أي دور للقادة الدينيين في حلّ الصراعات؟

أي دور للقادة الدينيين في حلّ الصراعات؟
الإثنين 1 شتنبر 2025 - 16:55

احتضنت مدينة كوالالمبور الماليزية يوم الخميس 28 غشت 2025 أعمال القمة الدولية الثانية للقيادات الدينية حول موضوع “دور القادة الدينيين في حلّ الصراعات”. وتم تنظيم هذه القمة بالتعاون بين رئاسة الوزراء الماليزية ورابطة العالم الإسلامي‬، بحضور دولة رئيس وزراء ماليزيا، داتو سري أنور إبراهيم، وفضيلة الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى، الأمين العام للرابطة ورئيس هيئة علماء المسلمين. وحضر هذه القمة أكثر من 400 مشارك من القادة الدينيّين من مختلف دول العالم. وناقشت القمة عددا من المواضيع في إطار محاور رئيسة كبرى، من أهمها دور القادة الدينيين في التصدّي لمظاهر العنف وحالات الصراع، ودور الدبلوماسية الدينية في معالجة الخلافات والصراعات، وسبل تعزيز تَبادُل الخبرات في إدارة التنوّع الديني، والنزاعات ذات الأبعاد الدينية.

إن انعقاد هذه القمة في الظرف الحالي يكتسي أهمية بالغة بالنظر إلى خطورة الأحداث والمتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، ومنها انتشار الحروب والصراعات العسكرية، والتطرف الديني وترويج خطاب الكراهية والتمييز العنصري، مما يستوجب من القيادات الدينية عبر العالم القيام بالأدوار المنتظرة منها، وفي مقدمتها المساهمة في تعزيز قيم السلام والتعايش والمواطنة في المجتمعات الإنسانية.

لقد أصبحت المجتمعات البشرية اليوم في أمس الحاجة لتفعيل دور القيادات الدينية في وقت استفحلت فيه الأزمات والنزاعات، كما تأكد حاجة الإنسانية لبناء تضامن أخلاقي عالمي يفضي إلى تحقيق الغايات السامية المرتكز إليها الأمن والسلم الدوليان.

ومما لاشك فيه أن منظمي القمة الدولية الثانية للقيادات الدينية أدركوا أن الدور المنوط بالقيادات الدينية كبير، وتبرز قيمته عند حلول الأزمات، حيث تتعالى القيم الدينية والروحية ويلتفّ الناس حول قياداتهم الدينية. كما استشعروا ضرورة تكثيف جهود القيادات الدينية لتقريب وجهات النظر والمواقف بشأن الطرق الناجعة لمعالجة هذه الأزمات، وضرورة تعزيز دور القيم الإيمانية والأخلاقية ومساهمتها في معالجة الأزمات العالمية.

وفي ظل انتشار الانحراف الأخلاقي والسلوكي وانتشار خطاب التفاهة أصبح من المسلم به اليوم أهمية الاعتقاد الديني والدور الإيجابي للعقيدة الدينية في مساندة الأهداف الإنمائية الألفية التابعة للأمم المتحدة من أجل الحد من الفقر وتحقيق التنمية والتغلب على النزاعات والحد من الحروب. كما تزايد الاقتناع بضرورة تعزيز القيم الدينية السمحة والمتسامحة، والعمل على نشرها وإشاعتها وتمكينها في القلوب والعقول، لأن من شأن ذلك المساهمة في التخفيف من وطأة الأزمات التي تحل بالإنسانية جراء هيمنة السياسات التي لا تراعي هذه القيم، وممارسة الاعتداء على كرامة الإنسان، والنيل من حقوقه المشروعة، وانتهاك القوانين الدولية.

وفي السياق نفسه أصبح الاقتناع متزايدا بأن القيم الدينية هي المعيار الذي ينبغي الاستناد إليه في صياغة القوانين الدولية، لأنها قيم عالمية. ولذلك فإن القيادات الدينية تقوم بدور عظيم الشأن بالغ الأهمية في ترشيد الحياة الإنسانية، والتغلب على الأزمات، التي تواجهها البشرية من خلال نشر القيم المثلى والمبادئ السامية، التي تساعد المجتمعات البشرية في تحقيق الأمن والسلام، وردع قوى الشر والعدوان والطغيان.

من التصريحات والمواقف المأثورة للسيد توني بلير، رئيس الحكومة الأسبق في المملكة المتحدة قوله: “في أوقات الأزمات والمحن والشدائد، خاصة تلك الأزمات التي تعصف بالبشرية، تكون الأنظار متجهة للدين ورجال الدين والمؤسسات الدينية لكي تقوم بواجبها تجاه أتباعها”. وأكد أنه ليس شرطا أن يكون الدين والرسالة الدينية منقذا للبشرية في كل الأزمات، بل مساندا لتحقيق الاستقرار النفسي والاجتماعي.

من جهته أكد فضيلة مفتي جمهورية مصر على أن القادة الدينيين قادرون على أن يكونوا شركاء فاعلين في بناء السلام، وصناعة التفاهم، وتفكيك أسباب النزاع، لا سيما في المجتمعات التي تتداخل فيها الأبعاد الدينية مع السياقات السياسية والاجتماعية. وشدد على أهمية صياغة رؤى مشتركة تسهم في تحويل القيم الدينية من مجرد مبادئ نظرية إلى أدوات عملية لحل النزاعات، وتعزيز ثقافة الحوار، وترسيخ السلم المجتمعي والدولي.

وأوضح أن التكامل بين القادة الدينيين وصناع القرار السياسي، ومؤسسات المجتمع المدني، يمثل نموذجا متقدما في إدارة الصراعات وتحقيق التماسك المجتمعي؛ حيث يسهم هذا التعاون في توسيع دائرة التأثير، وتوحيد الخطاب، وتنسيق الجهود نحو أهداف مشتركة تعلي من شأن الإنسان، وتصون كرامته، وتعزز فرص التعايش.

إن البشرية تواجه اليوم تحديات جساما، وتعيش حالة تدافع بين أزمات أمنية واقتصادية وسياسية وصحية وبيئية. ولذلك من الضروري إعادة النظر في دور القيادات الدينية والروحية، انطلاقا من المبادئ السامية التي تدعو إليها جميع الأديان في احترام القيم الإنسانية وصون كرامة الإنسان ومواجهة العنف. كما يتعين على القيادات الدينية أن تتحد فيما بينها عندما يختلف السياسيون، وتسعى إلى تقريب وجهات النظر، وإرشاد البشرية إلى سبيل الخروج من الصراعات والحروب، ومساعدة الشعوب والمجتمعات على دعم السلام والاستقرار في العالم.

يتضح مما سبق أن تكثيف اللقاءات بين القيادات الدينية في العالم لم يعد ترفا فكريا أو مناسبات لإصدار التوصيات، بل هو برنامج تنموي واستراتيجي بأبعاد روحية وأخلاقية وثقافية وحضارية لدراسة المسائل والإشكالات العالقة، وتشكيل مفاهيم مشتركة حولها، والتحرر من مؤثرات الصراع التاريخي بين أتباع الأديان، بهدف نشر ثقافة السلام والتفاهم، ورفض الترويج لثقافة العنف والكراهية والإقصاء، وعدم تسميم الفضاء الإعلامي بما يؤجج الصراعات الدينية والطائفية والفكرية.

ومما يجب على الجهات المعنية السعي لتحقيقه هو التعاون والتنسيق بين مؤسسات الأديان الكبرى في العالم للتواصل مع صناع القرار السياسي والثقافي والاجتماعي لتمكين القيم والمبادئ الدينية والأخلاقية العليا والمشتركة.

وختاما، لقد أحسنت رابطة العالم الإسلامي، بفضل الرؤية المتبصرة والاستشرافية لأمينها العام فضيلة الشيخ محمد العيسى، في معالجة ومناقشة إشكالية حضارية وإنسانية بالغة الأهمية تتمحور حول “دور القادة الدينيين في حلّ الصراعات”، خاصة أننا نرى اليوم كيف تقف منظمة الأمم المتحدة عاجزة عن حل صراعات مريرة ومدمرة ومتناقضة مع أهداف الأديان السماوية، والقوانين والإعلانات الإنسانية الداعية إلى السلم والعيش المشترك واحترام حقوق وكرامة الإنسان. وليس غريبا أن تبادر رابطة العالم الإسلامي إلى دعوة أتباع الأديان من مختلف بقاع العالم لدراسة الحلول الممكنة. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن رابطة العالم الإسلامي تولي عناية فائقة للمبادرات الهادفة إلى تعزيز الحوار والتعايش والتفاهم والتسامح بين أتباع الأديان من خلال الأنشطة العديدة التي نفذتها أو شاركت فيها، ومنها على سبيل الذكر ملتقى “دور أتباع الأديان في تعزيز السلام والوئام” (جنيف- ديسمبر 2017)، وملتقى القيم المشتركة بين أتباع الأديان (الرياض- مايو 2022)، وقمة الأديان لمجموعة العشرين (بالي- نوفمبر 2022)، والمؤتمر الدولي للقادة الدينيين (كولالمبور- مايو 2024)، والمؤتمر الدولي حول الإيمان في عالم متغير (الرباط- أكتوبر 2024).

-باحث في الاتصال والحوار الثقافي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • MC
    الإثنين 1 شتنبر 2025 - 20:24

    “Sitôt que les Hommes vivent en société, il leur faut une religion qui les y maintienne Jamais peuple n’a subsisté ni subsistera sans religion”

    “بمجرد أن يعيش البشر في مجتمع، فإنهم يحتاجون إلى دين يُبقيهم فيه. لم يصمد أي شعب ولن يصمد أبدًا بدون دين.”
    Jean-Jacques Rousseau (Philosophe français)

    كاتبنا المحترم،
    لقد ساهمت في مقالك بشكل عميق في توضيح كيف يمكن للقادة الدينيين أن يكونوا أدوات فعالة لحلّ الصراعات ونشر روح التسامح والتعايش بين الشعوب. إنّ الأزمات الراهنة التي يعاني منها العالم ليست فقط تحديات سياسية أو اقتصادية، بل هي أزمات أخلاقية وروحية تحتاج لتضافر جهود جميع القيادات الروحية التي تملك التأثير الحقيقي على المجتمعات.

    إنّ ما يميز القادة الدينيين هو قدرتهم على تقديم خطاب يلامس القلوب ويعيد الاعتبار للقيم الإنسانية السامية، وهم بذلك يُعزّزون الأمن والسلام بطريقة لا يمكن أن توفرها أي استراتيجية سياسية بحتة.

    “الأديان ليست فقط مخزوناً روحياً بل هي مصدر قوة قادرة على تحريك المجتمعات نحو السلام، عندما يقودها قادة يحملون رسالة الوحدة والتسامح.”

    ALHOCEIMA

  • Lamya
    الإثنين 1 شتنبر 2025 - 21:57

    مقال رائع يفتح أفاقا للنقاش, أتمنى حقا ان يكون للقادة الدينيين دور فعال في حل الصراعات و يكونوا منارات للاصلاح و نشر السلام في العالم الا أن الواقع يظهر أحيانا ان بعضهم يساهم في تأجيج الخلافات بدلا من اخمادها.
    أتمنى ان نشهد في المستقبل تزايد الأدوار الايجابية التي تساهم في تقريب وجهات النظر و نبذ العنف و ان يتم استخدام المنابر الدينية لنشر التسامح و التعايش

  • د.سالم
    الثلاثاء 2 شتنبر 2025 - 23:17

    منذ عقود وهذه المنظمات تجتر الشعارات، دون أن نجد لها أثرا في الواقع
    ولست أدري متى ستدرك أن الواقع يتجاوزها وتقرر مراجعة أوراقها ووتغيير طرائق عملها وإعادة رسم أهدافها وتوجهاتها بما يستجيب لتحديات الواقع فعليا؟؟

  • Abdellatif Elhomani
    الخميس 4 شتنبر 2025 - 02:44

    لمقال يعكس حماسة واضحة لأهمية القادة الدينيين في حلّ الصراعات، لكنه يُعيد إنتاج مقولات تقليدية عن “القيم السامية” و“التعايش” دون أن يقدم نقداً حقيقياً أو رؤية عملية لكيفية تحقيق ذلك في عالم تحكمه المصالح السياسية والاقتصادية. النص يتعامل مع رجال الدين وكأنهم بمنأى عن التسييس أو الاستغلال، في حين أن الواقع يثبت العكس؛ فكثير من القيادات الدينية متورطة في تأجيج النزاعات أو في خدمة أجندات سلطوية. كما أن الاعتماد المفرط على المؤتمرات والقمم الدينية يُعطي الانطباع بالاحتفال الخطابي أكثر من الفعل الملموس، إذ لم نرَ لهذه اللقاءات نتائج ملموسة على الأرض في خفض العنف أو تسوية النزاعات. غياب النقد الذاتي لطبيعة الخطاب الديني نفسه

صوت وصورة
ميطا 3 | كيف هزم "الأسود" منتخب ليسوتو؟
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 22:23 2

ميطا 3 | كيف هزم "الأسود" منتخب ليسوتو؟

صوت وصورة
غضب طلبة طب الأسنان بالدار البيضاء
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 22:22

غضب طلبة طب الأسنان بالدار البيضاء

صوت وصورة
إطلاق "كرسي المرأة والمجتمع"
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 21:31 2

إطلاق "كرسي المرأة والمجتمع"

صوت وصورة
ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:30 11

ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟

صوت وصورة
أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:25 6

أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري

صوت وصورة
مباشر | أول امرأة رئيسة للحكومة بالمغرب
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 19:00 14

مباشر | أول امرأة رئيسة للحكومة بالمغرب