مَدَاخِلُ إِصْلاَحِ التَّعلِيم (التَّرْبِية، طُرُق التَّوظِيف، المُقَرَّرَات)!

مَدَاخِلُ إِصْلاَحِ التَّعلِيم (التَّرْبِية، طُرُق التَّوظِيف، المُقَرَّرَات)!
الخميس 26 شتنبر 2013 - 14:32

بسم الله الرحمن الرحيم

يعتبر تاريخ المنظومة التعليمية والتربوية بالمغرب تاريخ إصلاحات بامتياز، وهي إصلاحات لا تدل على تغيير من حسن إلى أحسن كما يفترض؛ بقدر ما تدل كل مرة على الفشل الذريع فيما تقدم من برامج وما طبعها من عفوية وارتجال! والإصلاح مقتضاه: (إرجاع الشيء إلى حالة اعتداله، بإزالة ما طرأ عليه من فساد)، غير أن واقعه اليوم هو إلى الإفساد أقرب منه إلى الإصلاح بدليل من أثمر من نتائج وترتب عنه من آثار، تجعلنا كل مرة نتباكى على حال التعليم من قبل.

ومن المحطات التي مر بها إصلاح التعليم، انبثاق اللجنة الرسمية لإصلاح التعليم سنة: 1957، واللجنة العليا لإصلاح التعليم سنة: 1958، ومناظرة المعمورة : 1964 ، ومشروع إصلاح التعليم سنة: 1980 واللجنة الوطنية المختصة بقضايا التعليم سنة: 1994، ثم الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنة: 2000/2010، والبرنامج الاستعجالي : 2009/2012، وحاليا خارطة طريق إصلاح التعليم التي لم يعلن عن تفاصيلها بعد.

وفي كل مرة يعلن فيها إصلاح يخيل لنا في الظاهر أن الغرض من ذلك: الاستفادة من أخطاء الماضي واستشراف المستقبل، واستيعاب التجارب، واكتشاف علل مختلف مواثيق التربية وبرامج الإصلاح، ودراسة مكامن الخلل وعوامل القوة والنهوض، وتحديد أسباب التخلف والسقوط، والإحاطة بالمشاكل العويصة، وإشراك مختلف الفاعلين سيما المباشرين لمهمة التربية والتعليم لتحليل مختلف الجوانب، والاستفادة من الماضي، في بناء خطة مستقبلية ذات أهداف مرحلية، والاهتمام بالأولويات، والتعامل مع المتاح، وعدم خلط الإمكانات بالأمنيات في البرامج والمناهج، والتخلص من التبعية العمياء وثقافة “المغلوب مولع بتقليد الغالب” ما يؤدي إلى استيرد برامج لا تلائم تربتنا وهويتنا؛ فيكون مآلها الموت البطيء، والاستناد على الأطر والكفاءات الوطنية الغيورة؛ ذات الخبرة الميدانية المشهود لها بالكفاءة من أهل الاختصاص. واستحضار جميع التجارب التاريخية الوطنية وغير الوطنية من الأمثلة الناجحة في التعليم كأمثلة للاستئناس بها، والاستفادة منها لاختصار التجربة والبدء من حيث انتهى الآخرون، وعدم السقوط بالحفر نفسها، حتى (لا يُلْدَغ المؤمن من جحر مرتين).

ويحز في النفس أن يكون المجهود المالي المبذول لإصلاح هذا القطاع، لا يختلف كثيرا عما تقوم به بعض الدول المتقدمة في هذا المجال مع مراعاة الفوارق والإمكانات، حيث تمثل ميزانية التربية و التعليم 28 % من الميزانية العامة و7% من الناتج الخام الوطني، ثم تكون النتائج عندنا ضعيفة هزيلة؛ لعوامل أخرى لا علاقة لها بالميزانية … .

ونشهد اليوم إعلان الفشل الذريع للبرنامج الإستعجالى 2009/2012، الذي اعتبر من طرف بعض الخبراء محطة بارزة في الإصلاح، حيث خصصت له اعتمادات مهمة تقدر ب41 مليار درهم، أي بزيادة تقدر ب 33 % عما كان يخصص سابقا لميزانية وزارة التربية الوطنية؛ لكن الإشكال ليس في الميزانية المخصصة بقدر ما هو إشكال في العناصر البشرية من حيثيات مختلفة.

