قراءة في الأطر القانونية
تُعدّ “المقاومة” أحد أكثر المفاهيم السياسية والقانونية إثارة للجدل في العصر الحديث؛ فبينما يمثل المفهوم في أصله التزاماً أخلاقياً وحقاً مشروعاً للشعوب للتخلص من الهيمنة والاحتلال، فإن تحولات النظام الدولي وظهور الفاعلين من غير الدول (Non-State Actors) أعادا طرح أسئلة جوهرية حول مدلول المقاومة عندما تمارس نشاطها، وخاصة المسلح منه، داخل حدود دولة مستقلة وذات سيادة.
١. المقاومة في القانون الدولي والشرائع الأممية
تأسس حق الشعوب في مقاومة الاستعمار والاحتلال الأجنبي كركيزة أساسية في أدبيات القانون الدولي المعاصر:
الأمم المتحدة وحق تقرير المصير: كرّس ميثاق الأمم المتحدة هذا الحق، وجاء القرار التاريخي للجمعية العامة رقم ١٥١٤ (الإعلان بشأن منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة) والقرار رقم ٣١٠٣ ليؤكدا بوضوح على شرعية كفاح الشعوب الخاضعة للسيطرة الاستعمارية والأجنبية بجميع الوسائل المتاحة، بما في ذلك الكفاح المسلح.
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: أشار في ديباجته إلى مبررات التمرد والمقاومة كملجأ أخير ضد الطغيان والاضطهاد في حال غياب سيادة القانون.
المحاكم والاتفاقيات الدولية: تضمنت بروتوكولات اتفاقيات جنيف لعام ١٩٤٩ (خاصة البروتوكول الإضافي الأول لعام ١٩٧٧) اعترافاً بحركات التحرر الوطني، واعتبار النزاعات المسلحة التي تخوضها ضد الاحتلال الأجنبي نزاعات مسلحة دولية، مما يمنح مقاتليها صفة “المقاتلين الشرعيين” بشرط التزامهم بقوانين الحرب وأعرافها.
أشكال المقاومة: من السلمية إلى الكفاح المسلح
لم تنحصر المقاومة تاريخياً في قالب واحد، بل تفرعت إلى وسائل متعددة تعكس طبيعة البيئة والسياق السياسي:
المقاومة الثقافية واللغوية: تمثل خط الدفاع الأول للحفاظ على الهوية الوطنية ضد محاولات الطمس والاستلاب الاستعماري (مثلما حدث في دول المغرب العربي ومحاولات الفَرْنَسَة).
النموذج السلمي (المهاتما غاندي): قدمت التجربة الهندية نموذجاً فريداً قاده غاندي عبر استراتيجية “الساتياغراها” (العصيان المدني والمقاومة السلمية لسياسات الاحتلال البريطاني)، مبرهناً على أن المقاومة غير العنيفة قادرة على تفكيك أعتى الإمبراطوريات.
المقاومة المسلحة: وهي النموذج الأكثر شيوعاً وعنفاً في المستعمرات القديمة (كالجزائر وفيتنام)، حيث فرضت طبيعة المستعمر الاستيطاني أو العسكري اللجوء إلى القوة المادية المنظمة لانتزاع السيادة، وتكبيد الاحتلال خسائر لا يستطيع تحملها.
إشكالية “المقاومة المسلحة” داخل دولة ذات سيادة
تتحول المقاومة من حالة إجماع وطني إلى معضلة سياسية وقانونية عندما تستمر حركات مسلحة في العمل بشكل مستقل داخل جغرافيا دولة مستقلة وذات سيادة.
تبدأ هذه الظاهرة بالتشكل نتيجة ظروف سياسية معقدة، من أبرزها:
عجز الدولة المركزية عن بسط سلطتها الكاملة أو حماية حدودها.
وجود بيئات منقسمة طائفياً أو سياسياً تجد فيها هذه الحركات حاضنة شعبية.
الدعم الخارجي والأطراف الأجنبية: نادراً ما تعيش هذه الحالات في معزل عن التجاذبات الإقليمية؛ إذ تتدخل أطراف خارجية لتقديم الدعم المالي والعسكري واللوجستي لهذه الفصائل، مما يحولها في كثير من الأحيان إلى أدوات في صراعات إقليمية بالوكالة (Proxy Wars)، ويجعل قرار السلم والحرب داخل الدولة رهيناً بحسابات عابرة للحدود.
