إلياس العماري بين حرية المعتقد وإمارة المؤمنين

إلياس العماري بين حرية المعتقد وإمارة المؤمنين
الجمعة 24 يونيو 2016 - 19:08

تناول السيد إلياس العماري الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، بحر الأسبوع الجاري في أحد لقاءاته التواصلية، عدة موضوعات مجتمعية ذات حساسية مفرطة، قضايا يعتقد أن بعضها حسم أمره منذ زمن بعيد، وكرسته الممارسة الإنتاجية للقواعد والأعراف، و ثبتته السلوكات والتموقعات السياسية داخل النسق السوسيو ثقافي المغربي.

حرية المعتقد قضية أثارها “سائق الجرار وحامل مفاتيحه”، بشكل سطحي في نظرنا وبعيد كل البعد عن دلالاتها العميقة، التي قد تخطئها العين المجردة من نظرة أولى، مما يتعين معه تحديد النظر من جديد في هذا العنوان الكبير، وتمحيص ما يرى وما لا يرى منه، بحيث أنه ربطها بالإيمان وأن الملك هو أمير لكل المؤمنين وليس لعقيدة واحدة حسب تصريحه الموثق، والحقيقة أنها أخطر وأبعد من ذلك بكثير.

ليس المقام هنا لتقديم إجابات عن ذلك السؤال الذي حاول الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة أن يعطي موقفا منه، وإنما هي محاولة لتداول الموضوع بمساءلته عن عمقه، عن خلفيات طرحه، وعن جدوى طرحه أصلا في ظرفية لا تحتاج إلى نقاشات من هذا النوع، بقدر ما تحتاج إلى نقاش حول الأفعال المنشئة لكميات جديدة من الواقع، تكون غاياتها إيصال أو مرافقة الناس إلى الحياة الحية، وإلى إدراك فضاء تروج فيه قيم الحق والعدل والإنصاف، بدل تكريس ثقافة الجينيريك والعناوين التي تفتقد إلى عمق حقيقي.

لا ندري عندما يتحدث مسؤول سياسي حزبي في هكذا مواضيع هل يكون قد أعدها إعدادا فكريا وفلسفيا عميقا و دقيقا، من حيث تحديد نطاق و حمولة المفاهيم المستعملة، وكذلك من حيث عمقها وتشعبها وارتباطاتها بمفاهيم أخرى ذات طابع مؤسساتي سياسي حيوي لاستمرار بنية الدولة والأمة ككل، ليستعملها داخل رؤية متكاملة لمشروع أو تصور لمستقبل الكيان المشترك بين جميع المغاربة، أم يستعملها فقط من أجل الاستهلاك الإعلامي أو من باب مخالفة ومحاصرة الغير ليس إلا، خصوصا إذا كان الحزب يتبنى مفهوم الأصالة المغربية على صدر وجوده القانوني و السياسي.

الجميع يعلم أن الملكية، بحمولتها التاريخية، تختزن وظيفة إمارة المؤمنين تمارسها فعليا في تدبير الشأن الروحي والتعبدي، وليست فقط مجرد جسد متواجد رمزيا أو شكليا.

و الجميع يعي أيضا، أن اختصاصات الإمارة الإيمانية بالمغرب منظمة بحكم وثيقة الدستور المكتوب إلى جانب كتلة الأعراف والتقاليد التي استقرت في وجدان الدولة والأمة، ولم تعد هناك حاجة عملية عاجلة للطعن في خطط عملها، اللهم إلا إذا كان ذلك من باب الرغبة في تفكيكها وزوالها، وبالتالي الانفتاح على المجهول، و خلق نوع من التقسيم الداخلي باعتبار أن هذه المؤسسة الاجتماعية التاريخية هي الوحيدة التي وحدت المغاربة وجمعت شملهم، في غياب أي مشروع قطري وطني حداثي غير منفصل عن الماضي مجمع عليه.

