أتذكَّر يوم حظرتُ رفْقة والدي، في ثمانينيَّات القرن الماضي، درسًا لفقيه بالجامع الكبير، وكانت لنا وقْتَها نِياتٌ رهيفةٌ.. نستمع لتفسير سورة الجنِّ، حينئذٍ استرسل وأكَّد على “ضرورة التسليم والإيمان، بما أسماه السلسلة”، تلك التي عِقْدُها التصديق بما أنزل الله مع سيدنا جبريل عليه السلام، لكي يُبلِّغنا إيَّاه خيرُ الأنام (صلى الله عليه وآله وسلَّم)، وأنَّ “مسألة الجنِّ” من بين ما جاء في هذا القرآن الحكيم.
كان منطقه مُتَّسقًا ومتناسقًا إلى حين من الأيام، حضرتُ فيها محاضرته بنفسي، في غير ذاك المسجد العتيق، فأمضى يهاجم الشاعر أبا القاسم الشَّابِّي، في بيته الشهير:
“إذا الشعبُ يومًا أراد الحياةَ *** فلا بدَّ أن يستجيبَ القدرْ”
كان يتساءل وهو محمرُّ الوجنتين: كيف لقدر الخالق أن يستجيب لإرادة البشر؟
حينها لم أكن أبالي بمناقشة أفكار هؤلاء، الذين كنَّا نراهم فوق أبراج الوعظ.. على كل حال! وكنت أُتمتِم بيني وبين نفسي: هذا خيال فني للشاعر، والأهم في ذلك أنَّه كان يستنهض الهمم من أجل مواجهة الاستعمار، كذلك قال لي عقلي: ربَّما كان يقصد أن يستجيبَ الشعبُ قدَره بالكفاح..
ومضت السنون والأيام، فارتقى الفقيه وتدكتر، ثم وقف وقْفةَ عثْرةٍ لأولئك الذين لطالما عاتبوه، بما أسموه “تبذير تبرُّعات المحسنين في زخرفة المساجد”، كان يردُّ عليهم بقوله: “ليس من دورنا بناء المعامل.. نحن بنينا المساجد وأنتم للمعامل فابنوها”، وقف معارضًا لإعمال تقنيَّة الحمض النووي في خصومات إثبات النسب، بحجَّة أن ذلك “سيُسقط تطبيق آية اللعان(1) بين الزوجين في حال تنازعهما”.
لم يكن بذلك بُدٌّ إلا أن يسقط بدوره من ذاك البرج، ومن مخيَّلتي واعتباري على حدٍّ سواء..
مُذ حلَّ عام “الفيل” كما كان يحلو للبعض تسميته، متوقِّعًا لما سيعقُب سقوط الاتحاد السوفياتي، عرف الصراع العربي الإسرائيلي بين 2000 و2006 طفرة جديدة في لبنان، خصوصًا إبَّان سقوط جدار صدَّام العظيم في 2003، باتت فتاة “المقاومة” تتوكَّأ وتنمو.. كانت الزيارات للمراقد مَشْيًا حينها، وكانت ومآربُ أخرى.. كلُّها مرَّت من هناك، من طهران إلى بيروت.
ثم حلَّت إذَّاك موجة شرسة كأنَّها خيوط عنكبوت، كانت تُحاك من فوق تلك الأبراج، التي سلْسَلت عقولنا بسلاسلَ، كنَّا نسمِّيها عذرًا “محاضرات”!.. نُسجت من أجل شيْطنة ما يسمُّونه “حزب الله” في لبنان.
ربَّما كان ذلك مفهومًا، خصوصًا إذا ما تعلَّق الأمر بـ”حفظ النَّسق العام وصون عقيدة التسنُّن”، لكن الذي يُعاب على أصحاب تلك الحملة، هو ممارستهم للوصاية على الجمهور.. وصاية الفقيه(2)، ذلك الذي كان يدعو الشباب “للفصل بين الإنجازات العسكرية والعقيدة”..
ولكن هل للإنجازات العسكرية أن تكون دون عقيدة؟! وما موجِب هذا الفصل؟
مضيت أبحث في زمن “السماوات المفتوحة”، وقد تيسَّر فيها كل شيء؛ إلا التجرد والموضوعية، لا يُنال نصيب منه؛ بقليل من الجرأة والشجاعة الأدبية، فقرَّرت أن أشكَّ حينئذٍ في كل شيء، وأن أُفرغ عقلي من كل شيء، كي أبدأ من لا شيء.. أن أتساءل كيف ولماذا يمتعِضون من هذه العقيدة؟
ما موجِب حرق الصحابة للسُّنَّة النبوية الشريفة في “خير القرون” كما يقولون، ونحن ليس لنا قرون، كي نستوعب حُجَّتهم أو كما قالوا: “تجنُّبًا لاختلاطها بالقرآن الكريم”!؟ بينما هذا القرآن نفسُه يقول: “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” (سورة الحجر: 9). لماذا تطاحن هؤلاء الصحابة فيما بينهم، وعلامة الخُلَّص منهم “أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ” (سورة الفتح: 29)؟ لِمَ نعيب على اليهود عبادتَهم لعجلٍ واحد من ذهب، بينما نحن قد ذهب عقلنا، نقدِّس العشرات والمئات من البشر، من لحم وعظم وكلُّهم “عُدول”!؟
نزلت آيات قرآنية كريمة في حق الصحابة تُشرِّفهم وتعظِّم قدرهم، لكن لم تعمِّم كلَّ مجتمع الصحابة، والدليل العقلي على ذلك أنَّهم اقتتلوا وأحرقوا بعضهم البعض كما في حال مالك بن نُوَيرة وكذلك محمد ابن أبي بكر.. بل وخالفوا النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلَّم).
أي نعم “هم السلسلة التي وصلنا عبرها هذا الدين”! لكن من حقِّنا كمتأخِّرين أن نفكِّك هذه السلسلة التي عاد ذكرُها مرَّة أخرى، كما سلف الفقيه في الجامع القديم، أيَّام الثمانينيَّات، مُذْ سُلْسِلت عقولنا بالفقه الكلاسيكي العتيد..
لكن لماذا لا يذكر هؤلاء الآية 11 من سورة الجمعة: “وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ”؟ هؤلاء المُنفضُّون عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلَّم) كانوا من مجتمع الصحابة، لم يكونوا من الروم ولا من الفرس “المجوس”، لذلك سننفضُّ من عيوننا غبار التقديس، كي نعيد النظر في تلك السلسلة، لا من منطلق المؤامرة والتشكيك، ولكن لتطمئنَّ قلوبنا فتنزاح غيمة الوهم.
قال تعالى: “آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا” (سورة البقرة: 285-286)، فالإيمان محصور في الله وملائكته ورسله، كما في قوله تعالى أيضًا: “قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ” (سورة البقرة: 136-137).
لم تكن هناك قاعدة عامَّة في مجتمع الصحابة، كان من بينهم مَن يُضمِر الكفر ويُبدي الإيمان، قال تعالى: “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ” (سورة البقرة: 13-15)، فامتحنهم الله بذلك وأقام عليهم الحُجَّة، وقال: “وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ” (سورة البقرة: 143).
وعليه، فإن إسباغ هالة القداسة على جميع الصحابة، أمر يخالف القرآن الحكيم والسُّنَّة النبوية الشريفة والعقل، واعتبار جميع هؤلاء “عدولًا”، يشكِّل خطورة في المناهج التربوية والتعليمية، التي تجعل منهم قُدوة لأبنائنا وأجيالنا المتعاقبة(3).
إنَّ حديث “العشرة المبشَّرين بالجنة” مكذوب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم)، بقرينة عدم معرفة روَّاد هذا الحديث أنفسهم بوجوده، ولو كانوا يعلمون بتبشيرهم بالجنة، لَما كان بعضهم يخاف البعث ولقاء الله!
فالخليفة الأول أبو بكر وقت احتضاره قال: “… ودِدْت أنِّي لم أكن كشَفْتُ بيت فاطمة وتركته، وأن أُغلق على الحرب، وودِدْت أنِّي يوم سقيفة بني ساعدة، كنت قذَفْتُ الأمر في عنق أحد الرجلين: أبي عبيدة أو عمر، فكان أميرًا وكنت وزيرًا، وودِدْت أنِّي حيث وجَّهْتُ خالد بن الوليد إلى أهل الردَّة، أقمتُ بذي القصة، فإن ظفر المسلمون ظفروا، وإلا كنت بصدَد اللقاء أو مَدَدًا”(4)، كما خرَّج البيهقي رواية: “مرَّ أبو بكر على طير قد وقع على شجرة، فقال: طوبى لك يا طير، تطير فتقع على الشجر، ثم تأكل من الثمر، ثم تطير ليس عليك حساب ولا عذاب، يا ليتني كنت مثلك، والله لودِدْت أنِّي كنت شجرة إلى جانب الطريق، فمرَّ عليَّ بعير فأخذني فأدخلني فاه فلاكَني ثم ازدرَدني، ثم أخرجني بعرًا ولم أكن بشرًا، فقال عمر: يا ليتني كنت كبشَ أهلي، سمَّنوني ما بدا لهم، حتى إذا كنتُ كأسمن ما يكون، زارهم بعض من يحبُّون فذبحوني لهم، فجعلوا بعضي شواءً وبعضه قديدًا، ثم أكلوني ولم أكن بشرًا، وقال أبو الدرداء: يا ليتني كنت شجرة تُعضَد وتُؤكل ثمرتي ولم أكن بشرًا”(5).
وفي “فضائل الصحابة” أيضًا روى البخاري الحديث رقم 3692، قال عمر بن الخطاب: “والله لو أنَّ لي طِلاع الأرض ذهبًا لافتدَيْتُ به من عذاب الله عزَّ وجلَّ، قبل أن أراه”(6). وقال الخليفة الثالث عثمان بن عفَّان: “ودِدْت أنِّي إذا مُتُّ لم أُبعَث”(7)، فعادة المؤمن لا يخاف بل يحبُّ ويشتاق للقاء الله تعالى، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم) يقول في الحديث الصحيح عن عدَّة من الصحابة: “من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه”، قالت عائشة: يا رسول الله، أهو الموت؟ فكلُّنا يكره الموت، قال: لا يا عائشة، ولكن المؤمن إذا حضر أجله؛ بشَّرته الملائكة برحمة الله ورضوانه؛ فيحب لقاء الله، ويحب الله لقاءه، والكافر متى حضر أجله؛ بُشِّر بغضب الله وعقابه، فيكره لقاء الله؛ فيكره الله لقاءَه، ذلك مِصداق قوله تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ” (سورة يونس: 7).
وبالتالي، فإنَّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلَّم) لم يكن بِدْعًا من الرسل، جرى عليه ما جرى عليهم، ولذلك نجد في صحيح البخاري، الحديث رقم 7198، قال (صلى الله عليه وآله وسلَّم): “ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة، إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضُّه عليه، وبطانة تأمره بالشرِّ وتحضُّه عليه، والمعصوم من عصَم الله”.
يُتبع…
الهوامش:
(1) اللعان لغةً مصدر لاعن، واللعنةُ هي الطرد والإبعاد، أما شرعًا فهو كلمات معلومة جُعلت حُجَّة للمضطر إلى قذف من لُطِخ فراشُه أو إلى نفي ولد، وبعدها كلا المتلاعنين يُبعَد عن الآخر بها فيحرُم بذلك النكاح بينهما.
يتمُّ اللعان بأن يقول الزوج أربع مرات: “أشهد بالله أنِّي لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا”، ويختمها بالخامسة فيقول: “عليَّ لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا”، أما المرأة فتقول أربعًا: “أشهد بالله أنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا”، والخامسة تقول: “أنَّ عليها غضب الله إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا”.
(2) انظر مقالنا “ولاية ووصاية الفقيه”، جريدة هسبريس، 23 يوليوز 2015.
(3) انظر مقالنا “خطورة المناهج التربوية”، جريدة هسبريس، 20 مارس 2025.
(4) رواه عبد الرحمن بن عوف، وحدَّث به العقيلي في “الضعفاء الكبير”، تحت رقم 3/419، وهو حديث مضطرب أخرجه القاسم بن سلام في “الأموال” تحت رقم (353)، وابن زنجويه في “الأموال” تحت رقم (467)، والطبراني تحت رقم (1/62).
(5) البيهقي، “شعب الإيمان”، باب الخوف من الله تعالى، الجزء 2، الصفحة 227.
(6) صحيح البخاري عن الصلت بن محمد، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة قال: لَمَّا طُعِن عمر جعل يتألَّم، فقال له ابن عباس، وكأنه يجزِّعه: يا أمير المؤمنين، ولئن كان ذاك، لقد صحبت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم) فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت صحبتهم فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون. قال: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم) ورضاه فإنما ذاك مَنٌّ من الله تعالى مَنَّ به عليَّ، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذاك مَنٌّ من الله جلَّ ذكره مَنَّ به عليَّ، وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله لو أنَّ لي طِلاع الأرض ذهبًا لافتديت به من عذاب الله عزَّ وجلَّ قبل أن أراه.