وقد يكون من المفيد في هذا المقام إلقاء الضوء على أهم القضايا التي تحتاج إلى إصلاح، وأراها تكتسي أهمية بالغة:

أولا: الاهتمام بالتربية

مختلف مشاكل المتعلمين راجعة إلى تربيتهم؛ فكلما كان التلميذ مهذبا، قلت معاناته وتقلصت مشاكله، وكثر حرصه واشتدت رغبته في التربية والتعلم، وهذا ثابت بالمنطق وواقع التجربة، ومن وسائل تحقيق هذه التربية: إعادة بناء الرسالة القرآنية في نفوس المتعلمين وربطهم بها، وتمكينهم من لغتهم العربية المحددة لهويتهم وثقافتهم، وإحداث التفاعل مع تراثهم من جديد، بحيث تزال الحواجز بين القرآن والإنسان، والتي خلقت لنا إنسانا مشوها بلا هوية !

وإعادة النظر في مفسدات التربية مما يدرس والذي قد يعتبر وسيلة تعبير وأداة إفهام فقط، كما يحلو لبعضهم أن يشيع، لتمرير وتسويغ مفاهيم وثقافات معينة، وبذلك صارت بعض المفاهيم والأفكار معابر للغزو الفكري، وبدل أن نقدم ما لدينا من قيم إلى الآخر، نترجم ما لدى الآخر إلى لغتنا، ونقبل بالموقع الأدنى في تبعية ذليلة.

ثانيا: إعادة النظر في طرق التوظيف

قد يستغنى عن الكتاب والمقرر وعن أبنية المدارس، ولكن لا يمكن الاستغناء عن المعلم؛ فالمعلم هو أهم ركن في العملية التربوية، وأي نظام يهتم بتحقيق أهداف تعليمية وتربوية معينة، عليه أن ينتقي المعلمين بدقة، علميا وتربويا، لتحقيق تلك الأهداف.

والواقع بحاجة إلى معلم قدوة في الفضائل والأخلاق، مع تمكن تام من المادة؛ فلا ينفع صاحب الخلق القليل المعرفة؛ كما لا ينفع صاحب المعرفة القليل الخلق. فاختيار المعلم المناسب وإعداده، إصلاح للمتعلم، بل تصويب للعملية التربوية برمتها.

والذين لا يريدون للتعليم أن ينجح يعون جيدا أهمية الرسالة التي يقوم بها المعلم وأثرها، لذلك يحرصون جاهدين على إفراغه من محتواه، ومحاربة الغيورين عليه، إلا من عرف أنهم لا يحركون ساكنا ولا يوقظون نائما.

ودور المعلم لا يقتصر على توصيل العلم من الكتب إلى عقول المتعلمين، وختم البرنامج الدراسي في نهاية العام، بل يتعداه إلى بناء شخصية المتعلم، وتنمية عقله، وتهذيب سلوكه، وإعداده إعدادا سليما.

ثالثا: تجديد المقررات

والمطلوب من واضعي المقررات والمناهج عدم الاقتصار على دراستها من الداخل، وإنما أيضا دراسة تيارات التغريب والاستلاب الحضاري، التي تؤثر في وضع هذه المقررات ورصد تأثيرها وأثرها، وكيفيات التعامل معها.

وعملية تغيير المناهج والمقررات لابد أن تسبق باكتشاف مكامن الخلل في المقررات الحالية، والإدراك الكامل لآثاراه التربوية وما فيه من منافذ تغريبية، وتحليل ذلك وربط مختلف المواد بالهوية الإسلامية، في ضوء السنن التي تأخذ بالاعتبار الإمكانات المتاحة، والظروف المحيطة، والميراث الثقافي والحضاري، وعقيدة الأمة، ومعادلتها الاجتماعية، وحالتها الثقافية.

وإعادة النظر في الكم على حساب الكيف وتربيته على فكرة صحيحة، ولو مع علم قليل، خير من علم كثير بلا تربية.

[email protected]
www.facebook.com/karimkallali

‫تعليقات الزوار

10
  • khalid
    الخميس 26 شتنبر 2013 - 15:15

    A commencer par les professeurs de l’éducation islamiques pas tous mais la plupart notent sur la base de hijab

  • لا إصلاح بدون الأمازيغية
    الخميس 26 شتنبر 2013 - 15:49

    وتمكينهم من لغتهم العربية المحددة لهويتهم وثقافتهم !!!
    لا إصلاح للتربية و التعليم بدون العودة إلى لغة أمّ المغاربة اللي هي اللغة الأمازيغية. فلا يربي و يعلّم الأطفال و الناشئة في المدرسة بلغة ليست لغتهم الأمّ إلاّ الأحمق… أنظروا لأوروبا, إتحدوا في كل شيء بإستثناء اللغة.