و حيث أن إمارة المؤمنين تمارس اختصاصاتها من خلال عقد البيعة ذي المنبت الإسلامي، إن في شقها التأسيسي عند انتقال الحكم من ملك إلى آخر، أو من خلال البيعة السنوية للملك باعتباره رئيس الدولة يطرح خطة عمل للبناء والعمل والأمن، مقابل التفاف جماعة المغاربة حوله، مع الحفاظ على حقوق غير المسلمين الذين يحملون إيمانا سماويا آخر.

في مقابل ذلك وعندما تتم المطالبة بتحرير المعتقد من الضوابط التي اعتمدتها الأمة على مستوى العرف و الممارسة المعيارية الواضحة، ظنا من المطالب أنها عملية انتقال من إيمان إلى آخر، فإننا سندخل في عهدا قد تستعمل فيه هذه الحرية في الإيمان أو الارتداد عنه، بشكل سياسوي يهدف إلى إعلان العصيان على الإيمان بشكل جذري وعلى الديانات السماوية، وربما تبني أديان بشرية أخرى، أو تبني الإلحاد بشكل مطلق، ومن تم رفض الخضوع لإمارة المؤمنين من منطلق حرية المعتقد التي قد توجد الأفراد خارج العقائد الدينية، وبالتالي التحرر من جميع المؤسسات الدينية بما في ذلك عقد البيعة والتنصل من جميع الالتزامات المترتبة عنه لكونه لا يلزمهم ولا يتفقون مع أسسه الدينية الإسلامية أو الإيمانية وأنهم لا يعترفون به أصلا، وبالتالي لا يمكن أن يجبر عليه مواطن فضل أو اختار الخروج عن الدين بعدما أقر له بحريته الاعتقادية.

و بذلك يمكن القول إن المطالبة بحرية المعتقد، إن كان فعلا يعي بعض روادها ماذا تعني فعلا، فهي رغبة في ضرب إمارة المؤمنين بشكل غير مباشر، وبالتالي التحرر من عقد البيعة ثم خلق تقسيم داخلي خطير بين المتدنيين وبين غير المؤمنين، الشيء الذي نحن في غنى عنه في هذه المرحلة، لكونه قد يدمر الإجماع المغربي ويعيده إلى منطق الطوائف الدينية ومنطق صناعة أقليات وهويات دخيلة جديدة، و قد لا نستغرب يوما ما إن وجدنا الأبقار أو الكهان يتجولون وسط الرباط يتبعهم متعبدوهم مطالبين باحترام طقوسهم وعباداتهم و ربما عقود “البيعة” بينهم.

الحرية لا تمارس بطريقة فوضوية أو بناء على تقليد خارجي أو انصياع لقواعد أجنبية وضعت لأهداف معينة، بحجة الحداثة والتقدم، فالحداثة ليست نموذجا حصريا كونيا واحدا، بل لها وجوه متعددة ومتنوعة، وهي ليست مرتبطة بمحاربة التقليدانية أو القيم الدينية بشكل كلي و جذري، وإنما هي امتداد للحياة داخل نمط إنتاجي تفاعلي مع السياقات الجديدة يلبي ضرورات الحاضر من دون هدم البناء كله، بل على العكس، صيانة كل ما من شأنه أن يقوي الارتباط داخل حدود الدولة العصرية بناء على هوية وطنية جامعة وصارمة مع احترام تام للهويات الفرعية: القبلية؛ الثقافية أو الجهوية المتجذرة، والتخلي ولو مرحليا عن أي عنصر بإمكانه تفكيك هذا الارتباط. فحداثة اليابان المحافظة على القيم الإمبراطورية والتقليدية بما فيها الارتباط الأسري والديني ليست هي حداثة أمريكا المغامرة والمتحررة من كل شيء سوى مصلحة الأسواق، وحداثة ألمانيا المبنية على قيم العمل التضامني والتآزر الجماعي والعرقي ليست هي حداثة الهند الشعبية البسيطة وهكذا..

*باحث في العلوم السياسية

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • مواطن مغربي
    الجمعة 24 يونيو 2016 - 19:31

    هل الملك أمير للمسلمين أم أمير للمؤمنين؟
    إن كان الملك أميرا للمسلمين فقد أخرجتم من ولائه اليهود والنصارى وغيرهم ممن لا يدين بدين الإسلام،وكذلك من لا يمارس الشعائر الدينية،بل أنتم تخرجون من إمارته كل مواطن لا يصلي:"العهد الذي بيننا وبينهم هو الصلاة،ومن تركها فقد كفر".
    أما إذا كان الحاكم أميرا للمؤمنين الخلص،فإن دائرة الولاء ستتقلص بعد أن يتساقط الكثير من المصلين،ومن الذين أفتى البعض بكفرهم أو شركهم وانتقاض إيمانهم بسبب بعض الممارسات التي جعلها الشيوخ معيارا(تيمومتر)لقياس درجة إيمان المسلم.
    أنتم تسيؤون إلى الحاكم عندما تدعونه:"أمير المؤمنين"،كما تسيؤون في نفس الوقت للمواطنين الذين لا يدينون بالإسلام،أو بأي دين إذ تنزعون عنهم من حيث لا تدرون سربال الولاء لهذا الوطن ولملكه.
    الله رب الجميع،المسلم والكافر،المؤمن والفاسق الطائع والعاصي يعطي للمجتهد ولو كان كافرا،ويحرم المتواكل الكسول ولو كان مؤمنا،ويؤجل حساب الكل إلى يوم الدينونة،"إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شهيد"،فهل سلطة الحاكم أوسع من سلطان ملك الملوك؟؟!!

  • guig
    الجمعة 24 يونيو 2016 - 21:06

    كلام تزلف وتملق.الإنسان حر في أن يعتقد ما يريد وأن لا يعتقد أصلا.الحقيقة الثابثة هي التغير المستمر.وعلى الإنسان أن يفكر في ذاته من أجل ذاته.وكل القيم تخرج من عقل الإنسان ولا شيء يأتيه من الخارج.الدين هو نتاج العقل البشري على مدى سنين طويلة من رحلته في التفكير في الوجود وفي ذاته.
    انشري يا هسبريس

  • **مواطن * مغربي**
    الجمعة 24 يونيو 2016 - 23:03

    هل من صلاحيات الدولة أن تدلني على الله؟
    هل هي حريصة على الأخذ بيدي إلى أن تقف بي على أعتاب الجنة؟
    هل تخشى على الرعايا أن يموتوا ميتة جاهلية إن لم يكن في عنق أحدهم بيعة لدرجة أنها لا تسقط الجنسية المغربية عن أي مواطن أو مسؤول مهما أجرم أو خان؟
    حتى لو كانت هذه الاحتمالات صحيحة-والأكيد أنها ليست كذلك-فإنه ليس من صلاحيات الدّعاة عامة والسّاسة خاصة إجبار الناس على الهداية واتباع السبيل الذي يظن هؤلاء أنه هو سبيل النجاة:"إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل"،"ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء"،إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين".
    إذا كانت الدولة حريصة فعلا على فلاح المؤمنين فلماذا يا ترى تطوقهم بالثالوث الذي جاء كل الأنبياء والمصلحين لمحاربته،وأعنى به ثالوث الظلم والفقر والجهل؟
    لماذا يفر الشباب من نعيم دولة الإسلام ويرمون بأنفسهم في البحر،و ينتحلون صفة اللاجئين ليلتحقوا بـ(دارالحرب)،ويعيشوا بين(المغضوب عليهم) و(الضالين)؟
    لماذا تضطر المؤمنات لبيع لحمهن لـ(مؤمني) الشرق في سبيل ضمان لقمة عيش أو تأمين مستقبل بعد أن ضاقت عليهن آفاق الوطن و سُدت أبواب مستقبله؟

  • Amazigh
    السبت 25 يونيو 2016 - 01:10

    ربما نسي الاستاذ الكريم بأن حزب الجرار الذي يصدر عن زعيمه هذا الكلام أسس بمباركة من الجهات العليا لغرض في نفس يعقوب. لا اعتقد ان يتفوه سائق الجرار بكلام يعرف مسبقا انه لن يروق للجهات التي مكنته من المقود و من يدري ان هذا الحزب يمهد لشيئ ما. فبعض الامور لم تعد تساير الوقت حسب المنطق العلماني الذي تسير به هذه البلاد السعيدة.

  • Le Tangetois
    السبت 25 يونيو 2016 - 08:36

    فطن المخزن ان
    الثورة الرقمية تدفع
    الى فصل العقيدة
    والحرية وان الناس
    اصبحوا احرارا في
    اختيار العقائد كانوا
    في المغرب او اوروبا
    لدى جند المخزن
    زبانيته ليكون السبق
    له و ليحافظ عن
    مكتسباته العريقة من
    مال وعباد.

  • أمغار نتقبيلة
    السبت 25 يونيو 2016 - 13:24

    جنات عدن او لأجل المصلحة .يستحيل ان يكؤن راسخا بالاطلاع على نشوء الاديان و مقارنة الاديان والفلسفة والمعطيات العلمية.
    المتدينون والمشايخ يتصورون ان الملحد بلا اخلاق ومن شأنه ان يرتكب كل رذيلة والحال ان غالبية الكفار والملحدين واللادينيين احسن اخلاقا من المسلمين ولا يجدون حاجة للايمان بالله ليفعلوا الخير ويمتنعوا عن الشر.
    الجماعة الأمازيغية كانت تتشكل من "أمغار" القائد الذي كان يتولى تنفيذ قرارات الجماعة في شقها السياسي، في حين كانالفقيه يتولى تدبير لأمور الصلاة والأذان وتعليم القرآن للأطفال وهذا الفصل بين السياسي والديني هو الذي رسخ استقرار الجماعة.
    يجب تطوير العلمانية ثقافة وممارسة، العلمانية ، كما أن التطورات المتسارعة داخل المنتظم الدولي كالشراكة المتميزة مع الاتحاد الأوربي. أصبحت تستدعي من المغرب تطوير الممارسة العلمانية المؤسساتية. كان على إعلان مراكش الاخير أن يقر حق الردة لا حقوق الأقليات فقط اين الاية التي تقول من شاء فليكفر .الملك لكل المواطنين مؤمنين وغير مؤمنين والله الحقيقي لا يحتاج لنصرته بالسيف ان لم تنصره القناعة بوحيه و بكتبه وبقلم معتنقيه.أمزات أوال.

  • moumen
    السبت 25 يونيو 2016 - 17:11

    Au N° 2 Guig, je partage entièrement vôtre vision . La religion est une pure et simple invention de l'Homme pour gouverner l'Homme. Je pourrai même dire que c'est un noble mensonge , quand on dit que c'est un message divin à l'Homme pour lui monter la voix de la raison ou le droit chemin. Je pense qu'il est temps de se servir de son cerveau, de son intelligence et de sa conscience pour enlever ce frein qui a accablé des générations et des générations en leur promettant un au delà plein de jeune s et très belles filles, une éternité , du miel, du lben et même du vin… et wa va comprendre. Ici bas c'est hram et au delà c'est bien hlal. Hypocrisie totale

  • Lamya
    الأحد 26 يونيو 2016 - 09:24

    انا من رايي المتواضع, ان امير المؤمنين تعني امير الفقراء الى الله, اي الصوفية, لانهم هم المؤمنين حقا. وامارة المؤمنين تعني ترسيخ توابث الدين الاسلامي السمحة من هذا المنطلق على المذهب المالكي و التصوف السني المعتدل الوسطي و المتسامح.

صوت وصورة
التزامات "البام" لساكنة طنجة
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 23:40

التزامات "البام" لساكنة طنجة

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 21:00 1

لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي

صوت وصورة
أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:56 7

أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي

صوت وصورة
لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:08 14

لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 18:07 2

الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع

صوت وصورة
بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 17:16 3

بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا