مغاربة الخارج والبحث عن الاعتراف

مغاربة الخارج والبحث عن الاعتراف
الجمعة 20 يوليوز 2012 - 12:45

يحتاج واقع المغاربة بالخارج وأسئلتهم وآمالهم إلى كثير من التأمل والإلحاح في الطرح وإعادة النظر. فقد لا تكفي الزيارات الرسمية التي يقوم بها المسؤولون والصور التي تلتقط لكي نقول بأننا قد استوعبنا طموحات أبناء الجالية المغربية وأسئلتهم المتعددة والمتكررة. فمن خلال الجولان في شوارع أوربا المختلفة وحين اللقاء بأبناء الجالية ومعايشة اهتماماتهم وممارساتهم وسلوكاتهم تطالعك سحناتهم المتذمرة حد الاحتجاج التي تسم الخطاب وحديثهم المطلبي الذي يعبرون من خلاله عن انتمائهم: أين المغرب من همومنا؟ متى تعترف الدولة المغربية بمواطنيها الموزعين عبر العالم؟ بل متى تفهم الحكومة أن لها في أوطان الغربة سفراء لقضاياها ومدافعون شرسون عن حقوق الوطن؟

بالرغم من الشعارات التي ترفع والعبارات الموسمية التي تردد حين قدوم موسم العودة، فقد ارتبط الحديث عن المهاجر في أذهاننا بصورتين نمطيتين: صورة مُوَرِد العملة الصعبة وأحد المصادر الرئيسة لتنشيط الاقتصاد الوطني خاصة بعد إدراجهم في قائمة السياح الوافدين والمستفيدين من خدمات القطاع السياحي الوطني، وصورة الإنسان المتفلت من قيود الانتماء بعدم احترام القانون والقيم وضوابط المجتمع المغربي. وفي الصورتين معا نكون قد قزمنا الوجود المغربي خارج الحدود في تصورات نمطية تكون في أحيان عديدة حواجز دون الاقتراب من أناس يحملون كل مقومات الانتماء وهموم الوطن ويعايشون أحداثه ويتحسرون على واقع عدم الاعتراف الرسمي.

ولعل أكثر الصور تعبيرا عن الوفاء هو الارتباط الوجداني بالوطن من خلال التحويلات المالية التي تفيد الإحصاءات المنشورة تزايدها ونموها المطرد، حيث أقر مكتب الصرف بزيادة تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج سنة 2011بنسبة 7.3 في المئة، أي 58.3 مليار درهم مغربي. ومن المعلوم أن هذه التحويلات تعد المصدر الأول لدخول العملة الصعبة. لكن تقزيم صورة مغاربة الخارج في الجانب الاقتصادي والترويج الإعلامي لدورهم الاستثماري فيه خلل كبير.

قبل مدة ليست بالطويلة فتح النقاش حول حق مغاربة الخارج في الانتخاب والمشاركة السياسية. وبالرغم من أن الدستور المعدل قد أكد على حقهم في المشاركة في العملية السياسية، فإن واقع التهميش مازال يهيمن على نظرة الدولة إلى أبنائها بالخارج تحت مزاعم الصعوبات الإدارية والتقنية، مع العلم أن الأمر أعمق من مجرد إشكال تدبيري بل يصل إلى عمق الارتباط بهذه الفئة من المواطنين. وبعيدا عن الصور النمطية التي صنعتها الغربة والتجاهل المستمر، وعن التوظيف السياسوي الضيق لقضايا الجالية المغربية الذي أثقل كاهلها ونقل أزمات المغرب الداخلية إليها، ودون المزايدة حول الانتماء الوطني لمغاربة أثبتوا بالملموس وفاءهم لقضايا وطنهم، فإن الاعتراف بوجود جالية مغربية قوية العدد وذات حضور متنام هو أحد مداخل دمقرطة الدولة والدفاع عن قضاياها وذلك من زاويتين أساسيتين:

أولا الحاجة إلى الانفتاح على التجربة الأوربية في تدبير الشأن العام بشكل يمكن الاستفادة منها وطنيا والرفع من الأداء المؤسساتي وهو ما يمكننا من توظيف خبرة مغاربة أوربا في النهوض بوطنهم. فالعين لا تخطئ اندماج المغاربة في نسيج المجتمع الغربي خاصة مع الجيل الثالث، وقدراتهم التي أثبتوها في اختراق المؤسسات الكبرى في وطن الغربة التي كانت حتى وقت قريب حكرا على السكان الأصليين، مما يتيح أخذ الخبرة التقنية في تدبير الزمن والفضاء ونشر العقلية التقنية.