  • sifao
    الخميس 26 شتنبر 2013 - 17:28

    1- الاهتمام بالتربية
    كلما كان الطفل مشاكسا ومتمردا على المألوف من السلوكات كلما فجر طاقاته الابداعية الفكرية والجسدية ، فيصير عالما فذا أو رياضيا محترفا أو فنانا مبدعا ، لان الجديد يكمن دائما في اكتشاف المجهول وتحطيم حدود المألوف والمعلوم
    النكسة الاولى للتعليم بالمغرب بدأت مع سياسة التعريب الشاملة ، سلخ المواطن عن هويته المغربية والالقاء به في متاهات الشرق وأحزانه ، العربية لغة الشعر في سوق عكاظ والخطابة في المساجد ، والمعضلة الثانية هي طغيان الخطاب الديني على الجو التعليمي العام في المؤسسات ، ما يبنيه استاذ العلوم يهدمه استاذ التربية الاسلامية
    2- طرق التوظيف
    التعليم ليس مهنة وانما رسالة انسانية مثل الطب ،هدفهما الاول والأخير هو خدمة الانسان ، لذلك لا تكفي الكفاءة العلمية والمهنية ليكون الاستاذ مربيا ناجحا . التشبع بالقيم الوطنية والانسانية ضروري جدا لأداء رسالة التربية والتعليم
    3- تجديد المقررات
    هل يمكن وضع مناهج تعليمية دون الاستعانة بنتائج ابحاث علم النفس الوظيفي و الفارقي و السلوكي ؟ مستحيل ، وهذه العلوم من انتاج علماء غربيين ، فاذا كان هذا ما تعنيه بالاستيراد، ارينا منتوجك .

  • AMAZIGH MUSTAPHA
    الخميس 26 شتنبر 2013 - 21:24

    كيف كانت لك الجرأة لتقول "وتمكينهم من لغتهم العربية المحددة لهويتهم وثقافتهم" لا يمكننا الحديث عن الاصلاح دون العودة الى الحقيقة التاريخية, فالسبب الرئيسئ في فشل البرامج التربوية التي ذكرتها في مقالك هو طغيان الجانب الاديولوجي عليها, حيث لم يتم انصاف اللغة الامازيغية التي هي اللغة الام لشمال افريقيا وليس المغرب فقط, فامثلك وأمثالك كثيرا ما يساهمون في هذا الافشال

  • iman
    الخميس 26 شتنبر 2013 - 21:41

    أمثالكم هم من أعدموا تعليم المغرب : تقليص عدد الساعات الرياضيات والمواد المتفتحة لشحن التلميذ بالفكر الإسلامي ،نقاشات بزنطينية بلا فائدة تجعل التلميذ أو الطالب" كحمار الناعورة" ينغمس في نقاشات عديمة المنفعة ولمواضيع تخص إبن تيمية وبن هريرة ،إلخ .

  • فقير وطن
    الجمعة 27 شتنبر 2013 - 10:05

    كل هذا كلام في كلام كسابقه لما قيل في التعليم لا يجدي ولا ينفع لأنه يرى الواقع بمنظار أحادي ضيق الرؤيا ومحدود الآفاق. فلنكن واضحين ونرى ما الفرق بيننا وبين الدول المتقدمة.
    في التربية، أطفالهم تعودوا منذ الصغر على سماع الأب أو الأم غالبا تحكي وتقص عليهم قصة أو حكاية مشوقة من ورائها رسالة عبرة عندما يئمون فراشهم قبل النوم وفي الوقت المحدد.
    في المدرسة، يكون الحافز ما يمارسونه من أنشطة في الرسم والتعبير والموسيقى والرياضة والرحلات لزيارة المعارض والمتاحف والاستكشاف والتعرف على الجديد من الثقافة ومعارف ومهارات تجريبية.
    في المجتمع، تجتمع لديهم كل القيم والأخلاق الحسنة في التعامل والمعاملة المتبادلة باحترام وتطبيق للقانون على الكل وبدون استثناء.
    في السياسة، يتجاوزون الخطابات ويعملون وفق برامج ملموسة في شفافية ووضوح خاضعة للتقويم والمحاسبة باعتماد حرية التعبير والمنافسة الشريفة.
    في الدين، يعملون وفق تعاليمهم ويحترمون الآخر ما دام يحترمهم.
    باختصار، يقدرون الإنسان ويعتبرونه أساس التنمية والتطور. إيمانا منهم بكفاءته وقدرته على حل إشكاليات الحياة وضمانا لبقاء الأجيال ما دامت الحياة موجودة للجميع.

