أربعة دروس من التجربة الإسبانية بعد ستين عاما من الإرهاب

أربعة دروس من التجربة الإسبانية بعد ستين عاما من الإرهاب
الإثنين 23 أبريل 2018 - 03:45

بعد ستين عاما من الصراع المسلح مع الدولة الإسبانية أعلنت حركة “إيتا” الباسكية الانفصالية يوم السبت اعتذارها للشعب الإسباني عن الأعمال الإرهابية من قتل وتعذيب واختطاف وتفجير، في بيان تاريخي غير مسبوق. وجاء في البيان الذي نشرته مختلف الصحف الإسبانية أن الحركة تعتذر للضحايا وعائلاتهم وتتعهد بعدم تكرار ما حصل طوال مرحلة “سنوات الرصاص”، كما يطلق الإسبان على المرحلة السوداء التي ساد فيها إرهاب الحركة.

ليس من عادة الحركات الإرهابية أن تعتذر إلى الضحايا أو المواطنين أو الدولة بشكل تلقائي نابع عن قناعات سياسية وفكرية. فغالب هذه الحركات ينطلق من أنه يحمل قضية يدافع عنها، مهما كان المجتمع بكامله ينظر إلى تلك القضية على أنها قضية خاسرة ولا تعكس مطامحه. ثم إنها عندما تتراجع وتتخلى عن السلاح لا تفعل ذلك انطلاقا من قناعة حقيقية، بل من موقع هزيمتها في المعركة وتسليمها بالأمر الواقع وعدم قدرتها على تغيير ميزان القوة، أي أنها تفعل ذلك من باب الضرورة لا من باب الاختيار.

ولكن التجربة الإسبانية اليوم تصلح للتأمل. ففي الوقت الذي يواجه فيه العالم العربي اختبارا صعبا مع الجماعات الإرهابية، يمكن لتجربة دولة من الاتحاد الأوروبي أن تكون مرآة عاكسة ننظر من خلالها إلى الحالة العربية. وعلى الرغم من أنني مقتنع باختلاف المعطيات السياسية والثقافية والدينية في العالم العربي عنها في إسبانيا أو أي بلد أوروبي آخر، إلا أن التجربة الإسبانية لا تعدم مبادئ كبرى يتعين الوقوف عندها بالرصد والتحليل.

أول دروس التجربة الإسبانية مع الإرهاب أن الإرهاب عمل طويل في الزمن. لقد ظهرت حركة إيتا عام 1959 في المرحلة التي قاد فيها الجنرال فرانسيسكو فرانكو البلاد بقبضة من حديد. وفي تلك الفترة لم تكن إسبانيا سوى بلد فقير يقع على خاصرة أوروبا مطلا على المتوسط المتخلف الخارج من الاستعمار. كانت السوق الأوروبية المشتركة مجموعة صغيرة تضم بلدانا قليلة ذات تاريخ عريق وتشعر بنوع من الغرور لكونها تشكل نشازا في القارة العجوز، قبل أن تجد نفسها مضطرة أمام القوة الأمريكية والسوفياتية إلى التوسع غربا بحثا عن القوة، فكان حظ إسبانيا أنها وجدت نفسها داخل الاتحاد.

وبالرغم من الإرهاب الذي مارسته الحركة خلال الستينات والسبعينات، وقدرتها على الصمود أمام صلابة فرانكو، تمكنت إسبانيا من بناء ديمقراطية حديثة بعد رحيل الجنرال، بفضل حنكة ملك شاب أراد أن تصبح الملكية قاطرة تستطيع أن تقود البلاد في سفرها الطويل، هو خوان كارلوس.

لم ينجح الإرهاب في وقف المسيرة الديمقراطية في البلاد، بل وضعت هذه الأخيرة دستورا جديدا في نهاية السبعينات منح الأقاليم التاريخية المعروفة صلاحيات أوسع تكريسا للديمقراطية التشاركية، بما فيها منطقة الباسك حيث ظهرت حركة إيتا. واستمرت عملية التطوير وتوسيع الصلاحيات تدريجيا من دون أن يصبح الإرهاب حجر عثرة أمام التوجه الديمقراطي. وبعد ستين سنة نجحت التجربة الديمقراطية الإسبانية وفشل الإرهاب.

الدرس الثاني هو الوحدة الوطنية. إن إسبانيا هي البلد الأوروبي الوحيد الذي يتميز بتعدد الإثنيات والقوميات، ولعله البلد الأوروبي الوحيد أيضا الذي لا يشكل فيه الشعب “أمة”. وحسب المؤرخ الإسباني الكبير أميريكو كاسترو، ما كان يمكن لإسبانيا أن تصبح “أمة” لولا التحدي الذي فرضه العرب والمسلمون وضرورة الوحدة من أجل الحصول على غرناطة وطرد المسلمين واليهود نهائيا في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي. وتقيم هذه الهشاشة في بنية الدولة حتى اليوم، والأحداث التي حصلت في إقليم كاطالونيا في العام الماضي وإجراء الاستفتاء من أجل الاستقلال عن إسبانيا دليل واضح على المخاطر التي تعتمل في نسيج الدولة الإسبانية. ويشعر الجميع هناك بأن بنية الدولة لا تقف على أسس قوية يمكن أن تضمن لها البقاء من الناحية الاستراتيجية، وهو ما تعكسه الكتابات النقدية، كالكتاب الشهير الذي أصدره الباحث الإسباني “سيزار ألونسو دي لوس ريوس” قبل أزيد من خمسة عشر عاما تحت عنوان”وماذا لو سقطت إسبانيا؟”، حيث تكهن فيه بتفكك إسبانيا إلى دويلات.

ولكن الدولة استبدلت الهشاشة القومية بالديمقراطية القوية، وقد ضمنت هذه الديمقراطية تعايش الجميع تحت ظل دستور يجمع مختلف الأطياف تحت مظلة واحدة. إن وجود قانون يضمن حقوق الجميع ويتيح للجميع التعبير عن نفسه يمكن أن يكون ضمانة للتعايش المشترك. وتذكرنا إسبانيا في واقع الأمر بالتجربة الإسلامية في القرون الخوالي، حيث عاش الجميع تحت سقف واحد بسبب سيادة القانون والسماح بالحريات، لكن في ظل الخضوع لسلطة مركزية.

الدرس الثالث هو النمو الاقتصادي. استطاعت إسبانيا أن تبني اقتصادا حديثا قادرا على الإدماج. وهذه العلاقة بين النمو الاقتصادي والإدماج هي النموذج الفريد في المجتمعات الأوروبية الحديثة. وخلافا للأوضاع في البلدان العربية، حيث يتم التسويق لتزايد مؤشرات النمو بمعزل عن إدماج مختلف شرائح المواطنين بوصفه مثالا للعافية الاقتصادية، فإن التجربة الإسبانية تمثل العكس من ذلك. والسبب أن النمو الاقتصادي لا يعني بالضرورة استفادة الجميع منه، بل قد يكون نموا في الحراك الاقتصادي الذي يستفيد منه الأغنياء والخاصة، وهذه بالتحديد هي الحالة في العالم العربي.

أما الدرس الرابع فهو تنفيذ سلطة القانون في مواجهة الإرهاب، مع مصاحبته بالعنف المشروع للدولة. فإسبانيا طوال ستين عاما لم تتنازل في ملاحقة الإرهابيين من حركة إيتا، ويوجد اليوم حوالي 400 عنصرا من الحركة في سجون إسبانيا وفرنسا. وطيلة تلك المدة الطويلة تمكنت الدولة الإسبانية من محاصرة الحركة والتضييق عليها، وبالموازاة مع ذلك محاصرة أي تنظيم سياسي يمكن أن يتخذ من الديمقراطية آلية للخداع، بينما هو في الخفاء ذراع سياسي لحركة إرهابية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

13
  • المغرب قبل كل شيء
    الإثنين 23 أبريل 2018 - 06:41

    منظمة ايتا الإرهابية لم تعتذر لكل الضحايا وخاصة البوليس وافراد الحرس المدني والجيش بل اعتذرت للذين قتلوا عن طريق الخطأ. اسال قهرها القانون والديمقراطية.

  • Chaoui
    الإثنين 23 أبريل 2018 - 07:35

    على المغرب ان يحدو حدو اسبانيا: ان يدفع في اتجاه انسحاب منظمة البوليزاريو الارهابية ٠٠٠٠

  • Hasan
    الإثنين 23 أبريل 2018 - 08:21

    جميل.نشكر الدكتور إدريس الكنبوري الذي يبدع الجديد في التحليل والاستشراف.

  • سوسن
    الإثنين 23 أبريل 2018 - 09:24

    اتمنى ان تأخذ البوليزاريو نفس الطريق اريد ان اقول مافيا الجزائر التي تحكم وتتحكم في الشعب الجزائري وفي بيادق البوليزاريو

  • ahmad
    الإثنين 23 أبريل 2018 - 09:49

    تحليل واقعي، إسبانيا بلد ديمقراطي والديمقراطية هي السلاح الوحيد ضد التطرف

  • علال
    الإثنين 23 أبريل 2018 - 09:59

    " إن إسبانيا هي البلد الأوروبي الوحيد الذي يتميز بتعدد الإثنيات والقوميات"
    ماذا عن بلجيكا وسويسرا بل حتى فرنسا (الباسك) ايطاليا المانيا…
    الدول الاوربية تشكلت نتيجة الحروب الطويلة ابتداء من القرون الوسطى وصولا الى الحرب ع II

  • مورو
    الإثنين 23 أبريل 2018 - 10:00

    حتى نحن عندنا إرهاب إقتصادي سياسي وحتى إرهاب نحو الطبيعة وتدميرها منذ زمن الفقير يفقر وإذا تكلم يختطف يعذب ويقتل.كانت تقول لي أمي في السبعينات أن الإسبان كانو في فقر لدرجة أنهم كانو يبيعون العقيق البلاستيكي والأكسيسوارات محمولة في محفظات ويجولون بها في المدن للمغاربة مثل ما يحصل الآن مع الأفارقة وفي ثلاثين سنة أصبح إقتصادهم يفوق تريليون دولار.أما نحن منذ 1956 ولا زلنا على حالنا إرهاب وإذا تكلمت على حقك يغبرو لمك الشقف!!!!

  • jakani
    الإثنين 23 أبريل 2018 - 10:56

    أتمنى أن يأتي علينا يوم نسمع أن منظمة القاعدة وداعش ومجموعات المنطمات الإرهابية في سوريا (النظام والملشيات) وليبيا وووووو…. تعتذر للأمة الإسلامية والعربية عن كل الجرائم المقترفة والدمار والتخريب وننطلق من جديد لمستقبل يعم فيه السلم والسلام. ياااااا رب

  • عصمان الناظوري
    الإثنين 23 أبريل 2018 - 11:01

    ولا تنسو أيضا أنّ القمع والظلم والدكتاتورية من العوامل التي تساهم بشكل كبير في ولادة (الإرهاب والإرهابيين), فالدمقراطية تساهم بشكل كبير في القضاء على الإرهاب عكس القمع والدكتاتورية وتكميم الأفواه والزج بالأبرياء في السجون بمجرّد أنّهم طالبو بحقوقهم المشروعة ! حتى أصبح المواطنون يهربون من هذا البلد البئيس ! وحبّذا لو يأخذ الدكتاتوريين الدروس من القذافي وابن علي وعبدالله صالح

  • ilyas
    الإثنين 23 أبريل 2018 - 11:11

    إسبانيا كانت فقيرة،دولة هامشية،لكن بوضع دستور قوي 1978 وإصلاحات جدرية،أي تفعيل الملكية البرلمانية،تمكنت من محاربة الفساد بشكل كبير جداً،وبدخولها فالإتحاد الأوربي طورت اقتصادها والبنيات التحتية،فرأى المواطن كيف أصلح حاله،وأصبح يعيش في ضروف أفضل، إرتفع الدخل الفردي السنوي من 5 ألف يورو سنة 1984 إلى 25 ألف يورو سنة 2017, المغرب . 900 دولار سنة 1984 ثم 2016 إرتفع إلى 2800 دولار، يعني خصنا بزاف بزاف نقربو إلى إقتصاد إسبانيا.ليس مستحيل لكن وجب التفاني فالعمل والقطيعة مع الفساد.

  • مغربي امزغي
    الإثنين 23 أبريل 2018 - 11:25

    لان الحاكم يسود ولا يحكم + الشعب كله متساوي امام القانون الدي هو مطبق على الفقير والغني كان رجل اوامراة

  • حكيمة
    الإثنين 23 أبريل 2018 - 13:06

    (( الى عصمان الناضوري….)).كل كلمة انطلقت بها تحاسب عليها يوم القيامة …..كلامك غير صحيح …اولا الخونة اللي جز بيهم في السجن .يستاهلوا الاعدام. لان المطالب ديالهم كانت مجرد بداية مقبلات وخدعة …لكي يشرعوا في ما يلي…..تهمهم .هي .التآمر مع اعداء الوطن..والمس بمقدساتنا وشخص الملك. ورفع شرويطة مزخرفة توحي للانفصال بدل العلم الوطني الاحمر وسطه

  • saad
    الإثنين 23 أبريل 2018 - 15:14

    اين نحن من كل هذا هل للمغرب ديموقراطية حقيقية ليحارب بها الارهابيين البوزبال ام ان ديموقراطيتنا ليست كديموقراطيتهم

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | إدريس لشكر
الخميس 17 شتنبر 2026 - 18:15 3

الطريق إلى الانتخابات 2026 | إدريس لشكر

صوت وصورة
الفصل 34 وحقوق الإعاقة
الخميس 17 شتنبر 2026 - 17:30 1

الفصل 34 وحقوق الإعاقة

صوت وصورة
وهبي وكواليس مواجهة الأرجنتين
الخميس 17 شتنبر 2026 - 14:29 7

وهبي وكواليس مواجهة الأرجنتين

صوت وصورة
وهبي: ماضي أمرابط محترم
الخميس 17 شتنبر 2026 - 13:45 1

وهبي: ماضي أمرابط محترم

صوت وصورة
"خطأ الزلزولي" وتوعية اللاعبين
الخميس 17 شتنبر 2026 - 13:14 5

"خطأ الزلزولي" وتوعية اللاعبين

صوت وصورة
أخنوش والتنمية في تافراوت
الخميس 17 شتنبر 2026 - 12:13 4

أخنوش والتنمية في تافراوت