هل تخوض اليونان وتركيا "حربا أبدية"؟

هل تخوض اليونان وتركيا "حربا أبدية"؟
صورة: أرشيف
السبت 23 يوليوز 2022 - 00:30

في 10 يوليوز الجاري جرى تصوير دولت بهجلي، زعيم حزب الحركة القومية اليميني في تركيا، وهو يتلقى خريطة في إطار لبحر إيجة، تظهر الجزر اليونانية حتى جزيرة كريت (على بعد 225 ميلا على الأقل) على أنها تركية، مرسومة بالهلال والنجمة اللذين يميزان العلم التركي. ورد رئيس الوزراء اليوناني، كرياكوس ميتسوتاكيس، على موقع تويتر متسائلا: “هل هو حلم بسبب الحمى لمتطرفين أم السياسة الرسمية لتركيا؟ هل هو استفزاز آخر أم هدف حقيقي؟”.

وتلقى بهجلي الخريطة هدية من جماعة “الذئاب الرمادية”، وهي جماعة تركية قومية متطرفة تابعة لحزب الحركة القومية، الشريك الأصغر لحزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب أردوغان.

وفي تحليل نشرته مجلة ناشونال انتريست الأمريكية، قالت الدكتورة بورجو أوزتشيليك، الباحثة في جمعية هنري جاكسون والمحاضرة في جامعة كامبريدج البريطانية، إن التوترات تتصاعد بين اليونان وتركيا منذ عدة عقود، إلا أنها تفاقمت بسبب اكتشاف حقول واسعة من الغاز في شرق البحر المتوسط، وهو ما أدى إلى تفاقم مشكلة المناطق البحرية المتداخلة. وفي الأشهر الأخيرة، أضاف الغزو الروسي لأوكرانيا وتدافع أوروبا لتأمين بدائل لواردات الطاقة من موسكو رغبة ملحة للاستفادة من احتياطيات الغاز البحرية الكبيرة في المنطقة.

ومع امتلاك ساحل بطول 5200 ميل، أطول من الحدود الأمريكية المكسيكية، أعربت تركيا بشكل مستمر عن خيبة أملها لكونها محاصرة ومستبعدة في منطقة شرق المتوسط، ولم تتردد في ممارسة قوتها العسكرية للدفاع عن عقيدة الوطن الأزرق التركية المثيرة للجدل. ويتركز العداء طويل الأمد بين أثينا وأنقرة حول العديد من الصراعات المستمرة منذ فترة طويلة، التي لا يبدو أنها تقترب من حل يتعلق بالتوصل إلى تسوية سياسية بشأن قبرص، وترسيم الحدود البحرية للمناطق الاقتصادية الخالصة المتنازع عليها في شرق البحر المتوسط، وعدم ارتياح أنقرة إزاء إضفاء الطابع العسكري على الجزر التركية في بحر إيجة، في انتهاك للمعاهدات الدولية.

وأشارت الباحثة أوزتشيليك إلى أنه يمكن بسهولة حدوث مواجهة عسكرية بين الجانبين، رغم آلية فض الاشتباك الخاصة بحلف شمال الأطلسي (الناتو) بين الدولتين العضوين في الحلف. ويرى جورج تزوجوبولوس، الباحث المتخصص في الجغرافيا السياسية الإقليمية للطاقة، أن العلاقات اليونانية التركية دخلت دوامة خطيرة في العامين الماضيين. ورغم أنه أمر مرجح الحدوث على الفور، من الممكن وقوع أي حادث عسكري في أي وقت في شرق المتوسط، وربما يعتمد التصعيد بدرجة كبيرة على قدرة الولايات المتحدة على حماية الجبهة الجنوبية الشرقية للناتو.

ورأت أوزتشيليك أن هناك صراعا يلوح في الأفق ويخيم على نزاعات السيادة البحرية بين الجانبين، وهو الصراع على جزيرة قبرص، المقسمة بين جمهورية قبرص، الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي، وجمهورية شمال قبرص التركية، التي لا تعترف بها سوى تركيا. ويكمن الإجماع طويل الأمد بين الأطراف المعنية في أنه بدون تسوية سياسية لأزمة قبرص لا يمكن إبرام اتفاق للطاقة يشمل قبرص (وبالتالي اليونان) وتركيا. إلا أن غزو روسيا لأوكرانيا غير بشكل جذري حسابات الطاقة بالنسبة لأوروبا. وربما يكون الوقت حان لعكس النهج الصفري وإقامة خط أنابيب يربط الغاز القبرصي والإسرائيلي بتركيا، التي يمكن بعد ذلك أن تنقله إلى الأسواق الأوروبية عبر خط أنابيب الغاز الطبيعي الموجود بالفعل، الذي يعبر منطقة الأناضول، قبل التوصل إلى تسوية شاملة، وليس بعد التوصل إليها.

ومع استمرار النزاع بين اليونان وتركيا، ظهرت إسرائيل كدولة مؤثرة في شرق المتوسط؛ فقد تسارعت عملية بناء تحالف إستراتيجي في شرق المتوسط على محورين خلال العقد الماضي: اليونان وقبرص وإسرائيل من جانب، ومصر وإسرائيل من جانب آخر. وتمتلك إسرائيل حقلين عاملين للغاز قبالة ساحل البحر المتوسط باحتياطيات من الغاز الطبيعي تقدر بـ690 مليار متر مكعب.

وأشارت المحللة السياسية أوزتشيليك إلى وجود رغبة مشتركة بين اليونان وإسرائيل لتعزيز فرص تصدير الغاز إلى الأسواق الأوروبية. وهناك عامل آخر وهو الشك في حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا، وهو ما تمت ترجمته إلى اتفاقات تجارية في قطاع الأمن.

في غضون ذلك، يمضى التعاون الثلاثي في مجال الطاقة قدما، حيث سيربط مشروع بين أوروبا وآسيا، وهو مشروع كابل بطول 1500 كيلومتر تبلغ تكلفته 825 مليون دولار أسفل البحر المتوسط، شبكات الكهرباء الخاصة باليونان وقبرص وإسرائيل ومن المقرر أن يكتمل عام 2024. وفي يونيو الماضي، وقعت إسرائيل ومصر والاتحاد الأوروبي اتفاقا في القاهرة لتعزيز صادرات الغاز إلى أوروبا. ويعتمد هذا على اتفاق بقيمة 15 مليار دولار تم إبرامه في 2018 يسمح لإسرائيل بتصدير الغاز من حقلي تمار وليفياثان البحريين إلى مصر، حيث يتم تسييله ثم شحنه إلى الدول الأوروبية.

وأشار مسؤولون في الصناعة إلى أنه من المتوقع أن تضاعف إسرائيل إنتاج الغاز إلى حوالي 40 مليار متر مكعب سنويا، مع توسيع نطاق مشرعات الإنتاج وتشغيل حقول جديدة.

وقالت أوزتشيليك إنه مع استعداد تلك الدول للانتخابات، تظل المحادثات أفضل خيار لإدارة خطر حدوث مواجهات عنيفة في شرق البحر المتوسط، وتسهيل التوصل إلى حل إستراتيجي للطاقة. وسيكون بحث سبل ضم تركيا إلى الشراكات الإقليمية لتنمية الهيدروكربونات، مثل منتدى غاز شرق المتوسط، بادرة حسن نية؛ تعني أنه سيكون بإمكان كل الأطراف حفظ ماء الوجه ومنح تركيا فرصة لإثبات التزامها بالحوار وليس إطلاق التهديدات.

وبينما هناك حالة من الرفض بين القادة الأوروبيين للانخراط مع الرئيس التركي أردوغان، يجب أن تمنح الأولوية للتركيز على النتائج؛ فقد غيرت حرب روسيا غير المبررة ضد أوكرانيا بشكل مفاجئ توقعات الطاقة بالنسبة لأوروبا.

وتعتبر تركيا حقوقها البحرية في شرق المتوسط مصلحة وطنية إستراتيجية، وهذا صحيح بالنسبة لحزب العدالة والتنمية، وكذلك لأحزاب المعارضة الرئيسية. وحتى إذا حدث تغيير في الحكومة فإنه من المرجح ألا تتغير هذه الرؤية في ظل تولي حزب حاكم مختلف المسؤولية.

واختتمت الدكتورة بورجو أوزتشيليك تقريرها بالقول إنه في ظل توجه الدول الأربع، اليونان وقبرص وإسرائيل وتركيا، إلى عام انتخابات شديدة التنافس، فإن الحفاظ على الوضع القائم الهش ربما يبدو أفضل رهان. إلا أن احتواء اندلاع أي صراع مستقبلي ليس حلا مرضيا على المدى البعيد، ويجب أن يكون التركيز على حلول جريئة وإبداعية. وفي أي دورة انتخابية، يكون خطر حدوث أزمة أمرا تصاعديا ومكلفا للغاية في الوقت نفسه.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • عزيز
    السبت 23 يوليوز 2022 - 01:15

    اليونان عضو في الاتحاد الأوروبي. فإن هجامتها تركيا .تركيا هي الخاسر الاكبر

  • PureMinded
    السبت 23 يوليوز 2022 - 01:27

    الترك شعب متعصب لعرقه نتيجة لما زرعه اتاتورك قبل 90 سنة، و التاريخ علمنا ان القياد الذين تذرعوا بالقومية العمياء لاجتياح بلدان اخرى عادوا بهزائم مذلة و انتهى بهم المطاف بخسارة بعض من اراضيهم.

    اتمنى لهؤلاء الحمقى اجتياح اليونان لكي تتدخل امريكا و تعطي الجزء الاوروبي من تركيا لليونان كدرس.

  • ورَد الثور
    السبت 23 يوليوز 2022 - 01:29

    الناتج الاجمالي المحلي عام 2020 لليونان هو 189ملياردولار ،الناتج الاجمالي المحلي عام 2020 لاسرائيل هو 402مليار دولار ،الناتج الاجمالي المحلي السنوي عام 2020 لتركيا هو 720مليار دولار.

  • الرباطي
    السبت 23 يوليوز 2022 - 01:43

    الدولتين ينتميان الى الحلف الاطلسي ومن يقود الحلف الاطلسي ؟؟ الولايات المتحدة لن تسمح للدولتين الدخول في حرب هناك عوامل اخرى الازمة الاقتصادية التركية و اليونانية و حرب روسيا و انهيار الاورو الدي سيدفع الاتحاد الاوروبي الى انهيار اقتصادي ووووو

  • الطنز البنفسجي
    السبت 23 يوليوز 2022 - 01:58

    واقع ليهم بحال المغرب واسبانيا فالجزر.
    تركيا أكيد فيما بعد غادي تاخد الجزر ديالها بجرة قلم بحال الصين مع بريطانيا والبرتغال فهونكونغ وماكاو
    تركيا عسكريا قادرة ولكن الضريبة قوية .. السياسة مهمة.
    المغرب ماقادرش على اسبانيا اليوم عسكريا ولكن ممكن غدا يولي عسكريا واقتصاديا قادر ويكون حوار وتفاهم على اعادة سبتة ومليلية وجميع الجزر الاخرى العديدة.

  • من نطفة الى جيفة
    السبت 23 يوليوز 2022 - 02:22

    لاحظ محاضر لا اقتناع الحضور لفكرة الحرب الاخيرة الموعودة التي ستعط لها كل تقانة فمر عليه امير صباح غده لرفقته المدينة و بمدخلها تعرقلت حركة السيارات و السيران برداد الضباب ففكر الخطيب و لاقناع الحضور بالقاءه التالي ان الضباب قد تتعطل له جميع مجسات الاسلحة الحساسة الذاتية الحركة بحكم السيارة ذاتية السير لكن صف السيارات يعرقل مسيرها من المقدمة و المؤخرة و من كل جانب فبحث عن عالم فيزياء في عشيرته يعرف منه رجاحة تفكيره هذا هل يتعطل ماطريال الاستشعار عبثا لم يجد فيزياءيا و لو يفهم في الصنعة فيما هو سائل يسال لانه المحاضر تبع ادب لا علم له و راغب التاكد من الفكرة ليقتنع و ليقنع محاضريه لاحقا فقرر دراسة الفيزياء فقدم التماس مساهمة ببعثة طلاب علمية فارسلوه الى الغرب معهم فتخرج عالما فيزياءيا و نال ما نال بعد نسيانه سبب مجيئه او ذهابه هناك تكريما و تبجيلا مجتمعيا حيث قعد ناس سبب هجرته لغرض تلقي دروس اجابات علمية ليعود و الوافدين معه بها ليحاضر بعد اقتناعه و اقناع مريديه بسردية تعذر تحرك التكنولوجيا التقدمية الحساسة بحربها الاخيرة و ما تحرك من مكانه حيث مات هناك و لا يعلم جنود ربك الا هو

  • من المستحيل على البشر أن يعيشوا في سلام،
    السبت 23 يوليوز 2022 - 02:44

    عند إلقاء نظرة على أي حرب شهدها التاريخ، سنجد أن معظم أسبابها تتمحور حول الرغبة في ضم أراضٍ جديدة أو استعمارها، أو السيطرة على المعادن الثمينة أو النفط، أو بناء إمبراطورية لزيادة الهيبة والثروة، أو نشر معتقدات و تقاليد وعادات دولة ما، الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي، فالبشر عموما تحركهم الحاجة القوية إلى الشعور بالانتماء والهوية التي يمكن أن تتجلى بسهولة في النزعات العرقية أو القومية أو العقيدة الدينية، ووجود الحرب يعطي شعور الإنسان بالفخر إزاء جنسيته ولونه ودينه،

  • الى ورد الثور
    السبت 23 يوليوز 2022 - 10:33

    من يحسب لوحده يجد الفائض اقسم مدخول تركيا على عدد سكانها و مدخول اليونان على عدد سكانها !!! ستجد تركيا وراء بعيدا وراء اليونان

صوت وصورة
ميطا 3 | كيف هزم "الأسود" منتخب ليسوتو؟
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 22:23 1

ميطا 3 | كيف هزم "الأسود" منتخب ليسوتو؟

صوت وصورة
غضب طلبة طب الأسنان بالدار البيضاء
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 22:22

غضب طلبة طب الأسنان بالدار البيضاء

صوت وصورة
إطلاق "كرسي المرأة والمجتمع"
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 21:31 2

إطلاق "كرسي المرأة والمجتمع"

صوت وصورة
ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:30 11

ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟

صوت وصورة
أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:25 6

أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري

صوت وصورة
مباشر | أول امرأة رئيسة للحكومة بالمغرب
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 19:00 14

مباشر | أول امرأة رئيسة للحكومة بالمغرب