ثانيا الحاجة إلى موقع قوة في مراكز القرار الأوربي. فبعد أن غفلت الدولة عن دور الخارج في صناعة القرار في القضايا المرتبطة بوجودنا ووحدتنا، وتركت مساحات فراغ كبيرة لصالح أعداء الوطن والقيم المغربية، بدا للجميع أن صناعة القوة لا تتأتى من الداخل فحسب. فقد راهنت العديد من الدول والأنظمة على جالياتها في دول الغرب بغية توجيه السياسات والتأثير فيها، وأنشأت لهذا الغرض مؤسسات تمولها وترعاها، تجمع بين ما هو ثقافي وديني واقتصادي واجتماعي وسياسي، حتى عدت مصدر المعلومة الأساسي. لذا لن تفاجأ إن وجدت جاليات تعيش في دول الغربة بكل حقوقها الثقافية والاجتماعية، بل وتفرضها على الحكومات المستضيفة.

فالدفاع عن الوطن يتم من داخل المؤثرين في مصيره. لكن الجالية المغربية تعيش بين أمور ثلاثة: إهمال شبه تام لقضايا ومشاكلها ووجودها، ونقل صراعات المجتمع المغربي الداخلية إليها، وغياب مؤسسات حقيقية تعبر عنها. فبالرغم من تعدد المؤسسات الرسمية التي تعنى بالجالية وقضاياها فإن وجودها لا يعدو في كثير من الأحيان أن يكون شكليا ومظهريا، وعملها محصور في المواسم والفقاعات الإعلامية. لذا فالحاجة إلى وجود الدولة في وسط جاليتها يتم من خلال:

تأطير ديني حقيقي يعيد النقاش في ساحة أبناء المغرب إلى سماحة المذهب والعقيدة دون الدخول في دهاليز الفروع الفقهية، خاصة أن التيارات التي تعتمل في الخارج والتي تزكيها دول وأنظمة مختلفة تفرض على المجلس العلمي بأوربا أن يكون حاضرا وبقوة، ليس في الفتاوى الظرفية أو الندوات الإشعاعية فقط، بل في اليومي الدائم والذي يحاصر مغاربة الخارج.

تأطير سياسي يعرف أبناء الجالية بحقوقهم الوطنية ويساعدهم على إثبات انتمائهم الوطني. فبعد أجيال من المغاربة الذي هاجروا من أجل القوت والشغل، وانحصرت أدوارهم في جلب العملة الصعبة والاستثمار أحيانا في الوطن، انتقل المشعل إلى أيدي أجيال من المثقفين والباحثين والأكاديميين الذي أثبتوا حضورهم من خلال أبحاثهم ومسلكياتهم المعرفية. لذا فالدولة مطالبة بأن توفر لهم الأطر المرجعية لكي يصبح هذا الحضور قيمة مضافة للمغرب وقضاياه الوطنية المختلفة.

تأطير اجتماعي يستوجب الحضور الدائم مع مشاكل المغاربة المختلفة ونزع عقلية الانزواء عنهم حتى يكون اندماجهم في المجتمع الغربي غير مؤثر على قيمهم الوطنية والدينية. فلا مناص من الاعتراف أن نقاء مغربي الخارج بالرغم من تعرضه الدائم لكم المعلومات والتأثيرات يظل محافظا على قيمه الأصيلة التي تبرز حين الحاجة إليها. فبالرغم من سيطرة النقاشات الإيديولوجية داخليا على قيم الهوية والانتماء واللغة تجد في وسط الجالية قناعة راسخة بجذورها وارتباطهم الراسخ بوجودهم المغربي دينيا ولغويا وسياسيا. لذا لن تجد حضورا للمشاكل حول الحداثة أو الأمازيغية أو التحزب إلا في كانتونات قليلة، مادام الحضور الأقوى هو صفاء صورة الانتماء التي راكمها المغاربة طيلة عقود خلت والتي تحاول الآلة الإعلامية والثقافية داخليا وخارجيا تفتيتها وإعادة تركيبها من جديد. حتى أمكن القول مع أحدهم: إن أردت معرفة المغربي الحقيقي فابحث عنه في شوارع باريس وإيسن ولندن.

