أَولَوِياتٌ وَمَسَارَاتٌ ... قَبلَ مَسَار

أَولَوِياتٌ وَمَسَارَاتٌ ... قَبلَ مَسَار
الثلاثاء 11 فبراير 2014 - 12:02

بسم الله الرحمن الرحيم

لا يختلف اثنان و”لا يتناطح عنزان” أن كل ما يجر نفعا للبلاد والعباد لا ينفر منه إلا من كان في قلبه مرض، سيما لما يكون الأمر متعلقا بأم القضايا قضية التربية والتعليم، التي تتخبط الوزارة الوصية عليها، خبط عشواء في تجارب تفنينا ولا تفنيها، تحكمها روح العفوية وتتحكم فيها الرؤى الفردية. آخرها برنامج مسار، الذي تفتقت به عبقرية الوزارة التي تعاني من إعجابها بنفسها وإنتاجها، وعدم قدرتها على استيعاب المشاكل الحقيقة للتعليم بالمغرب.

وإذن نثمن أي برنامج من شأنه التقدم بالمنظومة التربوية والتعليمية، شريطة أن لا يكون هدرا للمال العام وأن لا ينفق في كماليات لا تتوفر أساسيتها، فقد استقر عند العقلاء أن الحوائج ضروريات، وحاجيات، وتحسينيات، وفي كل واحدة من الثلاث أولويات، وبرنامج مسار قد يصنف فيما هو حاجي أو تحسيني بالنظر إلى ما تفتقده المنظومة من ضروريات، عليها قوام العملية التعليمية، واعتراضي على البرنامج من ناحية صرف المال في كماليات، ليست أولويات في هذه المرحلة، أما الاحتجاجات على البرنامج فهي سحابة صيف عن قليل تنقشع.

ولعله يراد من مثل هذه البرامج إلهاء الشعب عن الأزمة الحقيقة للتعليم المتمثلة في تدني المستوى، وتهدف إلى بعث الوزارة حية جذعة تخب في ثياب جديدة مع كل وزير.

فأي نقط تلك التي ستدخل في مسار، وآلاف الأستاذ لم يدرسوا خلال الدورة الأولى من السنة الجارية ولو درسا، ولم يقترحوا امتحانات ولم يضعوا نقطا، فضلا عن إدخالها؟ وما يزال حبلهم على غاربهم بشوارع الرباط، يطاردون بالعصي والهراوات.

وكيف تنفق الملايير على برنامج يروم اطلاع الآباء على المسرة الدراسية لأبنائهم، وكثير منهم لا يتلقون الدروس في ظروف مريحة، تشغل بالهم أكثر مما يشتغلون بالدرس؟

وما هم تلميذ بإدماج تكنولوجيا الإعلام والاتصال وهو يقطع آلاف الأمتار ليصل إلى المدرسة وثيابه مبللة تقطر ماء وهو يرتعد من الصقيع والزمهرير، وكان حريا بتلك الملايير أن توفر له مأوى يأوي إليه في مدرسته؛ ليتعلم في ظروف ملائمة.

وكيف تنفق الملايير على برنامج يتوخى إدماج تكنولوجيا الإعلام والاتصال، والتعليمية، والتلميذ الذي يفترض أن يكون على دراية بأبجديات الإعلامية، لا تتوفرر مؤسسته على حواسيب، وبعضها إن توفرت مهترئة ويتقاسم العشرة منهم حاسوبا واحدا، لا يتمكن بعضهم خلال موسم دراسي كامل حتى من إمساك الفأرة، وتشغيل الحاسوب أو إيقاف تشغيله.

وما ذنب تلاميذ القرى النائية الذين سيحرمون من مسار بسبب عدم توفر مدارسهم وقراهم على الكهرباء، وأبسط مقومات الحياة، ومن هم الآباء الذين سيتصفحون “مسار” أولئك الذين لا يجدون ما ينفقون على أبنائهم لشراء كتبهم المدرسية، أم الذين أخرجوا أبناءهم من المدرسة طمعا ورغبا في جهدهم المادي لمساعدة إخوانهم على إتمام مسارهم الدراسي.

وتلاميذ يوقفون الدراسة ويستعطفون أساتذتهم في ذلك؛ لعدم توفر التدفئة في المدارس، متأثرين بالبرد القارس، وتتوقف الدراسة قبل متم الحصة لعدم توفر مصابيح تمكن التلاميذ من رؤية الأستاذ فضلا عن رؤية ما يكتب أو يكتبون، ويقطعون آلاف الأمتار وعشرات الدقائق مشيا على الأقدام في مرتفعات الريف، يخرجون من بيوتهم فجرا، كي يصلوا في الثامنة صباحا، ودفاترهم وكتبهم مبللة، يغيرون كل أسبوع دفاترهم المصابة بالجوائح.

إن إدماج تكنولوجيا الإعلام والاتصال من أجل أن نخدع أنفسنا ونخدع العالم بهذا الإدماج، لا يرجى منه ثمرة ولا نتيجة، فمسار يمكن أن يعتبر (كما يزعم من يدافع عنه) ” مشروعا وطنيا متكاملا يروم جعل المؤسسة التعليمية في قلب اهتمامات قطاع التعليم المدرسي وتعزيز دور الحكامة في النظام التربوي، عبر توفير قاعدة معطيات وطنية شاملة توفر إمكانية التتبع الفردي للمسار الدراسي للتلاميذ، ومواكبة مجهوداتهم وتحصيلهم الدراسي، ومسك نقط مراقبتهم المستمرة”. حينما تتوفر الأساسيات والضروريات لاستفادة الجميع من التعليم بزمن مدرسي كامل كحق أولي وأساسي، ومن ثم يمكن النظر في الكماليات.

والاجتهادات والجهود الارتجالية للوزارة مهما بلغت سوف تبقى جهدا ضائعا محدود الأثر، آثارها ضئيلة، بسبب العجز عن تصنيف المشكلات وترتيب الأولويات المطلوبة في المعالجة، والقصور عن مباشرة الإصلاح، الذي يتطلب تخطيطا وهما وعزما وإرادة.

[email protected]

www.facebook.com/karimkallali

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • أستاذ مغربي
    الثلاثاء 11 فبراير 2014 - 20:48

    لا شك أن اللغط الذي رافق تعميم برنامج مسار في المنظومة التعليمية مفتعل إلى أقصى الحدود و الذين ينتقدونه من تلاميذ لم يطلعوا عليه و لا يفهمون منه غير ما قيل لهم من البعض سامحهم الله (و هم لا يشكلون إلا قلة قليلة )الذين يعارضون كل جديد و كل شئ مفيذ لأنهم ألفوا عدم الإلتزام بالفروض و احترام توقيتها و لا يرغبون في التسابق مع الزمن لإتمام الدروس الدورية و السنوية و هم ألفوا التنقيط الإفتراضي للتلاميذ حسب أهوائهم و مزاجهم الذي فسد بفعل الإنزياح عن المهمة التربوية النبيلة إما بسبب انشغالاتهم النقابية أو السياسية أو التجارية و لا يجيدون إلا الكيل لكل ما يوحد العملية التربوية بين المؤسسات التعليمية و يوفر الشروط لتكافؤ الفرص و يحث على الحكامة و الشفافية في مسألة التقييم و لهذا وجب تطوير هذا البرنامج ليشمل كل المناحي التدبيرية للمؤسسات التعليمية و حل المشكل التقني الوحيد الذي عانينا منه في تعاملنا معه و هو ثقله الشديد في مسك النقط و استيرادها و تصدير المعطيات و كذلك تعطل و توقف خادمه المركزي عن الإستجابة و الذي دفعنا إلى السهر ليلا لإقتناص فرص اشتغاله .

  • أستاذ
    الخميس 13 فبراير 2014 - 19:28

    نحن نحتاج لجيل ذو أخلاق حسنة ومهتم بالعلم والعمل وأداء الواجب أكثر مما نحتاج للتكنولوجيا
    تعليمنا لم ينتج سوى أجيال تتقن الكذب والغش والخداع والإستهلاك وعدم الاعتماد على النفس…….

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام