تعد الانتخابات التشريعية بمثابة دينامو استكمال بناء الصرح الديمقراطي في مختلف بقاع المعمور، إذ دأبت مختلف الدول على تنظيمها وذلك من أجل ضمان دوران عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتعبير عنها في قالب سياسات عمومية من شأنها أن تستجيب لمبدأ استمرارية المرافق ومن ثمة ضمان استجابتها للخدمات المطلوب منها الاضطلاع بها، غير أن مضمون هذه السياسات لم يأت من العدم وإنما جاء كنتيجة لبرامج حزبية ثم التباري من خلالها من قبل الأطياف المشكلة للمشهد الحزبي والسياسي الأمر الذي لا يتم التمييز فيه بين أغلبية ومعارضة ، إذ أنه من المفروض في المنظمات الحزبية أن تتبارى إبان الذروة الانتخابية التشريعية عبر برامج بتقاطع فيها الاقتصادي بالاجتماعي ثم الثقافي.
إن المغزى من كتابة هذا المقال ليس الوقوف على التجارب الانتخابية التشريعية الأجنبية ، وإنما لمناقشة وتحليل رهانات الانتخابات التشريعية المغربية المنتظر تنظيمها خلال شهر أكتوبر المقبل، غير أننا ارتأينا أن نتطرق لمعالجة هذه الظاهرة من خلال التطرق لعلاقة الناخب والمنتخب باعتبارها أساسا حقيقيا للتنافس بين الأحزاب السياسية المكونة للمشهد الانتخابي المغربي من جهة ، وانطلاقا من كونها الفيصل في ضمان البقاء للأصلح.
ونحن على بعد شهرين بالضبط عن تنظيم الاستحقاقات التشريعية لسنة 2016 ، وانطلاقا من حالة الترقب التي تطال شريحة عريضة من مجتمعنا ، وانطلاقا من مجموعة من الاعتبارات والممثلة أساسا في :
سيادة اتجاه التصارع والتضاد بين مجموعة من الزعامات الحزبيىة،
الشعبوية المفرطة في محاولة لاستمالة أوسع للناخبين،
الإدمان على وسائل التواصل التكنلوجي ” فايسبوك، واتساب، وتويتر’ وغيرها في تمرير المعلومة وضمان اتساع رقعتها و لوكانت مغلوطة وغير ذات سند حقيقي،
الاستبعاد البارز للأطر والكفاءات من المشهد الحزبي ، ما زال يكرس لاستفحال ظاهرة الشيخ والمريد داخل منظومتنا الحزبية،
سيادة توجه باك صاحبي في إسناد المهام الحزبية الخ…
إن المتأمل في مشهدنا الحزبي الحالي ، ليمكنه أن يجزم ولأول وهلة بأننا داخل حلبة مصارعة قوامها جبر خاطر الموالين والأقرباء ، أمر يمكننا أن نستشف من خلاله بأن الأمر ليعدو أن يكون غنيمة يتم تقسيمها بين الصديق والقريب ، في وقت يتم فيه الاستبعاد التام للأطر والكفاءات التي ولو أعطيت لها الفرصة ستساهم وبدون شك في إعادة ترتيب أوراق البيت الحزبي والسياسي بشكل قوامه الحرص على إطلاق ورش وطني عنوانه المصالحة بين الناخب والكتلة الحزبية.
إن الحديث عن الكفاءات الوطنية في هذا المقال ليس من أجل الإطناب أو المغالاة، وإنما بهدف تسليط الضوء على واقع المغرب الجديد، مغرب بدستور فريد من نوعه ، وثيقة دستورية تتضمن مجموعة من الصلاحيات الاستثنائية والإيجابية التي لم تمتلك بعض الدول وفي ظل الربيع الديمقراطي جرأة الإعلان عنها وترسيمها في دساتيرها، إنها بالفعل حالة التفرد الإيجابي الذي يعيشه المغرب وخاصة من خلال الصلاحيات الواسعة التي تم منحها للسلطة التنظيمية ناهيك عن الصلاحيات الجديدة والاستراتيجية التي أصبحت تضطلع بها الجماعات الترابية، ومن هذا المنطلق فإن واقع الحال لا يحتاج لا إلى شعبوية ولا إلى استعراض عضلات ولكنه يتطلب من الفاعلين الأساسيين في اللعبة السياسية – الناخب والأحزاب السياسية- وقفة تأمل عميقة عنوانها واقع جيل الحاضر و انتظارات جيل المستقبل.
لعل المتأمل في خطاب العرش لسنة 2016 ، ليمكنه أن يستشف من ثناياه بأن عنصر الكفاءة قد أصبح لازمة لاستكمال بناء الصرح الديمقراطي ببلادنا، هذا الأمر يجب من جميع الفاعلين المجتمعيين ناخبين ومنتخبين استيعابه والعمل على تنزيله على أرض الواقع ، الأمر الذي يمكننا بلوغه من خلال ثلاث ركائز أساسية:
عمل الأحزاب السياسية على إعادة النظر في مسألة منحها للتزكيات ، وعدم حصرها في مالين الشكارة ، لا لشيء إلا هاته الشريحة وإن أخضعناها لعملية التشريح السياسي الدقيق سنجد بأن شغلها الشاغل يتجلى في تحقيق المصالح الشخصية الضيقة ، فئة لطالما اعتادت الترحال السياسي أمر لا زال يعبر عن انتهازية هاته الفئة، وبالتالي وجب التفكير في استقطاب أطر وكفاءات رأسمالها الوحيد هو التعاقد البرنامج مع الناخب أي المواطن،
ضرورة عمل الأحزاب السياسية على إعادة النظر في مسألة تأطير الناخب ، وتغيير طريقة تعاملها معه وكأنه غاية من أجل بلوغ وسيلة إبان الذروة الانتخابية ، وتعويضها بمنحى التواصل الدائم والمستمر مع شريحة الناخب من خلال منتخبيها، وجعل منتخبيها سفراء لنقل تطلعات وانشغالات الناخب ومن ثمة محاولة التعبير عنها في قالب سياسات عمومية عنوانها الناخب في خدمة المنتخب،
السهر على إعداد برامج انتخابية واقعية ، برامج من اللازم فيها القطع مع الخطاب البيروقراطي العقيم، وتعويضها ببرامج تشاركية يتم إعدادها من قبل الناخب والمنتخب ويتم السهر من خلالها على احترام الخصوصية الجهوية ، مما سيمكننا لا محالة من تحفيز شريحة واسعة من المواطنات والمواطنين من استعادة الثقة المفقودة في مشهدنا الانتخابي ومن ثمة التخفيف من استفحال آفة العزوف السياسي ببلادنا ،
إن مغرب العهد الجديد، لم يعد يقبل بمنتخبي المقاعد، وإنما أصبح يتطلع لمنتخبي الميدان، القادرين على فتح قنوات للتواصل المستمر مع كافة شرائح المجتمع المغربي، وخاصة الشابة منها، هذه الأخيرة التي جعلت من العالم الأزرق ملاذا لها من أجل التعبير عن تطلعاتها ، هذا العالم الذي أصبح بمثابة أحزاب سياسية الكترونية شبابية ، يتم فيها تقييم السياسات العمومية تارة، وتفعيل مبدأي المساءلة والمحاسبة الدستوريين تارة أخرى، نقاشات واسعة من الأهمية بمكان، نقاشات ولو تمت داخل منظومة الأحزاب السياسية كانت ستمد بلادنا بكفاءات وأطر من شأنها المساهمة في إغناء النقاش العمومي ومن ثمة مد المنظومة الحزبية ببنك حي من الأطر والكفاءات المتعددة التخصصات ، غير أن واقع الحال يبرز لنا وبكل وضوح بأن أحزابنا السياسية لا تقوم بدورها التأطيري باعتباره مهمتها الرئيسية.
إن الأمل معقود على كل الفاعلين المجتمعيين من أجل إنجاح ثاني استحقاقات تشريعية في ظل دستور 2011 ، وذلك من خلال تكثيف جهودنا جميعا أحزابا سياسية بتقديم مرشحين أكفاء وناخبين من خلال التصويت على الأصلح ذلك أن التصويت أمانة عنوانها حاضر ومستقبل بلدي.
*أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس- كلية العلوم القانونية، الاقتصادية والاجتماعية السويسي الرباط
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.