مستقبل مضطرب...

مستقبل مضطرب...
الإثنين 31 مارس 2025 - 23:56

تتزايد التحولات الكبيرة في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، فبعدما كان النظام الإيراني الحليف التاريخي للنظام السوري البائد، اصبح في وضع جيوسياسي معقد، يتجلى في ضرورة التكيف مع مستقبلٍ إقليميٍّ غير مستقر، فرضه انهيار نفوذ وكلائها، إضافةً إلى ما تعانيه من ضغوطٍ داخليةٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ.

فالموقف الإيراني من الأزمة السورية يتسم بالتعقيد والتشابك. فتلك الدولة، التي اعتمدت على سياسة “الأذرع والوكلاء” في المنطقة أصبحت تواجه اليوم تحديات جسيمة تهدد بتقويض نفوذها المتجذر في المنطقة. كما أن الضغط الغربي المتزايد (خصوصا من الإدارة الأمريكية الجديدة)، والمدعوم بتحركات إقليمية منسقة، لانتزاع سوريا من النفوذ الإيراني، التحدي الأكثر حساسية الذي يواجه إيران في الوقت الراهن.

سوريا في المدرك الاستراتيجي الإيراني

تكتسب سوريا أهميتها من كونها كانت الطريق اللوجستي الرئيسي لإمدادات إيران إلى “حزب الله”، بالإضافة إلى كونها الحليف العربي الوحيد لإيران منذ الحرب العراقية – الإيرانية. كما أنها كانت تمثل منفذاً لطهران على البحر المتوسط، وبالتالي فإن أي تراجع في الوضع السوري سيؤثر سلباً على قدرة إيران في إعادة تسليح “حزب الله” الذي كان يعتمد على تدفق الأسلحة عبر الأراضي السورية.

وترجع جذور الاحتضان الإيراني للنظام السوري إلى عام 2012، عندما تعهدت إيران لأول مرة بدعم نظام الأسد. في ذلك الوقت، قام اللواء قاسم سليماني، القائد السابق لفيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، بعدد من الزيارات إلى سوريا لتقييم استقرار نظام الأسد. وقد أظهرت التقارير أن هذه الزيارات أثارت مخاوفه بشأن قدرة النظام على مواجهة الثورة وضغوط المتمردين. كما سافر سليماني إلى لبنان حيث التقى بالأمين العام السابق لحزب الله، حسن نصر الله، لتعزيز دفاعات الأسد.

يعتقد البعض أن إيران هي الخاسر الأكبر من انهيار النظام، على الرغم من أنها دعمت الأسد في محاربته للمتمردين لسنوات وساهمت بشكل كبير في تحقيق انتصاراته. هذا الدعم أتاح لطهران تعزيز وجودها العسكري في سوريا، كما كان فرصة مناسبة لها للتقرب من حدود إسرائيل وتزويد حزب الله، الذي يتبعها ويستهدف إسرائيل أيضاً، بالأسلحة. ومع ذلك، شهدت الأيام الأخيرة انسحاب كل من إيران وحزب الله من سوريا.

وتعتبر العديد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، حزب الله أو جناحه العسكري منظمة إرهابية. كما قامت ألمانيا بحظر نشاط الحزب على أراضيها في عام 2020 واعتبرته منظمة إرهابية.

وتعتبر دول عديدة حزب الله، أو جناحه العسكري، منظمة إرهابية من بينها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا ودول أخرى. كما حظرت ألمانيا نشاط الحزب على أراضيها في عام 2020 وصنفته كمنظمة إرهابية.

أدوات التغلغل الإيراني في الداخل السوري

عملت إيران على تعزيز وجودها السياسي من خلال إنشاء شبكات تأثير في الحكومة السورية، وتقديم الدعم الاقتصادي والاجتماعي لبعض المجتمعات المحلية، بهدف خلق قاعدة شعبية موالية لها.

ومنذ عام 2012، أدخل “الحرس الثوري” الإيراني العديد من الميليشيات إلى الأراضي السورية، حيث تغلغلت إيران في الهياكل العسكرية في سوريا، مثل قوات الدفاع الوطني التي أنشأتها في 2013، و ساعدت في تنظيمها وتسليحها. كما نسجت علاقات وثيقة مع الجيش السوري، خاصة الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري، حيث حصلت على تدريب ودعم مالي ولوجستي، مما عزز ولاء هذه القوات للأسد.

وقد قدم خامنئي كلمة نشرها موقعه الرسمي يوم الأحد 11 ديسمبر 2024، تفسيراً لدور القوات الإيرانية في سوريا، بعد سقوط الأسد، موضحا أنه يتمثل في تقديم الاستشارات، مثل تشكيل غرف عمليات مركزية، وتحديد الاستراتيجيات والتكتيكات، والمشاركة في ميادين المعركة عند الضرورة، والأهم من ذلك هو تعبئة الشباب من تلك المناطق. وأضاف أن وجودنا في سوريا والعراق لم يكن من خلال إرسال وحدات من الجيش أو الحرس الثوري للقتال بدلاً من جيوشهم، لأن ذلك ليس منطقياً ولا يتقبله الرأي العام.

وبعد أن حققت طهران بالتعاون مع موسكو هدفها في تثبيت الأسد في الحكم، بدأت بالتوسع في مجالات اقتصادية واجتماعية. كما أصبحت لها مكانة بارزة في المشهد السياسي للبلاد، حيث كان المسؤولون الإيرانيون يشاركون في الاجتماعات المتعلقة بالتنسيق مع القوى الفاعلة الأخرى، ويقومون بإجراء المحادثات كـ”طرف ضامن”، كما تؤكد مسارات “أستانة”. عسكريا، توجد مناطق شاسعة تحتوي على مراكز نفوذ هامة لقوات فيلق القدس الإيراني وحزب الله، بالإضافة إلى مستودعات للأسلحة ومصانع دفاعية كانت تمثل مخزونًا استراتيجيًا لحزب الله في لبنان، خصوصًا تلك الموجودة في منطقة السفيرة بريف حلب، وفي بلدتي نبل والزهراء الشيعيتين. وأعربت الخبيرة عن اعتقادها بأن “حزب الله، استنادًا إلى معطيات الميدان، فقد الأمل في إعادة التسلح من مستودعات نظام الأسد، نظرًا لزيادة احتياجات دمشق لهذه الذخائر والأسلحة.

إيران ومحور المقاومة بعد سقوط الأسد

لاتزال إيران تنظر إلى سوريا كعنصر حيوي في استراتيجيتها الإقليمية، حيث يتجاوز دورها الدعم العسكري إلى أهداف سياسية واستراتيجية أعمق تسعى من خلالها إلى تحقيق الهيمنة الإقليمية وتثبيت وجودها في الشرق الأوسط.

كان أحد المكونات الرئيسية لاستراتيجية إيران في جوارها هو تنمية “محور المقاومة”، وهو شبكة فضفاضة من الميليشيات الإقليمية ذات الهياكل التنظيمية المنفصلة، والمصالح المتداخلة، والعلاقات مع المؤسسات الأمنية والدينية الإيرانية.

وقد كان الأسد بالنسبة للنظام في طهران أكثر من مجرد شريك، حيث كان يمثل الأساس في “محور المقاومة” الذي تقوده إيران عبر وكلائها في مواجهة ما تسميه قوى الغطرسة والاستكبار.

إيران من الدول القليلة التي حققت مكاسب كبيرة من الحرب بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية دون أن تدفع ثمناً مباشراً، فالحركات الشيعية الموالية لها هي التي تخوض حروباً صغيرة بالوكالة ضد أمريكا نيابة عنها وهي التي تتلقى الردود الأمريكية الانتقامية المحدودة حتى الآن.

لقد سعت إيران إلى إنشاء ممر بري يمتد من طهران إلى البحر المتوسط عبر العراق وسوريا ولبنان، مما يمنحها عمقًا استراتيجيًا كبيرًا وإمكانية الوصول إلى الموانئ البحرية. فالتطورات الحاصلة في الأراضي السورية تشير إلى أنها تثير القلق في طهران، وتعرض مشروعها التوسعي في المنطقة للخطر. وفي حالة اختيار النظام في إيران، اللعب على أوتار هذا الخيار، فسيكون على إدارة ترامب ممارسة أقصى الضغوط لمنعها.