إن وجود مغاربة الخارج حقيقة لا يمكن تجاهلها، والأكثر من ذلك هو وجودهم الفعلي في مراكز القرار الاجتماعي والسياسي. لذا فالأصوب هو أن يعترف بحضورهم ويستفاد منه بغية خلق جالية نافذة سياسيا واجتماعيا لفائدتهم أولا ولفائدة الوطن ثانيا.

‫تعليقات الزوار

14
  • Jad
    الجمعة 20 يوليوز 2012 - 14:21

    Je suis français d'origine marocaine et je me reconnais pas dans vos institutions
    Alors laissez nous tranquilles SVP

  • فؤاد
    الجمعة 20 يوليوز 2012 - 15:21

    راي محترم لكن لايختلف عن توجه الحكومة واهتماماتها بمغاربة العالم الذي لايحيد عن الشمال اي مغاربة اروبا ومشكالهم مما يوحي ان باقي الجالية واخص منها المتواجدة بالخليج تعيش في نعيم وبدون مشاكل او اكراهات.

  • جمال
    الجمعة 20 يوليوز 2012 - 16:03

    ان ابناء الجالية اكثر حفاظا على امازيغيته و لا يمكن للامثالك تغيير هدا الواقع اما تدينهم ليس مثل تدينك و عصبيتك فل تمت بغيضك

  • اليماني
    الجمعة 20 يوليوز 2012 - 16:51

    مقال جد مهم للجالية المغربية في الخارج. انا اعرف مغربيا ناجحا في امريكا يحب بلده كثيرا و يدافع عن مؤسساته. استاد جامعي و نشيط جمعوي و يترجم في وزارة الخارجية الامريكية. قتل اخوه في المغرب السنة الماضية و لا يعرف ما حصل. رهيب والله

  • عمر مغفور
    الجمعة 20 يوليوز 2012 - 19:29

    مشكلة النظام مع الجالية مشكلة عقلية .عقلية الجالية الحقوق والحرية والقوة والنظام مع الحقوق المحددة والحرية المشددة والقوة المقننة.النظام يخشى من ثلاثة.. الاسلامييون السياسيون والجالية هم وحدهم الذين يستطيعون قلب الموازين ..الاسلاميون يؤمنون بالمساوات بين الامير والفقير والسياسيون يعرفون مكامن السلطة والقرار ثم الجالية تتمع بقوة المال والمعرفة والنموذج اما المواطنون فيهم بعض كل ما ذكرت ولكن مطوقين بالمخابرات والاستعلامات وكانهم يعيشون في سجن كبير اسمه الوطن المغربي.

  • abridox
    السبت 21 يوليوز 2012 - 10:52

    مدارس أبناء الجالية هي أمهاتهم التي بفضلها حافظوا على أمازيغيتهم وخير مثال حجي يوسف ومصطفى والعربي وبرادة والائحة طويلة

  • خارج عن الموضوع
    السبت 21 يوليوز 2012 - 13:24

    بعد ان اتهمت الامازيغ في مقالك السابق بالصهوينية لمجرد ان هيشكار صور فيلما عن اليهود المغاربة .

    ننتظر منك مقالا عن رايك في صهوينية العروبيين و الاسلاميين بعد ان استقبل العدالة و التنمية صهيوني في مؤتمره و قبل ذلك استقبل صهانية في برلمانه .
    هذا ان كنت محايدا طبعا و لا اظن ذلك بل انني متأكد من عدائك للامازيغ و الامازيغية .
    publier SVP

  • doukali83
    السبت 21 يوليوز 2012 - 14:29

    Un grand Mr qui a le respect des marocains et qui défend notre vrais culture , la culture Arabo-musulmane

  • Amazigh Muslim
    السبت 21 يوليوز 2012 - 14:57

    الى صاحب التعليق 4
    لا اكذب تعليقك. للاسف لما يدمج المغربي نفسه في البلاد الغربية خاصة في محاوير العمل الاحترافي تصبح مضاداته جد حساسة للافكار المتخلفة او عدم احترام حرية شخصه او تفكيره العقلي (الروحي).

    للاشاره العالم الغربي ذو مرجعية مسيحية و من بين الاشياء التي اتى بها الله عز و جل سيدنا عيسى عليه السلام : البينات و الروح القدس.

    في وقت الصراعات تكون مفاهيم السلام هذه حاضرة, لا تقبل الجهل بها.

    للاسف اشياء مجهولة نسبيا لدى عامة المسلمين لا يجب الاستهانة بها.

  • unObserver
    السبت 21 يوليوز 2012 - 15:16

    C’est plus un article d’auto désignation d’expert en matière de RME qu’un article qui essaie de cerner le problème RME. Pour avoir une véritable idée de comment les autorités considèrent les RME, nul besoin d’articles savants, un simple tour du côté du port de Tanger suffirait, côté arrivée au Maroc, tout le folklore qui sied à la première source de devises, côté départ du Maroc, le désert et la rude réalité d’une source tarie. Le reste, il faut que les RME consacrent le peu de ressources dont ils disposent à l’éducation de leurs enfants l’aide aux familles restées au Maroc.

  • noureddine
    السبت 21 يوليوز 2012 - 17:34

    Au N ° 1
    il faut dire Marocain naturalisé
    francais de Nième rang (Bougnole) cé plus logique
    Ignorant
    Merci Professeur pour votre analyse.

  • jameel
    الأحد 22 يوليوز 2012 - 11:48

    والحقيقة يعتارفوا بعد غير بهدوك لي مزاوطين في الشوارع في المغرب عاد امكن اشوفوا لي فالخارج واش هوما مقدينش احلوا حتى مشاكل البطالة فلبلاد امشيواشوفوا اشنوا الهموم ديال هدوك لي ف اوروبا ؟
    اخر زمن هذا

  • chacal de doukkala
    الأحد 22 يوليوز 2012 - 15:08

    grace aux associations criées par des marocains résidant à l'europe et l'USA et canada le tamazighte progresse jour aprés jour,les marocains résidant à l'étranger ont bien travaillé à la faveur de la la culture et la langue de peuple marocain qui est bien sur tamazighte

  • oufliyene mustapha amsterdam
    الأحد 22 يوليوز 2012 - 15:17

    بعد ان اتهمت الامازيغ في مقالك السابق بالصهوينية لمجرد ان هيشكار صور فيلما عن اليهود المغاربة .

    ننتظر منك مقالا عن رايك في صهوينية العروبيين و الاسلاميين بعد ان استقبل العدالة و التنمية صهيوني في مؤتمره و قبل ذلك استقبل صهانية في برلمانه .
    هذا ان كنت محايدا طبعا و لا اظن ذلك بل انني متأكد من عدائك للامازيغ و الامازيغية .

صوت وصورة
حملة للتبرع بالدم في طنجة
السبت 16 يناير 2021 - 22:09

حملة للتبرع بالدم في طنجة

صوت وصورة
عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب
السبت 16 يناير 2021 - 17:11 5

عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب

صوت وصورة
جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال
السبت 16 يناير 2021 - 15:55 9

جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال

صوت وصورة
مؤتمر دولي لدعم الصحراء
الجمعة 15 يناير 2021 - 22:35 8

مؤتمر دولي لدعم الصحراء

صوت وصورة
قافلة كوسومار
الجمعة 15 يناير 2021 - 21:34 1

قافلة كوسومار

صوت وصورة
مع نوال المتوكل
الجمعة 15 يناير 2021 - 18:19 7

مع نوال المتوكل