سلامًا من أرض الشياظمة. لكن الأرض كثيرًا ما تُخفي حقيقتها عن العابرين؛ فبين حجارة الشّعاب هنا تنمو شجرة الأركان بعنادها الأزلي، وتتشبّث الزيتونة بترابها كما تتشبث الذاكرة الثرّة بأهلها الطيبين.
هنا يدرك المرء أن القسوة ليست دائمًا نقيض الحياة، بل قد تكون مدرستها الأولى وامتحانها الأول. ففي هذي الشعاب، حيث تعجز حتى آلات الحصاد عن اقتحام المنحدرات الوعرة، ينزل الرجال والنساء إلى حقول الشعير، يحصدون بمناجلهم ما زرعته أيديهم، وكأنهم يُفاوِضون الصخر على لقمة العيش، وينتزعون من الأرض ما تضعه الأرض نفسُها في خانة المستحيل.

هنا، في هذي الشعاب المُستثناة من مشاريع فكِّ العزلة، ولو من باب رفع العتب، يتناثر هذا المغرب المنسي في شكل دواوير صغيرة، وبيوت متباعدة، وأراضٍ بور استوطنها اليأس حتى لم تعُد تنتظر شيئًا من السماء. سنوات الجفاف المتلاحقة لم تترك لدى الفلاح الصامد المكدود سوى ذاكرة قاحلة. ومع ذلك، يقاوم اليأس يوميًّا بالجُهد والجلَد والصبر والدعاء.
وأنا أطوف بين الشعاب هنا، بدأت تصلني أخبار الهجرة الجحفلية نحو سبتة. آلاف المغاربة يركضون نحو البحر، كأنَّ البلاد بقسوة غير مفهومةٍ تدفع بفلذات أكبادها إلى حافة الماء. مشهد لا يُختزل في مخالفة للقانون، ولا في حادثة عابرة، بل هو مرآة تعكس سؤالًا أكبر: أيُّ يأسٍ ذاك الذي يجعل الإنسان يؤثر الارتماء في عُباب البحر على أمان المقام فوق تراب الوطن؟

ثم فيم يختلف هؤلاء المغاربة الصابرون في دواوير أهلنا هنا عن المغاربة الذي يزحفون باتجاه موج المتوسط؟ أليسوا أبناء وطن واحد؟ يحملون الهموم ذاتها؟ ويُكابدون السياسات عينها؟ سياسات تعربد فيها قلة الكفاءة والمحسوبية وتضارُب المصالح حتى أجمع أهل البدو والحضر على افتقارها إلى الرّشاد والسّداد والعدالة والإنصاف. و”اللّٰه لا يخيّرنا ف ضرار”.
غير أن الأقدار تتشعّبُ هي الأخرى، كما وديان هذي الشّعاب التي لا تُنبت سوى الشوك والحجارة. هنا يحفر أبناءُ هذه الدواوير المنسية في الصخر ليصنعوا أسباب البقاء، فيما يحاول شبابٌ أن يحفروا في موج البحر، عبثًا، لينفُذوا إلى حياة أخرى. هنا يطاردون سنابل الشعير في منحدرات الشعاب، وهناك، عند باب سبتة، يطاردون سراب الفردوس الأوروبي فوق أمواج متلاطمة. كلاهما يبحث عن الكرامة؛ لكن أحدهما يفتش عنها في الجذور، والآخر يفتش عنها خلف أفقٍ مجهول.

هنا، في شعاب الشياظمة، ترى شظف العيش عيانًا، حتى ليكاد يفرض عليك زفيره. يا لَصعوبة الوطن! قوم لعلهم أكثر هشاشة من أولئك الذين اندفعوا نحو سبتة. يعانون ضيق العيش، وقسوة الطبيعة، واختلال السياسات، وقلة الفرص. ومع ذلك، يختارون كل صباح أن يفاوضوا البرّ، لا البحر؛ وأن يغرسوا أقدامهم في التراب، لا أن يلقوا بأجسادهم في الموج.
هنا رجالٌ يعبرون اليابسة الشاقة ليبقوا أوفياء للأرض، وهناك شبابٌ يعبرون البحر لأنّ الأرض ضاقت بهم. أولئك يصارعون الأمواج، وهؤلاء يحفرون في الصخر؛ والغاية واحدة: البحث عن حياة تليق بالإنسان. لكنَّ مَن يبحث عن فرصته على أرضه وبلده يبقى الأكثر جلَدًا، والأشدّ سيزيفية ربمًا.

لن أجازف بتقسيم المغاربة إلى فريق يتشبّث بالأرض وآخر يتنكّر لها، فهذه ثنائيات أخفّ من أن تصمد أمام أوهى خفقة ريح. لكن وجب الإقرار أنهم جميعًا أبناء الوجع ذاته. غير أن اليأس، حين يبلغ مداه، يُحوّل البحر في أعين البعض إلى باب نجاة، حتى وإن أفضى ذلك الباب الخادع إلى الغرق.
وإنّ أخطر ما كشفته أحداث سبتة ليس أعداد الذين حاولوا العبور، وهي مُريعة ما في ذلك شك، بل حجم الهوة التي اتسعت بين الحلم والواقع. حين تصبح أوروبا، بكل ما فيها من مشقة وغربة، أهون في خيال جحافل المجازفين من البقاء، فذلك ليس انتصارًا للضفة الأخرى، بقدر ما هو هزيمة لأسئلة التنمية والعدالة والكرامة التي ما زلنا نؤجّل الإجابة عنها.

سلامٌ لأهلنا في الشياظمة… في شعاب مجّي، حيث القمر أصفى من عين الديك، والهواء أنقى من ضجيج الشعارات، وحيث تعلّمك شجرة الأركان أنّ الجذور، مهما اشتدّت الرياح، ليست ما يشدّنا إلى الأرض فحسب، بل ما يجعل الأرض تسكُننا؛ فتستوطن منّا الجسد والروح والوجدان.
هؤلاء هم المغاربة الأحرار اللي ما يدوزو عار، خصوصا في الشياظمة بلاد ركَراكَة، بلاد الأولياء والشرفاء. لهذا تجد إيمان هؤلاء الناس الكرماء بالله وايمانهم بالوطن قوي جدا، رغم الفقر ورغم الظروف، ماشي بحال هاذوك اللي الرّيح الذي جاء كا يديّهم وكا يلعب بهم. لكن على الحكومة أن تهتمّ بهؤلاء الناس وتعرف بقيمتهم وتعطيهم حقهم خصوصا في مشاريع التنمية المحلية وفكّ العزلة عن العالم القروي ومشاريع الدعم الفلاحي بهذه المناطق خصوصا في مثل المنطقة المهمشة التي تحدث عنها كاتب المقال الشاعر والإعلامي ياسين عدنان. وحفظ الله هذا البلد ملكا وشعبا، وحماه من الفتن ومن كيد الحسّاد والحاقدين.
يحتاج التغيير الاجتماعي إلى وقت، بل إلى وقت طويل جدًا، ليصبح فعالًا. الاقتصاد الكلي في المغرب متين، بل وأكثر متانة من العديد من الدول الأوروبية المتقدمة. الآن، لدينا اقتصاد كلي متين وقوي ومستقر، ويجب أن يتولى القطاع الخاص، مع قليل من التوجيه الحكومي الأساسي، باقي العمل لإنشاء قطاع خاص قوي ومثبت الكفاءة قادر على الصمود. كما يجب على المتعلمين الاستثمار في المجالات التعليمية، وخاصة الكتب والمكتبات ومقاهي الكتب والأكاديميات الخاصة وغيرها من منافذ التعليم مدى الحياة، لتشجيع المغاربة على استهلاك المنتجات المحلية للحفاظ على الوظائف والمساهمة في أمن شوارعهم. يرتبط شراء المنتجات المحلية ارتباطًا مباشرًا بالحد من جرائم الشوارع، لأن ذلك يحافظ على الوظائف المحلية، وبالتالي يحافظ على استقرار الأسر ماليًا….^^ …*
التيكتوك و البوز وموديل هاد السيارة و موديل ديك لعيبة و الماندا بلا ردمة والشقة بالمنحة واللغة الغريبة ماشي دارجة “شا شوم شومي شان” او “خو خاد خادا خيد” .. الماديات طغت على الانسانيات في هذا العالم والاغلبية تجري مهرولة الى الاندماج في هذا الطغيان .. والثمن راحة البال والصحة النفسية والاتزان العقلي والشرف والعزة والكرامة والنخوة. عاش وعمّر بين نظرات عنصرية وأولمر إدارية تمييزية ثم مات، الله يرحمو، جابوه فالصندوق.. اين الحياة؟
أرض الشباظمة: رغم ظروفها وتوالي سنوات الجفاف عليها، وشح التساقطات بها، فانها تعد أرضا معطاء رغم قلة منتوجها.
نعم يبدىء الأمر بحقول متحجرة و صغيرة من الشعير، بعدها حفنة من الذرة، ثم الجلبان، ثم الفياش اي ثمار أشجار الأركان التي حبذها الله بها وبعدها تنتهي السنة بزيت الزيتون البري والذي يعد من الذ الزيوت التي ذقتها في حياتي. رغم قلة المنتوج فهو كافي لصمود سكان قلوبهم تفوح محبة وطيبوبة . لامجال للمقارنة بينهم وبين ما أصبحنا نشاهده في مدننا. أبناء الدواوير لايقارنون بتاتا بابناء الشقق والاحياء، هؤلاء هم من كانوا في جحافيل غزو سبتة وتلطيخ سمعة البلاد . شتان بين سلوكهم وسلوك أبناء الدواوير على غرار أبناء الشياظمة وغيرهم.
المشكلة هي القناعة. الكثير من هؤلاء الذين حاولوا الهجرة الى اسبانيا وسط هذه العشرات والمئات من الزاحفين لديهم ظروف عيش أفضل بكثير من سكان الشياظمة وغيرها من المناطق الصعبة في الصحاري والجبال. ولكن القناعة كنز لا يفنى. واحد يريد الدفاع عن أرضه وأهله ويعيش معهم في أمان الله، والآخر ترك أهله وترك بيت فسيح في المدينة أو شقة جيدة ويركض وراء المجهول. جيل التيكتوك مع الأسف. يجب فعلا طرح معضلة التربية والتعليم قبل أي مشكلة أخرى لا سياسية ولا اقتصادية. إنها التربية اوّلا.
شكرا سي عدنان على المساهمة الفكرية. الأدبية …شكرا لدلوك يدلوك قي بئر المعمعة…شكرا لانك لم تبقى في برجك العاجي تنضر من الأعلى و تتفرج … شكرا لانك من القلة القليلة ، من مثقفي هذه الربوع ، التي يتوجع يرعها مع عويل و وجع الشعب ….
شكرا على مساهمتك في تحليل ما جرى وما سيجري غدا.
اكيد ان يكون الوصل موصولا بالارض، اصولك هناك وعشت في مراكش وتتنقل بين بلجيكا والمغرب .
يحق لك ان تتحدث عن الوصل الموصول، لكن اسأل اي انسان وحتى الحيوان في الشياظمة وازيد حتى الحجر .
اساله هل تريد الرحيل الى الضفة الأخرى، سيقول لك وبدون تردد.
الان وليس غدا .
كفاكم هراء واستمناء على حاءط مبكى المواطن المقهور والمحكور.
تحياتي لك صديقي الفاءت بين جنان تاركة سابقا
إلى السيد صاحب التعليق رقم 7 اريد فقط أريد أن أسأله بكل احترام: وهل سألت أنت أهل الشياطمة؟ كيف عرفت انهم كلهم يريدون الرحيل والهجرة؟ لماذا لم يهربوا؟ أنا بنت تلك الأرض الطيبة واعرف أن لدينا شباب هاجر ليس الى اسبانيا او فرنسا. بل هاجروا الى أكادير وهوارة واولاد تايمة وهم يشتغلون هناك كعمال فلاحيين ولا أحد أدانهم أو اعتبر هجرتهم جريمة. لكن هؤلاء الباقين هناك هم باقون باختيارهم. فاتقوا الله في بلدكم ولا تسقطوا رؤاكم السلبية عن الوطن على أهلنا البسطاء.
ارفع القبعة لكاتب المقال … لقد عاشرت اهل الشياظمة عن قرب جدا وعشت بعض سنوات بين دواويرهم ..انهم اناس مثابرون يحفرون في الصخر …متشبتون بارضهم… ومنهم من انتقل للعمل والكد بمدن اخرى وبين احضان وطنهم..، دون الانسياق وراء وهم الهجرة او التفكير في ” ذل بلادات الناس’ … و يالروعة طيبتهم
بالنسبة للذين لا يعرفون الشياظمة نوضّح لهم أنها اتحادية قبلية وليست قبيلة واحدة، وقد تشكلت من امتزاج قبائل عربية من بني معقل ومجموعات عربية أخرى ذات أصول هلالية و مضرية إضافة إلى مكونات أمازيغية قديمة،خاصة من رجراجة ومسكالة، التي اندمجت مع القبائل العربية عبر القرون. وصار الناس اليوم يحسبون رجراجة على العرب بسبب لغتهم العربية لكنهم لا يعرفون أنهم أمازيغ في أصولهم. والمنطقة التي يحكي عنها كاتب المقال الأستاذ عدنان وهي الشياظمة الجنوبية حيث مجي والكريمات وتافتاشت فهذه قبائل بنو معقل.