الاستعداد للمواجهة المباشرة مع الخصوم الإقليميين والدوليين

شكلت سوريا بالنسبة لإيران منصة متقدمة لردع إسرائيل من خلال تمركز قواتها وميليشياتها على الحدود السورية-الإسرائيلية، مما يشكل تهديدًا مباشرًا لتل أبيب.

من الغريب أن العدو الرئيسي لإيران، وهو إسرائيل، لديه أيضاً أسباب تدعوه للقلق بشأن تطورات الأحداث في سوريا. لن تستمر فرحة إسرائيل بإنهاء الوجود الإيراني في بلاد الشام طويلاً، نظراً للتحديات التي تواجهها في ظل النفوذ التركي المتزايد هناك. من المحتمل أن ترفض الحكومة الجديدة، التي تقودها الهيئة، بعد أن تثبت سلطتها في سوريا، الاعتراف بضم إسرائيل لمرتفعات الجولان، ومن المرجح أيضاً ألا تبقى محايدة تجاه معاناة الفلسطينيين. في الواقع، الروابط بين العرب السنّة والفلسطينيين أكثر عمقاً من الروابط بين إيران وحزب الله، وقد يكمن الخطر على حدود إسرائيل حالياً في النظام السياسي الجديد في دمشق، المدعوم من تركيا.

تحول الحلم الإيراني بشن هجوم مباشر على إسرائيل إلى كابوس يواجه النظام، حيث أصبح أمام احتمال ردود فعل أكثر عنفًا واتساعًا من تل أبيب. تشير الدلائل إلى أن إسرائيل، مستفيدة من الوضع الراهن وعودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تسعى لتوسيع نطاق عملياتها لتشمل ليس فقط حماس وحزب الله، بل أيضًا قوات الحشد الشعبي في العراق وجماعة الحوثيين في اليمن. بالإضافة إلى ذلك، تزداد احتمالية استهداف إدارة ترامب للبرنامج النووي الإيراني بشكل مباشر. كما أن النفوذ الاستخباراتي الإسرائيلي داخل الهياكل الأمنية الإيرانية يثير قلقًا كبيرًا، مما يجعل النظام يخشى من عمليات اغتيال قد تستهدف مسؤولين بارزين، وربما حتى المرشد علي خامنئي نفسه.

نحو تشكيل معادلة سياسية إقليمية جديدة

سقوط بشار الأسد في سوريا يُعتبر حدثًا محوريًا بالنسبة لإيران، حيث أن هذا التطور سيؤثر بشكل كبير على استراتيجياتها ونفوذها في المنطقة. ويبدو أن انسحاب إيران الكامل من سوريا جاء نتيجة لتفاهمات إقليمية ودولية، حيث اختارت طهران هذا الخيار بسبب الظروف الصعبة التي كانت تواجهها على الصعيدين الإقليمي والمحلي. السؤال الذي يطرح نفسه الآن بعد التغيرات الكبيرة التي حدثت في الأيام الأخيرة، والضربة القوية لمشروع الوجود الإيراني في المنطقة، هو: هل ستتخلى طهران عن طموحاتها التوسعية بشكل دائم؟ أم أن هذا الانسحاب هو مجرد خطوة إلى الوراء في إطار الترتيبات الإقليمية والدولية التي أدت إلى الانهيار السريع لنظام الأسد؟

كان سقوط الأسد جزءاً من “إجراءاتها لحماية محور المقاومة من الانهيار التام”، حيث أوضحت أنه منذ بداية عام 2024، أدركت كل من روسيا وإيران أن نظام الأسد أصبح عبئاً عليهما، وأنه بدأ يتجه نحو مسار مستقل يتعارض بشكل متزايد مع الأهداف الإقليمية لطهران بشكل خاص.

وهذا ما جعل إيران، التي تدخلت سابقاً في سوريا لإنقاذ محور المقاومة، ترى أنه من الضروري اتخاذ خطوة معاكسة تماماً لهذا الهدف.

يتعين على إيران إعادة تقييم سياساتها الحالية، وذلك من أجل الحفاظ على مصالحها وأمنها القومي. هذا يعني أنها قد تحتاج إلى تعديل تحالفاتها، وزيادة دعمها لبعض الجماعات أو الأنظمة الأخرى في المنطقة، أو حتى البحث عن طرق جديدة لتعزيز وجودها وتأثيرها في الشرق الأوسط. إن التغيرات السياسية في سوريا قد تؤدي إلى إعادة تشكيل خريطة القوى في المنطقة، مما يستدعي من إيران اتخاذ خطوات استراتيجية جديدة لضمان استمرارية نفوذها.

ومع تزايد الضغوط الداخلية والخارجية، تحتاج إيران إلى اتخاذ خطوات لتعزيز أمنها القومي ومواجهة التهديدات المحتملة من القوى المعادية مثل الولايات المتحدة وإسرائيل. وقد أشار خامنئي إلى أن الأحداث الأخيرة لن تضعف إيران بل ستزيد من قوتها.

وتفاديا لهذه المخاوف والتحديات المستقبلية، قدمت استراتيجيات بديلة، تقوم على تعزيز بعض عناصر محور المقاومة، مثل اليمن أو مناطق أخرى، لضمان استمراريته بطرق مختلفة وتحقيق توازن القوى وفق قواعد جديدة. كما أشارت إلى إمكانية حدوث تصعيد عسكري، محذرة من أن التغييرات في المعدات والأسلحة الإيرانية قد تؤدي إلى تغيير جذري في قواعد اللعبة في المنطقة.

تستهدف إيران من كل هذا أن تكون لاعبًا إقليميًا رئيسيًا مهما كان الثمن، يصعب تجاوزه في أي ترتيبات سياسية في الشرق الأوسط، باستخدام سوريا كمنصة لتعزيز وجودها الاستراتيجي وتوسيع نفوذها العسكري والسياسي.

تحديات ما بعد السقوط…وإشكالية التكيف مع الوضع الجديد:

غالباً ما يُعتبر التفكك والانقسام في صفوف القيادات العليا للأنظمة الاستبدادية من العلامات الأولى على انهيار النظام. فالاستياء الشعبي يزداد اتساعا يومًا بعد يوم من أداء الحكومة التي تبدو عاجزة عن تلبية الاحتياجات الأساسية مثل الكهرباء والغاز والبنزين، نتيجة للتدهور الاقتصادي المستمر، بالإضافة إلى معارضة الشباب والنساء، فضلاً عن التوترات العرقية وغيرها من القضايا بل أحيانًا تبدو وكأنها تتعمد زيادة الضغوط على الشعب. ومن أبرز الأمثلة على ذلك القوانين القسرية مثل فرض الحجاب الإجباري، التي أثارت غضبًا واسعًا. هذه الظروف، بالإضافة إلى قمع الاحتجاجات وعدم الاستجابة لمطالب المواطنين، ساهمت في تعميق الفجوة بين المجتمع والنظام. وفي ظل هذه الأوضاع، تبدو البلاد قريبة من حالة مشابهة لما قبل موجات الاحتجاجات والانتفاضات الشعبية الكبيرة.

تصريحات المسؤولين الإيرانيين، لا توحي بأن إيران راضية عما يجري في سوريا ما بعد الأسد، فقد اعتبر المرشد الإيراني، علي خامنئي، في تعليق له حول الأحداث في سوريا، أن “الثوار أحدثوا فوضى، والآن يظنون أنهم حققوا النصر، وبدأوا في التفاخر بشكل مبالغ فيه”، مشيرا أثناء حديثه عن تراجع نفوذ إيران في المنطقة بعد سقوط نظام بشار الأسد، إلى أنه “يقولون إنكم فقدتم قواتكم الوكيلة، لكننا في الحقيقة لا نملك وكلاء في المنطقة”. وقد كان رد الجامعة العربية شديد اللهجة حول هذه التصريحات العدائية ضد سيادة سوريا. صرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، يوم السبت 14 ديسمبر 2024، أن سوريا تواجه “امتحاناً صعباً”، مشيراً إلى أن الأحداث الأخيرة تمثل “فرصة لاحترام آراء جميع المكونات القومية”، كما أعرب عراقجي عن اعتقاده بأن “الأحداث الأخيرة في سوريا يجب أن لا تؤدي إلى انتهاك السيادة أو الاعتداء على وحدة الأراضي أو الإطاحة بنظام الحكم الوطني في البلاد”.