نماذج من المقاومات (في التاريخ السياسي الحديث)
تنقسم حركات المقاومة في العصر الحديث بناءً على واقع الأرض السيادي إلى نموذجين بارزين:
أولاً: مقاومة داخل أراضٍ محتلة (النموذج الفلسطيني)
الواقع القانوني: غياب الدولة المستقلة ذات السيادة الكاملة، ووقوع الأرض تحت احتلال عسكري مباشر ومستمر.
التوصيف: تنطبق على الفصائل الفلسطينية بجميع تشكيلاتها (منظمة التحرير تاريخياً، وفصائل المقاومة الحالية كحماس والجهاد الإسلامي) صفة حركات التحرر الوطني؛ نضالها موجه بالكامل ضد قوة احتلال جاثمة على الأرض، وهو ما تشرعه القوانين الدولية كحق طبيعي لاسترداد الأرض وتقرير المصير.
ثانياً: مقاومة داخل دولة مستقلة وذات سيادة (نموذج “حزب الله” في لبنان)
الواقع القانوني: وجود دولة لبنانية معترف بها أممياً، ذات حكومة وبرلمان وجيش نظامي، وعضو في الأمم المتحدة.
التوصيف: نشأ الحزب كحركة مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، لكن استمراره كقوة عسكرية موازية لجيش الدولة بعد الانسحاب الإسرائيلي عام ٢٠٠٠ خلق تداخلاً معقداً بين مفهوم “المقاومة” ومفهوم “السيادة الوطنية”.
حزب الله: الخلفية التاريخية والارتباط بالبنية الفلسطينية
يرتبط صعود حزب الله كمقاومة مسلحة ارتباطاً عضوياً بالصراع العربي – الإسرائيلي على الساحة اللبنانية:
جذور التشكل: جاء تشكل حزب الله في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي الشامل للبنان عام ١٩٨٢ (عملية سلامة الجليل)، والتي استهدفت بالدرجة الأولى تدمير البنية التحتية العسكرية والسياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي كانت تتخذ من لبنان منطلقاً لعملياتها.
التحول السوسيوسياسي: أدى خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت عام ١٩٨٢، والفراغ العسكري العارم في الجنوب، إلى جانب الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩، إلى تظافر الظروف لولادة حركة مقاومة مسلحة محلية ذات أيديولوجية شيعية مدعومة من طهران، ركزت جهودها على دحر الاحتلال الإسرائيلي من الشريط الحدودي، وهو ما تحقق عام ٢٠٠٠.
سيناريو التخلي عن السلاح: “ماذا لو؟”
يطرح التساؤل فرضية سياسية بالغة الأهمية: ماذا لو أعلن حزب الله التخلي عن سلاحه وتسليمه للدولة اللبنانية مقابل انسحاب إسرائيلي كامل من كافة الأراضي اللبنانية (بما فيها مزارع شبعا وتلال كفرشوبا)؟
نماذج تاريخية ملهمة
إن خطوة كهذه ليست غريبة على التاريخ السياسي؛ ففي العراق، اتخذ “التيار الصدري” بقيادة مقتدى الصدر خطوات متكررة لحل “جيش المهدي” ثم تجميد “سرايا السلام” وتسليم مقارها، محاولاً الانخراط في العملية السياسية ككتلة مدنية/سياسية، سعياً لتقوية مفهوم الدولة ومؤسساتها الأمنية الرسمية.
التداعيات والنتائج المتوقعة في لبنان:
إذا تحقق هذا السيناريو، فإن المشهد اللبناني والإقليمي سيشهد تحولات جذرية:
١. على المستوى اللبناني الداخلي (إعادة الاعتبار للدولة):
احتكار العنف الشرعي: يستعيد الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية الرسمية الحق الحصري والوحيد في حيازة السلاح والدفاع عن الوطن، وهو الركيزة الأساسية لتعريف “الدولة ذات السيادة”.
الاستقرار السياسي والاقتصادي: يزول أحد أكبر مسببات الانقسام العمودي بين اللبنانيين (سلاح الحزب)، مما يسمح ببناء توافق وطني حقيقي، ويعيد ثقة المجتمع الدولي والعربي بالدولة اللبنانية، مما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد المنهار.
التحول إلى حزب سياسي صرف:
يتحول حزب الله بالكامل إلى قوة سياسية برلمانية واجتماعية تخضع لآليات المحاسبة الديمقراطية والقوانين المحلية، دون الاستقواء بفائض القوة العسكرية.
٢. على المستوى الإقليمي والدولي:
سحب الذرائع:
يفقد الاحتلال الإسرائيلي أي ذريعة لانتهاك السيادة اللبنانية أو شن اعتداءات متكررة، وتصبح أي حركة عسكرية إسرائيلية بمثابة عدوان صريح على دولة عضو في الأمم المتحدة، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته المباشرة.
تفكيك محاور النفوذ: يمثل تسليم السلاح تراجعاً كبيراً لنفوذ الأطراف الإقليمية الداعمة (خاصة إيران) في شرق المتوسط، مما يسهم في تهدئة حدة الصراع الإقليمي الممتد.
خاتمة
يبقى للمقاومة مدلولها السامي طالما وجد احتلال يغتصب الأرض ويسلب الإرادة، كما هو الحال في فلسطين. غير أن هذا المدلول يواجه مأزقاً بنيوياً داخل الدولة المستقلة؛ إذ إن استمرار السلاح خارج أطر ومؤسسات الدولة يهدد فكرة “السيادة” من أساسها. إن انتقال حركات المقاومة من التشكيلات المسلحة إلى الانضواء تحت لواء الدولة وجيشها الوطني – حال زوال الاحتلال – هو المسار الطبيعي والتاريخي الذي يضمن حماية الأوطان واستقرار المجتمعات.
نعم للمقاومة الفلسطينية التي وجدت لمقاومة المحتل الصهيوني الغاصب ، رغم أن حسابات بعض فصائلها خاطئة ، لكن بالنسبة لحزب الله فلا أعرف أن تشريعا أو منظمة حقوقية دولية تسمح به كمقاومة داخل دولة مستقلة وذات سيادة كلبنان
المقاومة الفلسطينية دخلت التاريخ من بابه الواسع ، سيما عقب أحداث 7 أكتوبر ، أو ما أطلقت عليه حركة حماس ، لكن أظهرت الأحداث والكوارث الدامية والمجازر أن حساباتها كانت خاطئة تسببت في تراجع وضمور القضية الفلسطينية بالمرة ، بل أمست الأراضي الفلسطينية مرتعا خصبا للمستوطنين الصهاينة يقضمونها ويحتلونها تحت أعين العالم ، وما وقع في غزة انسحب أثره على لبنان ، فوجود حزب الله داخل دولة مستقلة وذات سيادة ، أصبحت قضية تؤرق الشعب اللبناني ، سيما سكان الضاحية الجنوبية لبيروت ، قبل أن تشغل الحكومة اللبنانية نفسها والتي جاءت ، في الخفاء ، بتخطيط من تلأبيب ، لتكون عونا لليهود الصهاينة على اجتياح لبنان واستباحة أراضيها ، فماذا لو أعلن حزب الله عن التخلي عن سلاحه وبإشراف من دول محايدة ، مقابل الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية رحمة بشعبها الذي يتساقط سكانه يوميا تحت القصف الإسرائيلي ، سلمات
كما تطلق عليه حماس “بطوفان الأقصى” ، معذرة
لا اعرف كيف يسمح لحزب متورط في قتل افضل رئيس وزراء في تاريخ لبنان الجديد بأن يبقى ممثلا للمقاومة . ولا افهم هذا العجز من النظام في تجريد هذا الحزب من سلاحه وتقديم كل المسؤولين عنه للمحاكمة .
سألته “هل نتانياهو مجرم حرب” فكان جوابه(تُعد مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية دليلاً على وجود أدلة كافية تدعم هذه الادعاءات، وفقاً للقانون الجنائي الدولي، رغم أن التهم تستوجب محاكمة عادلة لإثبات الإدانة النهائية ) ، لاحظ أولا لم يجب لا بلا ولا بنعم ، كما وصف المجازر والدمار والتجويع ب”الادعاءات” ، رغم أن “التهم” ، كل هذا يشي بالواضح أن “الذكاء الاصطناعي” هو في النهاية لعبة صهيونية
نعم لأنه اخد بقرينة البراءة ففي النهاية هو ليس قاض وما عليه إلا أن يلتزم بقاعدة المتهم بريء حتى تثبت إذانته. وإلا لو اعطاك جوابا قاطعا لكان مثل دور القاضي وهو ما لايجوز له قانونا .