(7) مرتضى الزُّبيدي “إتحاف السادة المتقين لشرح علوم الدين”، دار الكتب العلمية.
أعتقد أن الدين اليوم على حسب الواقع الاسلامي أصبح عادة وليس عبادة وبالتالي فالاركان الاسلامية من صلاة وزكاة وصوم وحج أصبحت روتينية تطبق خوفا من العالم الاخروي وليس حبا للقاء الله وانما خوفا من العذاب الذي تشير اليه النصوص القرءانية.وبالتالي فتقديس الصحابة والاولياء أصبح متجاوزا وخاصة أن كثرة الكلام وكثرة التذكير بأدوارهم وحياتهم وسياستهم أصبحت روتينية تدخل في التكرار الممل ويبقى المسلم المؤمن ينتظر اداء فرائضه بطريقة تقليدية شكلية لا أثر فيها للخشوع والاحساس بالقرب الالهي .اليوم الطقوس الدينية اصبحت عند جل المسلمين عادة وليست عبادة كما كان السابقون يمارسونها ,عصرنا عصر الجري وراء المصالح الدنيوية ويبقى الاهتمام باالمبادئ الاسلامية السامية كلام على المنابر يسمع ولا يحرك ساكنا في قلوب السامعين .صراحة اصبح النقاش عن الصحابة عند السنة وعن ال بيت عند الشيعة ممل لا يضر ولا ينفع لان دور الدين اليوم لا يتعدى جدرتن المساجد لان الدين لله والوطن للجميع وبالتالي فالبشر اليوم يهمه مصالحه الدنيوية في المقام الاول
في نظري كل رسول يجعل له الله صحابته المقربين المخلصين ينقلون عنه الدين , وجود منافقين في المدينة حقيقة قرآنية لا ينكرها أحد, لكن الخلط بين عامة المنافقين و بين الدائرة المقربة و الوزراء اللصقين بالرسول كأبو بكر الصديق رضي الله عنه هو مغالطة منطقية لأنه طعن في فراسة النبي في اختيار صحابته المقربين و الثقة فيهم لنقل الدين و خلط بين المجتمع العام و البطانة الخاصة.
إن تفسير مقولة “ليتني كنت شجرة” على أنها علامة نفاق هو جهل تام بسيكولوجية الورع و مقامات العارفين, في مسالك الروح كلما عظم الإيمان في القلب زادت خشية العبد من جلال المسؤولية و استصغر عمله مهما كان عظيما, فالمنافق يعيش في استكبار و غرور أعمى, بينما الصديق يرتعد تعظيما له و إشفاقا من حمل الأمانة.
أتفق مع الأخ أمين
ألا نثق في اختيار النبي صلى الله عليه و سلم لصحابته المقربين و فراسته و حكمته و هو المؤيد بالوحي؟ كيف يستقيم عقلا أن يحيط الرسول نفسه بالمنافقين و يجعلهم وزراءه و صهر أختام بيته و يأتمنهم على مستقبل الدعوة و نقل الدين, في حين يبعد عنه المؤمنين الصادقين؟! حتى يأتي الشيعة لفضحهم و الحكم على إيمانهم و نياتهم؟!
عنوان المقال في حد ذاته مغالطة, و هو حق أريد به باطل, فكون الصحابة المقربين ليسوا ركنا من أركان الدين نتعبد بذكرهم أو أنهم معصومين (كما يفعل الشيعة مع آل البيت) لا يعني بالضرورة أنهم منافقين فعدم ركنيتهم لا تبيح تخوينهم
عن ابن أبي شيبة الذي ولد قبل الامام البخاري تقريبا بنصف قرن وعاش البخاري معه فترة تقدر ب 40 سنة قال في مصنفه “حكى هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر وعمر لم يشهدا دفن النبي “ص” وكانا في الانصار ,فدفن رسول الله “ص” قبل أن يرجعا” انتهى كلا م ابن ابي شيبة,أنا شخصيا حائر هل أعذر الصحابيين الجليلين لانهما كانا في مهمة صعبة الا وهي مستقبل الامة الاسلامية وبالتالي هي اولى بحضور الدفن ويكفي على والعباس الذين تكفلا بدفنه وامروا المسلمين ان يصلوا عليها عشرة بعد عشرة كما جاء في الكتب الاسلامية المختلفة ولان تقرير المصير للامة الاسلامية كان يوجد في سقيفة بني ساعدة الذين اجتمعوا لاختيار خليفة من الانصار.
نعم هما لم يحضرا مراسيم تشييع الرسول إلى قبره لانهما كان في مهمة فارقة في تاريخ اسلام ما بعد محمد . ودليل حبهما لرسول الله وصيتهما ان يدفنا الى جانبه ، وقد كان . فلا احد دفن مع الرسول إلا هما . علي بن أبي طالب دفن هناك في العراق ، والعباس ، وأم المؤمنين السيدة عائشة دفنا في البقيع .
تابع : كثير هم الذين بشروا بالجنة لا الحصر
“بشر الذين امنوا وعملوا الصالحات ان لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها”….. .
يحب التفريق بين “الصحابة ” و “الاصحاب ”
“اصحاب الجنة هم الفاءزون”.
“اذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا”
أولا : يتغافل الأستاذ أن المنهج السني لا يضفي العصمة على الصحابة ، بل يراهم بشرا تجري عليهم سنن الخطأ والذنوب والاجتهاد ، وهو ما تجلى في أحداث معركتي صفين والجمل . أما العدالة التي يؤمن بها أهل السنة فهي تخص الأمانة والصدق في التبليغ عن الرسول وبالتالي فإن الصراعات التي أعقبت وفاة الرسول وأبي بكر وعمر وعثمان لا تسقط أمانتهم في النقل ، لأن المعالجة السنية تتعامل مع تلك الحقبة بمنطق الاجتهاد التاريخي البشري الصرف .
ثانيا : يستشهد الأستاذ في الطعن على المرويات الواردة عن الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان وتمنيهم عدم البشرية خوفا من العذاب ليزعم تناقضها مع بشارتهم بالجنة هي قراءة شكلية تقف عند حدود اللفظ . ففي منهج أهل السنة ، ينظر لهذا الوجل كأعلى مراتب التقوى ، لأنه كلما عظمت معرفة العبد بالله اشتدت هيبته منه ، فضلا عن استشعار الخلفاء لثقل المسؤولية وحق الرعية . وهنا نستحضر عظم المسؤولية عند الصحابة في عمر الخليفة وهو يقول : لو أن بغلة عثرت بالعراق لخشيت أن يسألني الله عنها…. إن دمج الخوف بالرجاء هو جوهر الإيمان السني ، تصويره كرعب من المجهول قراءة تفتقد للمصداقية.
الى الاخ المعلق رقم 8 اهل السنة والجماعة في جميع الدول الاسلامية لا يعتفون فقط بعصمة الصحابة وانما يعتقدون بعصمة الامام البخاري والدليل انهم متفقون على عصبة ما يسمى بصحيحه والويل كل الويل لمن يشك او يبحث في صحته او غير صحته لان المسألة فصلت وان الكتاب معصوم لا شك في ذلك
ثالثا : يزعم الأستاذ أن تعليل منع كتابة السنة في صدر الإسلام خشية اختلاطها بالقرآن ، يتعارض مع قوله تعالى : إِنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون . والواقع أن هذا النهي لم يكن تشكيكا في الحفظ الإلهي بل كان تدبيرا مؤقتا لتركيز الجهود والملكات حصرا في تدوين القرآن ، وضمان عدم امتزاج كلام البشر بآيات الوحي أثناء مرحلة النزول . وفي المقابل لم تفرط الأمة في السنة بل حفظت في الصدور ، ثم تم تدوينها لاحقا على اشتراط اتصال السند والعدالة المطلقة والضبط التام للرواة . وتعرضت لأدق غربلة تدقيق تعرضت لها مرويات قال بها البشر .
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه توضأ في بيته ثم خرج، فتبع النبي ﷺ فوجده قد دخل بئراً يقال لها “بئر أريس”، فجلس على بئيرها (حافتها) ودلى رجليه في البئر. فجلس أبو موسى عند الباب وقال: “لأكونن بواب رسول الله ﷺ اليوم”.فجاء أبو بكر رضي الله عنه فدفع الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر. فقلت: على رسلك. ثم ذهبت فقلت: يا رسول الله، هذا أبو بكر يستأذن؟ فقال: «ائذن له وبشره بالجنة». ثم جاء عمر رضي الله عنه، فقلت: من هذا؟ قال: عمر. فقلت: على رسلك. ثم ذهبت فقلت: يا رسول الله، هذا عمر يستأذن؟ فقال: «ائذن له وبشره بالجنة». ثم جاء عثمان رضي الله عنه، فقلت: من هذا؟ قال: عثمان. فقلت: على رسلك. فجئت فقلت: يا رسول الله، هذا عثمان يستأذن؟ فقال: «ائذن له وبشره بالجنة، على بلوى تصيبه». فذهب أبو موسى إلى عثمان فقال له: “إن رسول الله ﷺ يأذن لك ويبشرك بالجنة على بلوى تصيبك”، فقال عثمان رضي الله عنه: «اللهم صبراً، والله المستعان»
رابعا : استدل الأستاذ بالآية 11 من سورة الجمعة : وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ، ليرمي مجتمع الصحابة بالجفاء والانفضاض عن نبيهم دون الإشارة إلى سياق النزول. فقد نزلت هذه الآية في أوائل العهد المدني في موسم فاقة وجوع وقحط شديد ، فلما قدمت عير الطعام تحركت الطبيعة البشرية العفوية طلبا للزاد وسد الرمق ، وهو تصرف عرضي معزول لا يقدح في العقيدة ولا يمت بصلة لتهمة الارتداد أو النفاق . والدليل القاطع على ذلك أن هؤلاء المنفضين يومها هم أنفسهم الذين ثبتوا لاحقا في مواطن الخوف (أحد، وحنين، وتبوك) فبذلوا النفس دون هذا الدين.
إلى الأخ amaghrabi التعليق رقم ٩
الصحابة يصيبون و يخطؤون و ليسوا معصومين عند أهل السنة و الجماعة, ولكننا نثق تماما في أمانتهم و نزاهتهم في تبليغ الدين و نقله عن رسول الله و الطعن فيهم هو طعن غير مباشر في الدين, الذي نقلوه لنا.
و صحيح البخاري هو في النهاية اجتهاد و عمل بشري عظيم خاضع للميزان العلمي, و لكن المشكلة ليست في النقد العلمي الرصين بل في التسييس و الطعن الإيديولوجي, الذي يخترع فزاعة “التقديس” ليتخذها ذريعة لهدم التراث و موثوقية السنة بالكامل
سيدنا علي كرم الله و جهه هو المرجعية الروحية و العلمية الكبرى و الخليفة الراشد الرابع لم يؤثر عنه في تاريخه كله كلمة واحدة تطعن في أمانة الخلفاء الثلاثة من قبله في نقل الدين و القرآن الشريف, لو كان هناك أدنى شك في صدقم أو نقلهم للرسالة, لكان سيدنا علي هو أول من يصدع بالحق و يصحح الدين للأمة في عهد خلافته, ولكنه لم يفعل, بل سار على نهجهم و اعتمد ما جمعوه من القرآن و أثنى غى قضاءهم و علمهم, بل و بايعهم وصاهرهم و سمى أبناءه على أسماءهم.
القول إن الصحابة ليسوا ركنا في الإسلام صحيح بنص الكتاب لكن ذلك لا يعني أن ما نفي عنهم يصبح مثبتا لأهل البيت وهي فرضية دأب الكاتب في العديد من مقالاته السابقة على تقريرها. فالخلل هنا هو في القفز من هذا المعطى إلى محاولة تمهيد نفس المعادلة بوجه آخر بتكريس أن الأئمة المعصومين كما زعموا حقيقة وأصل في دين الله مع أن كتاب الله لم يجعل الإيمان بالأشخاص ولا أثبت العصمة لهم ولا ترتيب الخلافة ركنا من أركان الإسلام. إن آيات الكتاب تشهد لكل عاقل متجرد أن الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح هو المعول عليه أولا وآخرا . فليست المفاضلة بين الصحابة ولا الخوض في أحقية هذا أو ذاك بالخلافة ولا الاعتقاد بإمامة أشخاص بأعيانهم شرطا في الهداية أو النجاة. قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ﴾ فلم يشترط سبحانه للفوز يوم الحساب اعتبار لأبي بكر أو عمر أو عثمان علي أو فاطمة أو الحسين ولا لأمهات المؤمنين أنفسهن أو لغيرهم مع ما قد يكون لهم من قدر وإيمان وإنما جعل مناط الفوز الإيمان والعمل الصالح فقط