز بالاتساع النوعي والتحاق كتلة برلمانية وازنة من الحزبين به، مما منحه عمقًا مؤسسيًا أوسع. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل انتقلت المعركة إلى مجلس الشيوخ في مارس 2026 عبر مشروع السيناتور تيد كروز، الذي أدخل الملف في دائرة التصعيد المؤسسي الرفيع، مستندًا إلى دعم صقور الأمن القومي في الغرفة العليا.
ويشتغل هذا المسار المتكامل عبر آليات ثلاث متداخلة؛ فمن جهة أولى، يتحقق ضغط متبادل بين الغرفتين، حيث تخلق مشاريع مجلس النواب ضغطًا شعبيًا وإعلاميًا واسعًا، بينما تضفي مشاريع مجلس الشيوخ طابعًا مؤسسيًا ودبلوماسيًا رفيعًا يصعب تجاوزه. ومن جهة ثانية، ينشأ تنافس إيجابي بين الغرفتين، إذ تسعى كل منهما إلى إثبات جديتها وفاعليتها في معالجة الملف، مما يسرّع من وتيرة النقاشات ويمنع ركود المشروع في اللجان. ومن جهة ثالثة، تتحقق تغطية شاملة لأبعاد الملف، فبينما تركز مشاريع “النواب” على الجانب المالي المتعلق بتمويل الإرهاب وآليات العقوبات الاقتصادية، تنصبّ مشاريع “الشيوخ” على البعد الأمني والاستخباراتي المتصل بعلاقات الجبهة بالجماعات المتطرفة، مما يجعل الحصار التشريعي على “البوليساريو” متكاملًا من جميع الزوايا، ماليًا وأمنيًا وسياسيًا في آن واحد.
رابعاً: السياق الجيوسياسي المساعد
لا يمكن فهم هذا المسار التشريعي بمعزل عن التحولات الجيوسياسية الأوسع:
1. التحولات في أمريكا اللاتينية: اعتراف كولومبيا والإكوادور وبنما وهندوراس بمغربية الصحراء أفقد “البوليساريو” الغطاء اللاتيني الذي كان يعتمد عليه في واشنطن.
2. التصعيد في الساحل: تزايد نشاط الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل، والتقارير التي تربط “البوليساريو” بشبكات التهريب، جعلت الملف أكثر إلحاحاً من منظور الأمن القومي الأمريكي.
3. المنافسة مع الصين وروسيا: تسعى واشنطن لتعزيز نفوذها في شمال إفريقيا، ودعم المغرب (الحليف الاستراتيجي) يُعد جزءاً من هذه الاستراتيجية.
خامساً: العقبات والتحديات المحتملة
ورغم هذا الزخم التشريعي غير المسبوق، فإن مسار التصنيف لا يخلو من عقبات جوهرية قد تعترض طريقه نحو التطبيق الفعلي. تتمثل أولى هذه التحديات في الفاصل الدستوري بين السلطتين، حيث تبقى صلاحية الإدراج الرسمي على قوائم المنظمات الإرهابية الأجنبية بيد السلطة التنفيذية، وتحديداً وزارة الخارجية. وقد تتحفظ الإدارة الأمريكية أو تتردد في حسم هذا الملف، خشية التداعيات الدبلوماسية وتأثيره على علاقاتها الاستراتيجية المعقدة مع الجزائر.
ولا ينفصل هذا التردد المحتمل عن الحراك المضاد الذي تقوده الجزائر في أروقة واشنطن؛ حيث تواصل ضخ ملايين الدولارات لشركات اللوبي والعلاقات العامة، في محاولة مستميتة لامتصاص هذا الزخم التشريعي ومقاومة أي تحرك قد يطالها أو يطال حلفاءها من جبهة “البوليساريو”.
وإلى جانب هذا الصراع الخفي، يبرز تحدٍ إجرائي وواقعي يتعلق بازدحام أجندة الكونغرس؛ إذ قد تطغى الأزمات الدولية الملحة والملفات ذات الأولوية القصوى في السياسة الخارجية الأمريكية- مثل تداعيات الحرب في أوكرانيا، والأحداث المتسارعة في غزة، والتنافس الاستراتيجي المحتدم مع الصين- على اهتمامات المشرعين، مما قد يؤدي إلى تأجيل طرح هذه المشاريع للتصويت النهائي أو إبطاء وتيرة مرورها في اللجان المختصة.
لكن الضغط التشريعي المتصاعد، خاصة من صقور مثل كروز وكوتون، يضيق هامش المناورة أمام الإدارة الأمريكية، ويجعل من تأجيل التصنيف مسألة وقت فقط.
وبناء على ما سبق، فإن المسار التشريعي لتصنيف “البوليساريو” لم يعد مجرد “مبادرات فردية”، بل أصبح “حركة مؤسسية منظمة” تمتد عبر الغرفتين، وتحظى بدعم من الحزبين، وتستند إلى أدلة أمنية وقانونية. هذا المسار يتجه نحو “الختام الحتمي”، حيث سيتم تصنيف “البوليساريو” منظمة إرهابية، سواء عبر قانون ملزم أو قرار تنفيذي، مما سيُعجل بنهايتها الوظيفية ويكرس سيادة المغرب على صحرائه كخيار وحيد وواقعي.
هناك شبه إجماع على أن الخطة المغربية للحكم الذاتي تحظى بالفعل بدعم واسع ومتزايد من الإدارة الأمريكية والعديد من القوى الدولية كمبادرة جادة وذات مصداقية ولكن هذا التوجه يختلف كليا عن مسألة تصنيف جبهة البوليساريو منظمة ارهابية أجنبية ، فعندما يصور انضمام او دعم نائب جديد لهذا التوجه على أنه نصر كبير ، يرى المتابع أنها مجرد مبالغة إعلامية تصلح فقط للاستهلاك المحلي . لأن تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية سوف يجعل كل قادة الصف الاول مطلوبون للعدالة وهذا شبه مستحيل ولايمكن تنزيله إلا في حال اعتمدت خطة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية من قبل الأمم المتحدة .