  • عابر سبيل
    الجمعة 27 شتنبر 2013 - 10:46

    حتى تعليقات القراء فيها الكثير من التشنج والتعصب كل حسب هواه وخلفيته..ياللعجب
    فكيف تريدون لمن تسند لهم مهام "اصلاح" التعليم ان يصيبوا الهدف وهم اكثر القوم خضوعا للهوى والخلفية؟؟
    الاصلاح يعني باختصار واضح سهل: تحديد 'القطعة الفاسدة او المنتهية صلاحيتها' والعمل على اصلاحها لتعاود الاشتغال او تبديلها باخرى' بلغة الميكانيك. قولوا لنا:
    – ما العطب
    – اين العطب
    – هل يمكن اصلاح 'البياسة'
    – ان نعم كيف تصلح وان لا كيف تبدل بغيرها.
    عمل تقني محض يقوم به اصحاب النوايا الحسنة…
    ماهي اعطاب البرنامج الاستعجالي؟ اكشفوها…قولوها…حتى لا نقع فيها
    الامر واضح جدا جدا وبلا كذوب على الامة… التعليم دخلته السياسوية (واستعمل ال'مفردة' للتلميح لدور السياسي ) اهواء السياسيين وتوجهاتهم المذهبية والايديولوجية حسب ادعاءاتهم، وياليتهم كانوا مؤمنين بما يدعون…
    ثلاث مكونات اساسية: 1) التلميذ 2) الاستاذ ثم 3) البرامج (المقررات والمناهج اضافة الى التجهيزات)
    اين العطب فيها؟؟
    يضاف الى ذلك وهذا هو الاهم عقلية المغاربة او اغلب الاباء الذين لا يريدون الا المعدلات المرتفعة .
    التعليم وسيلة لتحقيق التربية والتكوين والبحث..

  • mohamed
    الجمعة 27 شتنبر 2013 - 17:39

    إن اللغة الأم لمغاربة هي العربية بلامنازع كونهم مسلمين رضوا بالله ربا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا ونبيا وبالقرآن الكريم كتابا مقدسا منزلا من العلي القدير وهو دستورهم فلا يليق أن تكون لهجة لغتهم ـياصاحب اتعليق2

  • العربي المزوز
    السبت 28 شتنبر 2013 - 21:37

    أشاطرك الرأي صديقي عبد الكريم فيما تراه.
    وأخالف كل من يكًنّ العداوة للغة العربية لغة القرآن من العلمانيين وأذناب المسعمرين، مع عدم إقصائي للغة الامازيغة، التي نحتاجها للتواصل مع إخواننا الامازيغ.

  • malk
    الإثنين 30 شتنبر 2013 - 12:27

    A mon avis il faut d'abord préciser le but de notre enseignement qui est flou et ensuite procurer les moyens:formation .. ,pédagogie,matériel nécessaire ….et écarter les gens qui n'ont pas le souci de la réforme seuls les gens compétents y participent et je crois pas qu'avec une bonne volonté on ratera le but mais bien sur les éléments perturbateurs doivent s'éclipser?les réformes dites échouées; c que ceux qui les adressées ont escompté ces résultats .je dis ça c pas pour apprendre le coran comme a dit le mr mais pour les préparer à la vie de notre époque les sciences ,les langues et tt ce qui peut être utile pour l'avancement de notre pays et l"évolution de notre peuple

صوت وصورة
الطفولة تتنزه رغم الوباء
السبت 16 يناير 2021 - 22:59 3

الطفولة تتنزه رغم الوباء

صوت وصورة
حملة للتبرع بالدم في طنجة
السبت 16 يناير 2021 - 22:09 1

حملة للتبرع بالدم في طنجة

صوت وصورة
عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب
السبت 16 يناير 2021 - 17:11 6

عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب

صوت وصورة
جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال
السبت 16 يناير 2021 - 15:55 10

جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال

صوت وصورة
مؤتمر دولي لدعم الصحراء
الجمعة 15 يناير 2021 - 22:35 8

مؤتمر دولي لدعم الصحراء

صوت وصورة
قافلة كوسومار
الجمعة 15 يناير 2021 - 21:34 1

قافلة كوسومار