ملك شجاع وأحزاب جبانة

ملك شجاع وأحزاب جبانة
أرشيف
الخميس 17 دجنبر 2020 - 02:09

قراءة عابرة للبيانات التي أصدرتها مختلف الأحزاب السياسية المغربية، على هامش البلاغ الصادر عن الديوان الملكي بشأن تطبيع العلاقات مع إسرائيل وما نجم عنه من اعتراف أمريكي بمغربية الصحراء، تكفي لتشكيل صورة واضحة عن طبيعة هذه الأحزاب وعن حجم الرهانات التاريخية التي يمكن للمؤسسة الملكية أن تعقدها عليها مستقبلا.

فمن بيانات تم تسويدها من محبرة واحدة يمكن وصفها، دون مواربة، بمحبرة الخذلان، مرورا بيانات يلتحف خطابها بالاحتشام والتردد والجبن، حتى انطبق عليها المثل المغربي القائل: “الديب حرام مرقتو حلال”، وصولا إلى بيانات تخلصت من بعض أغلال العاطفة السياسية وانتصرت للقرار الملكي باحتشام. وحدها الحركة الأمازيغية، كتوجه سياسي – إيديولوجي، من انتصرت لعقلانية الملك وناصرت موقفه جنبا إلى جنب مع عموم المواطنين.

التطبيع الملكي: انتصار العقلانية السياسية

نعلم جميعا، علم اليقين، أن العلاقات الدولية في الزمن المعاصر إنما تحتكم إلى قانون المصالح المتبادلة. وعليه فإن الاعتقاد بأن القرار الأمريكي القاضي بالاعتراف بمغربية الصحراء قرار مجاني، لم تنتظر منه أمريكا مقابلا ولا عوضا، لا يعدو أن يكون اعتقادا أملته السذاجة السياسية. نعم، لقد كانت في الأمر صفقة، لكنها لم تكن صفقة ضيزى، بل كانت صفقة تم تصريفها وفق قاعدة “رابح – رابح”، مع فارق واضح في الربح لصالح المغرب. فأمريكا ربحت، وهي رابحة بهذه الصفقة وبدونها، وإسرائيل أيضا ربحت وهي رابحة أيضا بقوة الواقع بهذه الصفقة وبدونها، ليكون المغرب هو الرابح الأكبر.

يتفق الجميع على أن المنجز التاريخي الذي كشف عنه بلاغ الديوان الملكي يتجلى في قرار ترسيم العلاقات الدبلوماسية وتطبيعها مع إسرائيل، فيما اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بمغربية الصحراء ليس في الواقع سوى النتيجة المنطقية المترتبة عن ذلك القرار. فأمريكا وإسرائيل ستعملان مستقبلا على توظيف قوتهما في صنع القرار العالمي لصالح عدالة الموقف المغربي بشأن سيادته على صحرائه، بما يخدم مصالح الجانبين.. ولعل تقاطر المواقف الدولية الداعمة للمغرب خلال الآونة الأخيرة خير دليل.

لقد شكلت عملية التطبيع إذن علامة فارقة في تاريخ الدبلوماسية المغربية، إذ قطعت مع موقف الانتظارية السلبي الذي ظل يعرقل الحلحلة النهائية للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، كما قطعت مع سياسة ارتهان القضايا العليا للوطن بقضايا الأغيار؛ فكانت النتيجة أن انتصر الملك للعقلانية السياسية التي مكنت بلادنا من تشييع وهم الانفصال إلى مثواه الأخير، مع حشر أعداء الوحدة الترابية للمغرب في زاوية ضيقة سرعان ما سيحكم عليهم القعود فيها بالانهزام التام.

التطور الذي حصل في بوصلة العلاقات الخارجية للمغرب لم يكن مفاجئا كما تصوره البعض، بل كان مهيئا له منذ مدة بشهادة بلاغ الديوان الملكي نفسه. بل إن وزير الخارجية، ناصر بوريطة، ألمح إليه حين خاطب أعضاء البرلمان خلال اجتماع سابق للجنة الخارجية والحدود والدفاع الوطني والمناطق المغربية المحتلة في مجلس المستشارين قائلا: “لا ينبغي أن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين”، ثم أردف معلقا على ما باتت تعرف بصفقة القرن: “هناك مبادرة يجب أن نقول إنها إيجابية ولأول مرة تتحدث عن حل الدولتين”. لكن هل توازت شجاعة الملك التاريخية حين اتخذ هذا القرار مع شجاعة مماثلة من طرف القوى الحزبية المؤثثة للمشهد السياسي بالمغرب؟ هل انتصرت الأحزاب السياسية للقرار الملكي ودافعت عنه؟.

مواقف الخذلان..تنظيمات الوطنية الفلسطينية

إذا كان القرار الملكي الأخير انتصر للوطن ولا شيء غير الوطن فإن بعض التنظيمات السياسية ببلادنا للأسف فضلت التغريد على إيقاعات عاطفية متجاوزة وشاذة، ولو على حساب المصالح العليا للوطن؛ بل الأكثر من ذلك أنها أصرت بكل وقاحة وصفاقة على تخوين الملك والنظام الملكي وحاولت تأليب المواطنين ضده، لا لشيء إلا من أجل الانتصار لقضايا خارجية جعلتها، بفعل العمى الإيديولوجي الذي أصابها، أهم من قضايا وطنها.

فحزب النهج الميكروسكوبي العروبي الذي ظل على الدوام يغرد خارج الإجماع الوطني حول سيادة المغرب على كامل أراضيه، كما ظل حريصا على دعم الانفصاليين وأطروحاتهم التقسيمية، خرج ببيان يصف فيه النظام الملكي بالخائن والعميل تماما كما يصفه الانفصاليون. بل الأكثر من ذلك أنه توجه إلى جماهير المواطنين، الذين نبذوه، ليتسول منهم الثورة والعصيان ضد هذا النظام.

وغير بعيد عن هذا التنظيم المجهري، انبرت فدرالية اليسار العروبي التي تتشكل من أحزاب الطليعة والمؤتمر الاتحادي والاشتراكي الموحد ذات الجماهيرية الباهتة، لتدبيج بيان تخويني مماثل في حق النظام الملكي. موقف تقاسمته معها جماعة العدل والإحسان المتطرفة والمحظورة، التي استعطفت بدورها المواطنين المغاربة للخروج ضد الحاكم، وإعلان التمرد والعصيان في وجهه، لا لشيء إلا لأنه انتصر لقضايا وطنه وخدم بلاده بروح وطنية.

أحزاب “الديب حلال..مرقتو حرام”

مواقف بعض الأحزاب التي يفترض فيها الاصطفاف وراء القرار الحكيم للملك سارت للأسف بدورها في اتجاه يخدم أجندات غير مفهومة، إذ اتفقت على الإشادة بالمعلول دون العلة الفاعلة، والتنويه بالنتيجة دون السبب، وهو ما ينطبق عليه المثل المغربي الدارج “الديب حرام ومرقتو حلال”.

حزب الاستقلال من بين هذه الأحزاب، فبيان لجنته التنفيذية يخلو من أي إشارة إلى القرار الملكي بشأن ترسيم العلاقات بين البلدين، فالأحرى الدفاع عنه، بل الأكثر من ذلك أن حفدة علال الفاسي استبطنوا في بيانهم موقفا مناهضا للقرار الملكي من خلال اجترار خطابهم المستهلك عن القضية الفلسطينية، وشنوا هجوما لفظيا على إسرائيل لا تقتضيه المناسبة.

أما موقف حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي عبر عنه مكتبه السياسي، فإنه وإن تحاشى الهجوم اللفظي على إسرائيل ونوه بمساعي المملكة إلى حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على أساس حل الدولتين، إلا أنه لم يستطع ذكر دولة إسرائيل بالاسمـ فما بالك بالإشادة بقرار ترسيم العلاقات معها؛ بل اكتفى فقط بالتهليل لاعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بمغربية الصحراء.

فيما حزب الاتحاد الدستوري، ورغم مبالغته الطفولية في الاحتفاء بالاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، حد التوصية بجعل هذه المناسبة عيدا وطنيا، إلا أنه لم يقدر على ذكر الحدث الفعلي المتمثل في ترسيم العلاقات بين المغرب وإسرائيل، بل اكتفى بالتنويه بموقف المغرب الداعم للقضية الفلسطينية.

التقية السياسية..الخذلان في لبوس الوطنية

موقف حزب العدالة والتنمية الذي يقود الائتلاف الحكومي بالمغرب لولايتين متتاليتين تمت صياغته بأسلوب يطرح أكثر من علامة استفهام، فرغم إشادة الأمانة العامة للحزب، في بيانها المدبج على هامش بلاغ الديوان الملكي، بالاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء ومحاولتها إظهار الحزب بمظهر المساند لما أسمتها “القيادة المتبصرة والحكيمة”، إلا أنها استنكفت عن تأييد القرار الملكي القاضي بإعادة العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل إلى وضعها الطبيعي؛ بل الأكثر من ذلك أنها أشارت بوضوح إلى مناهضتها للقرار الملكي التاريخي بشن هجوم لفظي على إسرائيل التي وصفتها بالاحتلال الصهيوني، وهو ما يتعارض مع الشرط التاريخي لصدور هذا البلاغ.

موقف سرعان ما ستنكشف حقيقته المظلمة في بيانات تنظيمات الحزب الموازية، لاسيما بيانات شبيبته وذراعه الدعوية حركة التوحيد والإصلاح، وجمعياته التي أجمعت على مناهضة القرار الملكي والاصطفاف في خندق التيار المعلي للقضية الفلسطينية على المصالح الإستراتيجية الوطنية؛ بل انزلقت بدورها إلى مستنقع “إعلان الحرب” ضد النظام الملكي عبر محاولة بئيسة لتجييش الشعب ضد الخيار الملكي.

مواقف مشرفة: بين مداد البيانات ومعارك الميدان

أحزاب الأصالة والمعاصرة والحركة الشعبية والتجمع الوطني للأحرار والتقدم والاشتراكية تمكنت إلى حد بعيد من الجهر بتأييدها لتطبيع العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل، بل استطاعت أيضا الإقرار بمغربية المواطنين الإسرائيليين ذوي الأصول المغربية، ونوهت بالرعاية التي يخصها الملك لرعاياه من اليهود المغاربة بإسرائيل. غير أن هذه الأحزاب لم تستطع ترجمة منطوق بياناتها على أرض الواقع من خلال تعبئة قياداتها ومناضليها للدفاع عن القرار الملكي وتوضيح شرعيته ومشروعيته وأيضا نتائجه الإيجابية على مستقبل بلادنا.

وحدهم مناضلو ونشطاء الحركة الأمازيغية، كتيار سياسي – إيديولوجي، هم من تركوا اختلافاتهم الطبيعية مع النظام بشأن التقدير السياسي لكثير من الملفات، وانبروا فرادى وجماعات، زَرافات ووُحدانا، للدفاع عن القرار الملكي اعتبارا لانتصاره أولا للعقلانية السياسية التي تعلي قيم التعايش والسلام وتنبذ قيم العنصرية والاحتراب، وثانيا لانتصاره لقضايا الوطن وتقديمها على ما سواها من القضايا الإنسانية الأخرى. لكن الغريب في الأمر أن نشطاء الحركة الأمازيغية لم يجدوا أنفسهم وحيدين في معترك الدفاع عن هذه القيم، بل أبى الشعب المغربي إلا أن يتصدى للأمر…

خلاصة

في ختام قراءتنا وتحليلنا لمواقف مختلف الأحزاب والتنظيمات السياسية بالمغرب وطبيعة تفاعلها مع القرار الملكي التاريخي بتطبيع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، مع ما يترتب عن هذا القرار من نتائج، يمكننا الخلوص إلى جملة من الاستنتاجات أبرزها أن:

– المؤسسة الملكية في المغرب أكثر حداثة ممن يتشدقون بتمثل قيم الحداثة.

– المؤسسة الملكية تملك شجاعة سياسية تنعدم لدى جميع التنظيمات السياسية المغربية.

– المؤسسة الملكية تملك مشروعية وشرعية شعبية لا تملكها أي قوة سياسية أخرى.

– المؤسسة الملكية تحظى بالدعم الشعبي أكثر فأكثر كلما اختارت نهج العقلانية السياسية.

– مختلف الأحزاب والتنظيمات السياسية بالمغرب تحتاج إلى إعادة تكوين حول مفهوم الوطنية.

– مختلف الأحزاب السياسية غير جديرة بالمراهنة عليها في القرارات التاريخية الحاسمة.

‫تعليقات الزوار

6
  • كريم
    الخميس 17 دجنبر 2020 - 18:32

    قراءة تحليلية لا تتناسق مع تالراي الشعبي ما حدث ان المغرب هو الذي خسر المبدأ ولم يربح الارض لانه اصلا في ارضه اين قرارات القمة العربية التي تطرح السلام مقابل الارض الا ترى ان التطبيع اقرار بمزيد من اغتصاب الاراضي ماذا اصاب تفكيرك وتحليلك افي سبيل حفنة من الامتيازات الواهية نضيع حق شعب ناضل لعقود بجرة قلم ان كانت هذه هي الشجاعة والجرأة فلنصل الجنازة على القيم والشهامة …

  • كاره المستلبين
    الخميس 17 دجنبر 2020 - 22:48

    الي صاحب التعليق رقم 1 كريم
    و هل يجب علينا و نحن نتخذ قرارت تخص المصالح العليا للوطن ان نضع على الطاولة مصالح ذلك الشعب و إذا تعارضت مع مصلحة بلدنا أن نعطي الأولوية لمصالح ذلك الشعب على مصالح بلدنا ؟؟؟
    عن أي امتيازات واهية تتحدث يا هذا ؟ إنها قضية الوحدة الترابية للمغرب، قضية تخص إقليما يمثل 40٪ من مساحة المغرب و إذا ما فصل عنه يكون كمن تعرضت رجلاه للبتر و أصبح معاقا !!!
    المبادئ تتبجحون بها فقط حينما تخدم ايديولوجيتكم
    أي مبدإ هذا الذي يجعلك تعطي الأولوية لقضية خارجية على قضية تخص أرض بلادك و وحدته ؟؟
    عاش المغرب و لا عاش من خانه

  • نشاط
    الجمعة 18 دجنبر 2020 - 20:57

    مقال يفتقد الى الموضوعية، فكيف يسمح هذا الباحث لنفسه بتخوين النخب السياسية ونعتها بالجبن وبنعوت لا تليق بباحث… كفاكم من الانتقاص من قيمة الاحزاب السياسية نعم لمعالجة ثغراتها والرغبة في تقويتها وليس تحطيمها والتنقيص منها,,, فما البديل الذي يسوق اليه الباحث هو دولة بدون احزاب,,, هذه ليست شجاعة … شكرا

  • مغربي
    السبت 19 دجنبر 2020 - 03:44

    هناك من يتبججون بالوطنية والاستعداد للدفاع عن وحدتهم الترابية , لكن سرعان ما تنكشف نواياهم الحقيقية عند أول منعطف تاريخي في صالح قضيتنا المقدسة كالذي نشهذه الان, لأسباب متعددة منها ما هو إديولوجي أو قومي إلخ…ويتبين أنهم يسترزقون من مواقفهم ليس إلا.
    ولهؤلاء أقول:
    لك الله يا وطني وسواعد أشرافه , لك أحيا ومن أجلك أموت ,ولاعزاء للحاقدين لوطنهم من بني جلدتي المستلبين,الناكرين للمعروف وتاريخ أجدادهم الأحرار , والذين كانوا حصنا منيعا لكل الغزاة ,والذين بفظلهم ظل الوطن ولا يزال شامخا إلى الأبد.

  • كتامي
    السبت 19 دجنبر 2020 - 13:56

    الأحزاب السياسية المغربية لا تمارس السياسة، ولا تفقه في السياسة شيئا، مصالحهم هي ما يشغلهم ولا غير ذلك ولو على حساب الوطن بأكمله وليس المواطنين فحسب.

  • الواقع
    الأحد 20 دجنبر 2020 - 13:35

    العدو الأول للمغرب هو الجزائر وليس إسرائيل كما أن العدو الأول للجزائر هو المغرب، لهذا إذا كانت الجزائر تدعو إلى تصفية الاستعمار فلتذهب إلى إسرائيل لتقاتلها فنحن هاهنا قاعدون، أما ان توجه كل طاقاتها وتركيزها على المغرب، فهنا نحن مجبرون على التصدي لهذا العدوان الجزائري قبل أي شيء وهذا مايفرضه الواقع

صوت وصورة
العروسي والفن وكرة القدم
الجمعة 15 يناير 2021 - 15:30

العروسي والفن وكرة القدم

صوت وصورة
أوحال وحفر بعين حرودة
الجمعة 15 يناير 2021 - 13:30

أوحال وحفر بعين حرودة

صوت وصورة
تدخين السجائر الإلكترونية
الجمعة 15 يناير 2021 - 10:30

تدخين السجائر الإلكترونية

صوت وصورة
حملة أبوزعيتر في المغرب العميق
الخميس 14 يناير 2021 - 21:50 28

حملة أبوزعيتر في المغرب العميق

صوت وصورة
سائقة طاكسي في تطوان
الخميس 14 يناير 2021 - 20:12 9

سائقة طاكسي في تطوان

صوت وصورة
كشف كورونا في المدارس
الخميس 14 يناير 2021 - 16:30

كشف كورونا في المدارس