من ناحية أخرى، أعربت وزارة الخارجية الإيرانية، يوم الجمعة الموافق 07 مارس 2025، عن قلقها إزاء استمرار العنف في سوريا وتداعياته على الاستقرار، حيث أشار وزير الخارجية الإيراني “عباس عراقجي” إلى أن إيران ليست في عجلة من أمرها لتأسيس علاقات سريعة مع دمشق. وأكد أن “استمرار العنف في سوريا قد يُسبب اضطرابات إقليمية”. جاء ذلك على خلفية الاشتباكات المستمرة بين قوات وزارة الدفاع السورية وبقايا نظام الرئيس السابق بشار الأسد.

وتتهم إيران بالضلوع في أعمال العنف بالمنطقة الساحلية في غرب سوريا، وذلك بعد تقارير صحفية ألمحت إلى دور لطهران في الاشتباكات الأعنف في البلاد منذ الإطاحة بحليفها، الرئيس المخلوع بشار الأسد، يتركز البحث حول دور إيران المحتمل في دعم الهجمات التي نفذها مقاتلون علويون في مناطق الساحل السوري، بالتزامن مع انطلاق المرحلة الثانية من العملية العسكرية التي تقودها الوزارة ضد بقايا النظام السابق. ويدعم هذا الافتراض ما أعلنته الإدارة السورية الجديدة، التي أشارت إلى أن الاشتباكات التي استهدفت قواتها ليلة الخميس 06 مارس 2025 كانت “مُعدة مسبقًا” و”منسقة” بدقة، وهو ما دفع إيران يوم الإثنين 10 مارس إلى رفض اتهامها بالضلوع في أعمال العنف في المنطقة الساحلية في غرب سوريا، وذلك في محاولة لنأي بنفسها عن التصعيد، مطالبة الحكومة المؤقتة بتحمل المسؤولية في ضمان أمن جميع المواطنين السوريين، مؤكدة معارضتها بشدة انعدام الأمن والعنف وقتل وإيذاء السوريين الأبرياء من كل جماعة وعشيرة، وترى في ذلك حافزا لعدم الاستقرار الإقليمي”.

لقد استغلت إيران سوريا كمنصة لتنفيذ تهديدات مباشرة وغير مباشرة ضد دول الجوار. لذلك، فإن أي ميل من القيادة السورية، سواء تحت حكم بشار الأسد أو تحت القيادة الجديدة، نحو بناء علاقات سلمية وتصفير المشكلات مع الدول المحيطة، يقوض بشكل كبير استراتيجية إيران الإقليمية، مما يجعلها غير متوافقة مع هذا التغيير.

لذلك فإن موقف القيادة الجديدة في سوريا لازال يحتفظ بالدور السلبي لإيران في سوريا، وهو ما تأكد في مقابلة مع قناة العربية يوم الأحد 29 ديسمبر 2024، وجه أحمد الشرع انتقادات إلى إيران وتدخلها في دول المنطقة (لبنان) ومنها سوريا واصفا إياه بالجرح، مشيرا إلى استئصال مرض الثورة الإيرانية في 11 يوما، آملا في دور إيجابي مستقبلي في سوريا بعيد عن التدخل في الشؤون الداخلية لسوريا واحتراما لسيادة سوريا.

الأكيد أنه من المستبعد، أن يستعيد النظام الإيراني قوته أو يتعاون مع الحكومة الجديدة في سوريا، فإيران لا تستطيع تبني خيارات مرنة كما فعلت روسيا، لأن التواصل مع القيادة السورية الجديدة لا يوفر لها أي مكاسب استراتيجية. بل على العكس، قد يُفسَّر على أنه اعتراف ضمني بالهزيمة، مما قد ينعكس سلبًا على صورتها أمام حلفائها الإقليميين.

