هذه أبرز أسرار الشعر الشفوي في موسيقى "العيطة" المغربية

هذه أبرز أسرار الشعر الشفوي في موسيقى "العيطة" المغربية
الجمعة 15 يونيو 2018 - 04:15

نادرة هي الكتب التي تتناول تاريخ تراثنا الشفهي، بمختلف أنواعه.. وفيما يتعلق بفن العيطة، فيمكن القول بأنها معدودة على أصابع اليد، ولعل أبرز الكتب التي تناولت الحديث عن هذا الفن الذي يؤصل لحقبة مهمة من التاريخ المغربي هناك كتاب “غناء العيطة: الشعر الشفوي والموسيقى التقليدية في المغرب” بجزءيه للكاتب والشاعر حسن نجمي.

ويعرف نجمي العيطة في كتابه بكونها ذلك الفعل الإبداعي الذي يتحقق كنصوص شعرية وموسيقية وغناء ورقص، ويتم في شكل أداء جماعي، وتلهم كما تلهب إيقاعاته العروبية وكلماته القوية حماس السامعين. قائلا: “إن فن العيطة هو تراث ثقافي وفني حي يمتلكه المغاربة، وهو قادم من أزمنة بعيدة. من عناصر استمراره ارتباطه المكين بوجدان المغاربة. تعبيرا عن وجودهم الاجتماعي والثقافي في فضاء معين وفوق خريطة معينة”.

ارتبط ظهور هذا الفن بقدوم القبائل العربية إلى المغرب واستقرارها فيه، حيث يقول الكاتب: “العيطة هي موسيقى تقليدية مغربية تنحدر من أصول عربية مرتبطة بتاريخ انتشار القبائل العربية، وخصوصا قبائل بني هلال وبني سهيل وغيرهم من القبائل العربية التي جاءت في نهاية القرن الحادي عشر ميلادي واستقرت في مناطق المغرب الكبير”. موردا أنه لوحظ في بداية ظهوره على أنه امتداد واضح لبعض النماذج الشعرية الشفوية التي ظلت سائدة في مصر ولبيا وتونس إلى اليوم.

يؤرخ نجمي لفن العيطة في كتابه قائلا إنه انتشر في القرن الثاني عشر ميلادي، وسمي في أول ظهوره في البوادي المغربية باسم “الحوراني” نسبة إلى حوران جنوب دمشق، ثم انتقل إلى الحواضر المغربية وتنوع مع مرور الزمن إلى أن استقر في نوعين رئيسيين هما “الكريحة” و”العيطة”. مضيفا: “أما القصائد الشعرية التي شكلت منطلقا لغناء العيطة فهي قصائد كانت تسمى بقصائد العروبي وكان يرتجلها دون تدوينها عرب المغرب، لذلك ظل طابعها العام هو البداوة والشفوية”.

ويؤكد الشاعر والباحث المغربي في كتابه أنه على الرغم من التطور الذي عرفته العيطة فإن مجموعة من نصوصها اختفت كما تم تحريف أخرى، ويرجع هذا إلى كون الشعر المستعمل في هذا الفن هو شعر شفوي لم يعرف التدوين، ولم تصلنا إلا النصوص الشعرية التي أنتجت في القرن التاسع عشر لكونه قرن “العيطة” بامتياز، نضجت فيه النصوص شعريا وموسيقيا، كما وفر لنا الكثير من المعطيات النصية.

ويوضح نجمي أنه في هذه الفترة التاريخية كان هناك ارتباط لهذا الفن بالظاهرة القايدية التي سادت في المغرب آنذاك، خصوصا أنها ظهرت أساسا في مناطق ومواطن الغناء “العيطي”، مضيفا: “لهذا، نجد في المتون الشعرية العيطية التي انبثقت من فضاء القرن التاسع عشر حضورا مكثفا لأسماء وملامح وأصوات كبار قائدي الجنوب وكذلك أفعالهم وتصرفاتهم سلبا وإيجابا”.

ويشدد نجمي على الدور الذي لعبته العيطة إبان فترة الاستعمار قائلا إن اسم هذا الفن يعني أساسا الدور الذي لعبه أيام الاستعمار، “فنجد كلمة عيط التي تعني نادى”، وهي دليل على أن هذا الفن كان يستعمل “كأداة للنداء ولإذكاء حماس الشعب المغربي التواق للاستقلال. فكان أداة لحث المقاومين وتعبئتهم ضد المستعمر الفرنسي، كما استعمله المقاومون المغاربة لتمرير رسائلهم إلى الخلايا السرية، وقد منع رجال الاستعمار أيام الحماية إنشاد أو غناء بعض أنواع القصائد في الأسواق والساحات العامة التي كانوا يعتبرونها تحريضية وقابلة للتثوير، وقد لفت دارسون إلى مساهمة الاستعمار في تمييع هذا الفن والإساءة إلى غناء العيطة”.

ولم يفت نجمي الحديث في كتابه عن الآلات التي استعملت ولا تزال تستعمل في أداء فن العيطة قائلا إنها تطورت سواء على مستوى الأشعار أو اللحن، فبالنسبة إلى الأشعار انطلقت بأشكال أولية بسيطة شبه بدائية الروح والمعنى، وكانت الألحان تلقائية عفوية وبأدوات بسيطة إيقاعية كالطبل والبندير والدف والمقص، وعزفت فيما بعد بآلات النفخ، ثم عرفت الأدوات الوترية كالرباب فالكنبري وصولا إلى توظيف الكمنجة ابتداء من نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر. أما آلة العود فلم تستعمل في الأداء الموسيقي “العيطي” إلا في النصف الأول من القرن العشرين. مشيرا إلى أنه مما سهم في تطور واستمرار العيطة ووصولها إلينا بالشكل الحالي نجد ظاهرة استعراب السكان الأمازيغ للبلاد وانسجامهم مع اللغة العربية هذا إضافة إلى خلق لغة عربية عامية.

وتحدث الكتاب أيضا عن أقسام هذا الفن، مشيرا إلى وجود “العيطة الجبلية في شمال المغرب، العيطة الغرباوية في منطقة الغرب شراردة بني حسن، ثم العيطة الزعرية في نواحي الرباط سلا، والعيطة الملالية التي تنتسب إلى مدينة بني ملال والنواحي، ثم العيطة الفيلالية في إقليم تافيلالت والراشيدية وأرفود ونواحيها، والعيطة الحوزية في مراكش ونواحيها وصولا إلى منطقة الرحامنة، والعيطة العبدية في آسفي وجزء من منطقة دكالة، والعيطة المرساوية والتي تنتشر في الدار البيضاء والسطات وصولا إلى مدينة واد زم، وأخيرا العيطة الشياظمية في نواحي الصويرة”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • لا للفجور
    الجمعة 15 يونيو 2018 - 05:25

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة مزمار عن نعمة ورنة عند مصيبة ..
    وقال ايضا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر يعني الزنى والحرير والخمر والمعازف حديث صحيح فيا ألله انظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم يستحلون بأنها حرام
    بالله عليكم أنكون بعد هذا الحديث ممن يستحلون ما حرم الله تعالى
    ونقول بأنه الفن اي فنون تتكلمون عنه هل الفن الذي يستحل الزنى هل الفن الذي يستحل الخمر والمعازف هل الفن الذي يكثر الدياثة في الميدان في ظل موت الغيرة عند كثير من الناس ألا فالترجعون إلى الله تعالى توبوا قبل أن تقول نفس يا حسرتاه على ما فرطت في جنب الله وان كنت لمن الساخرين. ……!

  • wwe
    الجمعة 15 يونيو 2018 - 06:34

    دابا خرج رمضان آرى حالك العيطة والنشاط والمهرجانات والطاسة والقرطاصة وسحيق الراجلين

  • زهير من الرباط
    الجمعة 15 يونيو 2018 - 07:32

    غير ان العطية التي تتسم بالغناء ذو الأصوات الجميلة و الصعبة في الاداء، شوهت بأصحابها حين استعمالهم الخمر و المخدرات و حتى الزنى .خصوصا بعض النساء منهن اللواتي ينعتن بالشيخات مما أعطاها طابع قدحي في وسطننا المغربي.

  • الطاهر
    الجمعة 15 يونيو 2018 - 09:27

    من الذين اهتموا بدراسة العيطة الأستاذ بوحميد ابن مدينة آسفي رحمه الله.فقد ارخ لهذا الفن الأصيل .ووفاه حقه وذهب إلى حد تحليل نوع الطين الذي تصنع منه التعريفة.بل تزوج بمغنية(شيخة).وكان يتابع سهراتها .
    السي حسن نجمي ايضا ابن العلوة ساهم في إغناء هذا الفن بدراسته.

  • الرياحي
    الجمعة 15 يونيو 2018 - 09:38

    كان المزوج أو " المكرونةpetite clarinette double à anche simple ,la respiration est circulaire "ؤمعه الطعريجة والمقص يصاحب العيطة.تبدأ العيطة بالدخلة حيث يعبر العازف عن مهارته ويحدد المقام أساسا مقام "سيكاه" مصور على "الصول" (بالنسبة لألة المزوجlongueur 30 cm environ ) دخول مقام "عجم" دخل تأثيرا بالموسيقى الأندلسية .ثم الفراش والغطاء بإقاع سريع مصحوب برقصة قد تكون فوق الجفنة حيث يستعرض الشباب قوتهم البدنية.كل هذا طبعا متداخل مع الموسيقى الأمازغية صوتا وإقاعا خاصة في الجهات المجاورة للمناطق الأمازغية مثلا غناء عبيدات الرمى أظن أنه أمازغي معرب. على كل حال العيطة بكل تنوعاتها من إبداع المغاربة ولا داعي لربطها ب"الأشقاء " العرب" إنها فرجة تخص المغرب وحده ولذا يجب بإعتباري دعمها لتصبح موروث إنساني.
    دخول الآللات العصرية ميعت بعض العيطات وأفقدتها ذوقها الحلو وهذا كلام آخر.حالمغاربة يحتقرون مسيقاهم فلا أحد من كبار الموسقيين دون نوتة العيطة وتركوها للضياع وعوضوها بالخليجي.
    خاتمة : العيطة إبداع مغربي جماعي عربي/ أمازيغي يعبر عن لحمة الشعب المغربي وهذا درس لللحاضر والمستقبل

  • عروة
    الجمعة 15 يونيو 2018 - 13:34

    لا علاقة للعيطة بتراث القبائل العربية القادمة من المشرق. وإنما هي ظاهرة «قايدية»، نسبة إلى قواد الاستعمار الإقطاعيين الذين كانوا يجبرون سكان البوادي المغربية الفقراء على مرافقتهم في رحلات الصيد لإنفار الوحيش عن طريق الصراخ والهرج والعجيج والضرب على الآلات البدائية مثل «الطعريجة» و«المقص»… إنها ظاهرة تؤرخ للعبودية. أما الذين يحتفون بمثل هذا الفلكلور من «المثقفين»، فباعثهم على ذلك مركب نفسي شوفيني خطير تجاه التراث المغربي الوطني الأصيل الذي يعدونه، خطأ، تراثا خاصا بالطبقة الحاكمة. إن في الأمر مزيجا من أثر البداوة وبقايا «التياسر» الشعبوي. ثم إنه لا علاقة لتسمية الحوراني بمنطقة «حوران» السورية، وإنما سمي كذلك نسبة إلى الكلمة العربية الفصيحة «حور»؛ والحور، كما جاء في «صحاح» الجوهري، هو الرجوع والنقصان والهلاك؛ قال لبيد: «وما المرء إلا كالشهاب وضوئه…يحور رمادا بعد إذ هو ساطع». وفي الحديث: «نعوذ بالله من الحور بعد الكور»، أي من النقصان بعد الزيادة. وقد ذكرتم قبائل «بني سهيل»، وهو خطأ، والصواب: «بني سليم» بضم السين وفتح اللام. والسلام على هسبريس الهمام…

  • salah
    السبت 16 يونيو 2018 - 08:17

    النص الأساسي في العيطة هي العلوة التي تتغنى بصلاح الشاوية حكت لي استاذة رحمها الله تنحدر من المنطقة ان رجال الشاوية يحفظون ابناءهم هذه القصيدة كما يحفظون لهم القران أين هذا النص وهل بعجز الباحثون عن إيجاده او محاولة تركيبه حتى يطهر الأصلي .

صوت وصورة
أثمنة اللحم البلدي والمستورد
السبت 24 أكتوبر 2026 - 17:56 7

أثمنة اللحم البلدي والمستورد

صوت وصورة
ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء
السبت 24 أكتوبر 2026 - 14:38 18

ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48 8

قفزة جديدة في أسعار الدجاج

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 5

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 20

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب