مواكبة منافسات "الكرة المغربية" تعيد تشكيل الديناميات النفسية الجماعية

مواكبة منافسات "الكرة المغربية" تعيد تشكيل الديناميات النفسية الجماعية
صورة: هسبريس
الخميس 25 يونيو 2026 - 04:00

في خضم الاهتمام الواسع الذي تثيره مباريات كرة القدم، خاصة خلال المنافسات الكبرى التي يخوضها المنتخب الوطني، على غرار نهائيات كأس العالم 2026، يبرز أشخاص يختارون عدم متابعة المباريات أو الانخراط في أجواء الفرجة الجماعية المصاحبة لها، رغم الزخم العاطفي والاجتماعي الذي يرافق هذه المناسبات.

وبينما يُنظر إلى هذا السلوك أحيانا باعتباره خروجا عن المألوف داخل مجتمع تحظى فيه كرة القدم بمكانة خاصة، يرى مختصون أن هذه الفئة تفتح الباب أمام مقاربات نفسية واجتماعية لفهم أسباب ضعف انجذاب بعض الأفراد إلى الظواهر الرياضية الجماهيرية، وتفضيلهم اهتمامات وأنماط تفاعل أخرى مع محيطهم.

إبراهيم الحسناوي، أخصائي نفسي إكلينيكي، قال إن “التفاعل الجماهيري مع مباريات كرة القدم، وخاصة أثناء المنافسات الكبرى، يشكل ظاهرة سيكولوجية واجتماعية بالغة التعقيد، وفي خضم هذه ‘الهستيريا الجماعية’ المشروعة، تبرز فئة من الأفراد تختار العزلة الإرادية وعدم الاكتراث”، موضحا أن “من منظور علم النفس الإكلينيكي، لا يُفهم هذا السلوك كنوع من التبلد الوجداني أو الانعزال المرضي، بل كاستجابة تكيفية تعكس اختلافات جوهرية في البنية المعرفية والانفعالية للفرد”.

وأوضح الحسناوي، في تصريح لهسبريس، أن “التجمعات الكروية تُظهر نموذجا كلاسيكيا لما يُعرف بـ’دينامية الجماعة’، حيث يميل الأفراد إلى تبني مشاعر وسلوكيات الأغلبية لتأكيد الانتماء، ومن منظور إكلينيكي، يتمتع الأشخاص الذين يقاطعون هذه الطقوس بدرجة عالية من ‘الاستقلال المعرفي'”، مضيفا أن “رفض الانخراط في ظاهرة ‘العدوى الانفعالية (Contagion émotionnelle)’ يمثل ميكانيزما لا واعيا لحماية الهوية الفردية من الذوبان في الحشد، حيث يقاوم الفرد الضغط السيكولوجي للجماعة للحفاظ على تفرده”.

من ناحية أخرى، أشار الأخصائي ذاته إلى أن “كيمياء الدماغ تلعب دورا حاسما في تفسير هذا التباين السلوكي”، موضحا أن “الإثارة الكروية ترتكز على إفراز مكثف للناقلات العصبية، وتحديدا الدوبامين، استجابة للمفاجأة وتوقع المكافأة، وفي المقابل تختلف عتبة الاستثارة العصبية لدى الفئة غير المهتمة”، مشددا على أن “أدمغة هؤلاء الأشخاص قد لا تُترجم قذف الكرة نحو الشباك إلى ‘محفز مجزٍ’، كما أن نظام المكافأة لديهم مهيأ سيكولوجيا للاستجابة لأنماط أخرى من المحفزات التي تتطلب إنجازا شخصيا أو تحكما ذاتيا، بعيدا عن الاستثارة الخارجية التي لا يملكون السيطرة عليها”.

وأضاف إبراهيم الحسناوي أن “المباريات الحاسمة تتسم بتقلبات عاطفية حادة تتراوح بين النشوة القصوى والإحباط العميق، وترافقها محفزات بصرية وسمعية مكثفة”، شارحا أنه “بالنسبة للأفراد الذين يتميزون بـ’حساسية المعالجة الحسية’، يُشكل هذا المحيط الصاخب عبئا حسيا وعاطفيا مفرطا، واستنادا إلى نظريات التنظيم الانفعالي، يُعد قرار تجنب المشاهدة استراتيجية وقائية وتصرفا واعيا أو شبه واع لحماية التوازن الداخلي، وتجنب استنزاف الموارد المعرفية في بيئة مشبعة بالتوتر”.

وفي السياق المجتمعي الذي يربط كرة القدم بالانتماء، أفاد الحسناوي بأن “الفرد غير المهتم يواجه ضغوطا تصيغها التوقعات الجمعية، مما قد يعرضه لنوع من ‘الوصمة’ اللطيفة أو المساءلة المستمرة، ومن الناحية الإكلينيكية، يُفَعِّل هؤلاء الأفراد استراتيجيات تأقلم للتعامل مع الشعور المؤقت بالإقصاء الاجتماعي، وغالبا ما تتجه هذه الاستراتيجيات نحو التمركز حول الذات بشكل إيجابي، كاستغلال الهدوء والمساحات الفارغة لتحقيق السكينة، مما يعزز مرونتهم النفسية ويحول الموقف من ضغط اجتماعي إلى فرصة للاسترخاء الفردي”.

وختم إبراهيم الحسناوي توضيحه بالإشارة إلى أن “غياب الشغف تجاه الأحداث الرياضية الجماهيرية هو انعكاس طبيعي لتنوع مسارات المعالجة النفسية، ومن خلال العدسة الإكلينيكية، يتأكد أن هذا السلوك ليس خللا في التفاعل الاجتماعي، بل هو استراتيجية تكيفية تعكس اختلافات صحية في آليات التنظيم الانفعالي، الاستقلالية المعرفية، وطبيعة الاستجابة العصبية لمحفزات المكافأة”.

من جانبه، قال سامي دقاقي، باحث في علم النفس وعلوم التربية بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين الدار البيضاء، إن “الأمر الذي يستحق فعلا أن يُتناول من زاوية سيكولوجية ليس الأشخاص الذين لا يشاهدون مباريات كرة القدم، بل العكس تماما، أي أولئك الذين يبدون ذلك الهوس الكبير بمتابعة هذه المباريات، وخاصة مباريات المنتخب الوطني. كما لو أنهم عبر طقوس الفرجة الكروية بكل ما تحمله من دلالات يعيدون التذكير بانتسابهم إلى الجماعة العريضة؛ أي الأمة، وتأكيد هويتهم الجمعية بالأساس عبر كرة القدم”.

وأشار دقاقي، في تصريح لهسبريس، إلى أنه “في المباريات، يذوب الشعور الفردي في اللاوعي الجمعي، وتتوارى سيكولوجية الفرد لتفسح المجال لسيكولوجية الجماهير، مما يمنح هؤلاء شعورا بالقوة والنشوة مؤقتا، ويُعوض شعور الكثير منهم بالضعف أو التهميش، بل ويحررهم من أشكال الضغوط التي قد يصادفونها في حياتهم اليومية”.

وأضاف أن “هذا الشغف المفرط الذي أصبح يُترجم إلى التوجه المبكر نحو المقاهي، حيث قد يحجز بعض الأشخاص أماكنهم منذ السابعة أو الثامنة صباحا، أو يقضون ساعات طويلة في انتظار موعد المباراة، هو الظاهرة التي تستحق التأمل والتحليل، فالحضور المبكر إلى أماكن الفرجة والمشاركة الجماعية في طقوس التحليل والنقاش الكروي يُعززان تقدير الذات لدى الجماهير عبر التعبير عن الانتماء إلى الفريق/الوطن، فيصبح الفوز انتصارا شخصيا، كما تتحول الهزيمة إلى جرح جماعي”.

وسجل الأستاذ ذاته أن “اتساع دائرة الانتماء إلى طقوس الفرجة لتشمل النساء والفتيات بدوره يثير تساؤلات جديرة بالدراسة”، موردا أن “ولوج النساء والفتيات إلى أماكن الفرجة (الملاعب أو المقاهي والأماكن العامة) وحضورهن بقوة وسط الجماهير الكروية، يكسر حلقة الاحتكار الذكوري للفضاءات الرياضية، وهو في العمق رغبة في البحث عن مساحة عامة محايدة بمنأى عن التقسيمات الاجتماعية التقليدية التي كانت في الماضي تحرم النساء من ولوج بعض الفضاءات، أو تعتبرها واصمة لهويتهن الاجتماعية كنساء”.

لهذا، يضيف دقاقي، “أضحى اقتحام النساء عالم الفرجة الرياضية، وتحديدا في كرة القدم، يعكس تغيرا في مفهوم الأنوثة ذاته، ويترجم انخراط المرأة في طقوس الفرجة التي كانت حكرا على الرجال، تعبيرا عن تحرر تدريجي من صرامة التقسيمات الاجتماعية وانفكاك من أسر الأدوار التقليدية”.

وأشار الباحث في علم النفس وعلوم التربية إلى أنه “يمكن النظر إلى هذا الهوس في علاقته بعدة عوامل، سواء ما يرتبط بالشعور بالمواطنة والانتماء، أو باعتبارات اجتماعية وثقافية أخرى. أما مسألة الأشخاص الذين لا يشاهدون مباريات كرة القدم، فلا أعتقد أنها تحمل الزخم نفسه من الناحية السيكولوجية”.

وأفاد سامي دقاقي بأن “الأمر يشبه إلى حد ما التساؤل عن أسباب عدم متابعة بعض الناس سباقات الخيل أو سباقات السيارات أو غيرها من الرياضات”، موردا أن “عدم مشاهدة كرة القدم قد يكون مجرد اختيار شخصي تحكمه أسباب ذاتية أو موضوعية، ولا يستدعي بالضرورة تفسيرا سيكولوجيا خاصا”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • Chicago
    الخميس 25 يونيو 2026 - 05:07

    أضن يهدا الدفاع مقابلة هولندا سوف تنهي مشوار المنتخب الوطني المغربي. ضاع اللقب .هدمت منازل الأبرياء . ضاع المال . الضحية هو الشعب الرجوع إلى المغرب. مقابلة أخرى تنتظركم يوم الانتخابات .

  • متتبع
    الخميس 25 يونيو 2026 - 07:16

    بماذا سينفعنا متابعة كرة القدم، لاعبين و طاقم يستفيذون من رواتب خيالية و نحن غارقون في أزمة اقتصادية و غلاء المعيشة…. نتمنى من هؤلاء المحللين أن يناقشوا الاشياء التي تستحق الأولوية في الحياة…. هل ك ة القدم أم الاقتصاد و الصناعة و البحث العلمي

  • ملاحظة
    الخميس 25 يونيو 2026 - 09:13

    هناك ملايين البشر مشغولة مع مشاكلها و ظروف الحياة الصعبة و المرص الخ الخ ، ليس مليون او مليونين في كل دولة تمثل عشرات الملايين في هذه الدول ، هذا انطلاع و سائل التواصل فقط التي اغلب الناشطين فيها مراهقين و مؤثرين اما الواقع شيئ اخر

  • هشام
    الخميس 25 يونيو 2026 - 09:52

    طبعا يبحثون كيف ان مخدر الكرة لم يعمل في بعض الافراد، تخدير تام للشعوب بنصر وهمي وانجازات اقل ما يقال عنها تافهة، حتى لو حصلنا على كأس العالم، هل هذا سيغير من حالة الشعب؟ هل غدا ستجد تعليم افضل، مستشفى افضل؟ عمل؟ حياة كريمة؟ نحصل على الكأس اليوم، وغدا تعود لمشاكلك، الفرق انه الدولة بعد ذلك تصبح لديها ميزانية اقل للتعليم والصحة لانها خسرتها في ملاعب تافهة.
    قبل مشاهدة الكرة اطرح سؤال واحد فقط، اذا الوقت الذي ضيعته في مشاهدة الكرة، وضعته في تعلم شيء جديد، وطبق هذا على كل مغربي، في نهاية السنة سنجد ان مستوى الشعب التعليمي والصناعي تضاعف بالملايين، واهتممنا اكثر بمشاكلنا، لكن الدول لا تريد من الشعب ازعاجها بمشاكله بل الابقاء عليه تحت تاثير المخدر.

    قبل وضع ديس لايك، اطرح على نفسك السؤال هل غدا ستجد مستشفى افضل اذا فاز المغرب؟ هل ابنك سيجد مدرسة افضل تصنع له مستقبله؟ هل غدا سيصبح سعر الوقود والطعام ارخص؟

صوت وصورة
دراسات أثرية حول العصر المرابطي
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 00:30

دراسات أثرية حول العصر المرابطي

صوت وصورة
أمطار غزيرة وسيول جارفة بوجدة
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 23:48

أمطار غزيرة وسيول جارفة بوجدة

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 23:20 6

لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي

صوت وصورة
التسعيرة ثابتة و''المازوط'' غالي
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 20:32 5

التسعيرة ثابتة و''المازوط'' غالي

صوت وصورة
عرشان يدعم "حكومة المنصوري"
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 13:42 5

عرشان يدعم "حكومة المنصوري"

صوت وصورة
الاتحاد الدستوري في مقر "البام"
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 12:43 2

الاتحاد الدستوري في مقر "البام"