ومع ذلك فإن العراق، قد يكون الحصن الأخير لإيران، ولن يكون استبعادها منه مسألة يسيرة، إذ تمتلك طهران نفوذاً أعمق بكثير داخل الحكومة العراقية مقارنة بالولايات المتحدة. فمن منظور أيديولوجي، ترى إيران أن العراق يشكل جزءًا من مفهوم “الجمهورية الإسلامية”، وهو مصطلح متداول في أدبيات النخبة الحاكمة في طهران. ولا تقتصر هذه “الجمهورية الإسلامية” على حدود إيران الجغرافية، بل تمتد لتشمل العراق وسوريا ولبنان، بالإضافة إلى مناطق أخرى في الشرق الأوسط. كما أن النخبة الحاكمة في طهران لا تعترف بالحدود الدولية التقليدية، وتعتبر العراق جزءًا من مشروعها الإقليمي الواسع. هذا التصور يعزز النفوذ الإيراني في العراق، مما يجعله بمثابة “الحديقة الخلفية” لطهران، وهو ما يُضعف من مصداقية المبادرات الدبلوماسية التي تتبناها بغداد.

ورغم أن إيران قد لا تسيطر بشكل مباشر على كافة تفاصيل الحكم في العراق، فإنها تحتفظ بقدرة حاسمة على التأثير في بغداد عند الحاجة، كما يتضح في اختيار رئيس الوزراء، أو عندما تسعى وحدة من الحرس الثوري الإيراني لعبور الأراضي العراقية، أو حين تقرر إيران استخدام الأراضي العراقية لشن هجمات بطائرات مسيرة تستهدف مستشارين عسكريين أمريكيين. وفي مثل هذه الحالات، تنجح إيران في تفادي المساءلة عن تدخلها في الشؤون الداخلية لجارتها.

لا يبدي النظام الجديد في سورية أي للرغبة في التعاون مع طهران، مما يضع الجمهورية الإسلامية أمام معضلة استراتيجية تستدعي إعادة تقييم شاملة لنهجها الإقليمي عبر زعزعة استقرار النظام السوري الجديد، واستغلال نقاط ضعفه الأمنية والسياسية. والمتمثلة في النقص الحاد في الكوادر الأمنية، وغياب الخبرات المتخصصة في مجالات الاستخبارات، والاتصالات، والسيطرة العسكرية.

أخيرا يمكن القول أنه بالرغم من سقوط نظام بشار الأسد، فإن حالة اللايقين الاستراتيجي هي السمة المهيمنة على المشهد السوري الداخلي، بفعل تحول البلاد إلى مسرح لتجاذبات قوى محلية وإقليمية ودولية.

وتبدو إيران “المنهكة” بفعل هذه التحولات في منعطف استراتيجي حرج، نتيجة تأديب الوكلاء المنخرطين في الحرب ضد إسرائيل في المنطقة والذين أصبحوا أقل تأثيرا وفاعلية، ناهيك عن الاحتقان الداخلي، وتزايد الضغوط الخارجية من الجانب الأمريكي.

أمام كل هذا، قد تلجأ طهران إلى تبني استراتيجيات تكتيكية بديلة للتكيف مع المشهد الإقليمي المضطرب، بهدف تخفيف حدة التوترات، والخروج من المأزق الجيوسياسي الذي ورطت نفسها فيه.

-أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، المملكة المغربية

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
رسالة يحيى يحيى لملك إسبانيا
الأحد 20 شتنبر 2026 - 15:05 7

رسالة يحيى يحيى لملك إسبانيا

صوت وصورة
خصم ضريبي لأسر الطبقة المتوسطة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 14:23 2

خصم ضريبي لأسر الطبقة المتوسطة

صوت وصورة
جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:25 6

جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان

صوت وصورة
عكاشة وحماية القدرة الشرائية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:22 1

عكاشة وحماية القدرة الشرائية

صوت وصورة
الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 01:09 3

الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة

صوت وصورة
أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم
الأحد 20 شتنبر 2026 - 00:19 4

أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم