الإسلام أقوى من الاستفزاز

الإسلام أقوى من الاستفزاز
الإثنين 2 فبراير 2026 - 02:52

لا أكتب هذا المقال من موقع الغضب، ولا من منطلق ردّ الفعل، بل أكتبه من موقع القلق الفكري. قلق مسلم يتابع ما يحدث باسم دينه، فيرى أن الخطر الحقيقي لا يأتي دائمًا من الخارج، بل كثيرًا ما يتغذى من الداخل. أكتب لأنني لم أعد مقتنعًا بأن الصراخ دفاع، ولا بأن العنف دليل إيمان، ولا بأن الاستفزاز يستحق كل هذا الهلع الجماعي الذي نصنعه حوله.

كلما تكررت حوادث حرق القرآن، أو نشر رسوم مسيئة للنبي محمد ﷺ، أو صدرت أعمال أدبية وفنية تصدم مشاعر المسلمين، يتكرر المشهد نفسه: غضب عارم، بيانات تنديد، تهديد، وأحيانًا عنف دموي. عند هذه اللحظة، أتوقف وأسأل نفسي: هل نحن ننتصر لديننا أم نمنح خصومه ما يريدون؟ وهل المشكلة فعلًا في تلك الإساءة، أم في الطريقة التي نختار بها الرد؟

ما وصلت إليه بعد تفكير طويل هو أن أغلب هذه الأفعال ليست تعبيرًا عن نقد فكري عميق، ولا بحثًا صادقًا عن الحقيقة، بل هي في جوهرها بحث عن الشهرة. فإحراق كتاب مقدس في عالم يعيش على الإثارة هو أسرع طريق للانتشار، والسخرية من رمز ديني لمليارات البشر هي وصفة جاهزة للضجيج الإعلامي. المستفِز يعرف مسبقًا أن ردّ الفعل سيكون عنيفًا، وأن اسمه سيتصدر العناوين، وأنه سينتصر حتى لو أخلاقيًا كان مفلسًا.

حين أحاول أن أتعامل مع الأمر بعقل بارد، أجد أن القرآن لم يكن يومًا هشًّا إلى درجة أن يحرقه شخص أو رسم كاريكاتوري. ماذا لو أُحرقت كل المصاحف؟ سؤال يبدو استفزازيًا، لكنه يكشف الحقيقة: لن ينهار الإسلام، ولن يختفِ، لأن هذا الدين لم يُختزل يومًا في الورق. القرآن حُفظ في الصدور قبل أن يُجمع في السطور، وبقي حيًّا عبر القرون لأن معناه كان أقوى من أي محاولة لمحو شكله.

المشكلة الحقيقية، في نظري، ليست في فعل الإحراق أو السخرية، بل في ردود أفعالنا نحن. حين نواجه الإساءة بالعنف، فإننا لا نحمي الإسلام، بل نسيء إليه. نقدم للعالم صورة دين غاضب، متوتر، لا يحتمل الاختلاف ولا يثق بنفسه. والأخطر من ذلك أننا نناقض صراحةً ما جاء في القرآن نفسه، حين وعد الله بحفظ كتابه، وحين أكد أن نوره ماضٍ مهما حاول الآخرون إطفاءه.

أسأل نفسي، ولا أجد جوابًا مقنعًا: من خوّل لبعض الناس أن يتحدثوا باسم الله؟ ومن منحهم الحق في أن ينصّبوا أنفسهم مدافعين رسميين عن النبي محمد ﷺ؟ أنا مسلم، وأؤمن بمحمد نبيًا ورسولًا، لكنني أرفض أن يتحول حبي له إلى عبادة، أو أن يصبح الدفاع عنه مبررًا لسفك الدم. نحن نعبد الله، لا الأشخاص، وقدسية الدين لا تعني قدسية تأويل البشر له.

أكثر ما يقلقني هو هذه الوصاية الفكرية التي تنتشر في مجتمعاتنا، وتجعل التفكير جريمة، والاختلاف خيانة، والهدوء تواطؤًا. هذه الوصاية هي التي تصنع العنف، وهي التي تغذي الإسلاموفوبيا، وهي التي تقدم للعالم صورة مشوهة عن دين يؤمن في جوهره بالتعدد، ويعترف بحرية الاعتقاد، ويترك الحساب لله وحده.

من خلال قراءة التاريخ وسيرة النبي ﷺ، أزداد اقتناعًا بأن التجاهل الواعي أقوى من الرد الانفعالي. الاستفزاز يعيش على الغضب، ويذبل أمام الصمت الواثق. لو أُحرقت نسخة من القرآن ولم نبالغ في الرد، لفقد الفعل قيمته. ولو سُخر من النبي ولم نمنح الساخرين ما ينتظرونه من ضجيج، لما استمروا في الفعل نفسه. لكننا، للأسف، نفعل العكس، ونحوّل كل حادثة هامشية إلى قضية وجود.

أنا لا أدعو إلى الخضوع، ولا إلى التطبيع مع الإهانة، بل أدعو إلى نضج في الوعي. النقد يُجابَه بالنقد، والفكرة بالفكرة، والسخرية بالعقل أو بالتجاهل. الإسلام الذي أؤمن به دين قوي بذاته، لا يحتاج إلى عصبية أتباعه ليبقى، ولا إلى عنفهم ليُحترم.

في النهاية، أخلص إلى قناعة واحدة: معركتنا ليست مع من يحرقون المصاحف، بل مع من يحرقون المعنى. ليست مع الرسام أو الكاتب، بل مع الخوف الذي يسكننا، ويجعلنا نتصرف وكأن ديننا مهدد في كل لحظة. يوم نتحرر من هذا الخوف، ونستعيد ثقتنا بعقولنا وبإيماننا، سنكتشف أن الإسلام كان، وسيبقى، أقوى من كل الاستفزازات.

وإذا عدتُ إلى النص القرآني نفسه، أجد أن الإشكال ليس جديدًا، وأن محاولات الاستفزاز والطعن والسخرية رافقت الدعوة منذ بداياتها الأولى. القرآن يحكي عن الاستهزاء، وعن التكذيب، وعن السخرية، لكنه في الوقت نفسه لا يدعو إلى الهلع ولا إلى الرد العصبي، بل يوجّه الوعي إلى معنى أعمق: أن الصراع الحقيقي ليس على الرموز، بل على القيم. فالدين الذي لا يستطيع أن يعيش إلا في ظل المنع والقمع والعقاب، هو دين لم يترسخ بعد في النفوس.

ما يؤلمني حقًا هو أننا، في كل مرة، نتصرف وكأن الإسلام مشروع هشّ، مهدد بالانهيار بسبب فعل فرد أو صحيفة أو رسام. كأن أربعة عشر قرنًا من التاريخ، ومليارات المؤمنين، وتجربة حضارية كاملة، يمكن أن تُنسف بكاريكاتير. هذا الشعور الدائم بالتهديد لا يعكس قوة الإيمان، بل يعكس هشاشة الثقة. الإيمان الواثق لا يصرخ، ولا يستعرض عضلاته، ولا يطلب من الدولة أو من الجماعة أن تنتقم له.

ثم إنني لا أستطيع تجاهل البعد السياسي والإعلامي لهذه الاستفزازات. كثير منها لا يُفهم إلا داخل سياق صراع الهويات في الغرب، وصعود اليمين المتطرف، واستثمار الإسلام كفزّاعة انتخابية. وحين ننجرّ نحن إلى ردود أفعال عنيفة، فإننا نؤكد سرديتهم، ونثبت لهم أن المسلم خطر محتمل، وأن الخوف منه مبرر. هكذا نتحول، دون وعي، إلى أدوات في لعبة لا نكتب قواعدها ولا نربح نتائجها.

الأدهى من ذلك أن بعض من يتصدرون مشهد الغضب في عالمنا الإسلامي لا يدافعون عن الدين بقدر ما يدافعون عن سلطتهم الرمزية. إنهم يحتاجون إلى عدو دائم، وإلى معركة مفتوحة، لأن وجودهم مرتبط بالتعبئة، لا بالتفكير، وبالتحريض، لا بالتنوير. لذلك فهم يرفضون الهدوء، ويخافون من العقل، ويعتبرون كل دعوة للتعقل خيانة أو ضعفًا.

من هنا، أرى أن المشكلة أعمق بكثير من مجرد إساءة عابرة. نحن نعاني من أزمة فهم للدين نفسه: هل هو منظومة قيم وأخلاق، أم هو هوية صلبة لا تعيش إلا بالصراع؟ هل هو دعوة إلى تحرير الإنسان، أم وسيلة لضبطه وتخويفه؟ حين نختار العنف ردًا على الاستفزاز، نكون قد أجبنا عمليًا عن هذه الأسئلة، ولكن بإجابة خاطئة.

إن الإسلام الذي أؤمن به لا يخاف من الحرية، لأنه وُلد في فضاء السؤال، وتشكّل في قلب الجدل، وانتشر بالحجة قبل السيف. وهو دين يعترف بحق الإنسان في أن يؤمن أو لا يؤمن، في أن ينتقد أو يرفض، لأن الإيمان الحقيقي لا يُفرض. وكل محاولة لفرض الاحترام بالقوة هي اعتراف ضمني بالعجز عن الإقناع.

لهذا أعتقد أن معركتنا الحقيقية اليوم هي معركة وعي. وعي يفهم أن الدفاع عن المقدس لا يكون بتقديس الغضب، ولا بتحويل الدين إلى هوية جريحة، بل بإعادة ربطه بالأخلاق، وبالعدل، وبالكرامة الإنسانية. وعي يميز بين ما يستحق الرد وما يجب تجاهله، بين النقد الذي يثري الفكر، والاستفزاز الذي يعيش على الضجيج.

إنني مقتنع بأن أخطر ما يمكن أن نفعله بالإسلام هو أن نقدمه للعالم في صورة دين خائف، عصبي، سريع الانفجار. وأجمل ما يمكن أن نقدمه له هو أن نعيشه كما هو: هادئًا في قوته، واثقًا في حضوره، غنيًا عن استعراض العنف. حينها فقط، سنفهم أن الذين يحرقون المصاحف لا يحرقون إلا صورتهم، وأن الذين يسخرون من النبي لا ينتقصون إلا من أخلاقهم، وأن الإسلام، في جوهره، كان دائمًا أكبر من كل ذلك.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • Lamya
    الثلاثاء 3 فبراير 2026 - 15:28

    أعجبني هذا المقال لأنني أتبنى نفس فكرة الكاتب و أزعجني ضجيج البعض و ردود أفعال عنيفة لا تليق بنبي الرحمة عليه أفضل الصلاة و السلام
    إذا كان نبي الرحمة نفسه لم ينتقم ممن أساؤوا إليه, فبأي حق يأتي متطرف اليوم ليزهق الأرواح بدعوى الدفاع عنه? إذن الرسام نفسه رسم إسلام هؤلاء المتطرفين, و لذلك يجب أن نلوم المتطرفين و ليس الرسام

  • amaghrabi
    الثلاثاء 3 فبراير 2026 - 18:14

    من يقرأ القرءان الكريم وينتبه الى الايات التي تدعو الى احترام المخالفين واحترام عقائد الاخرين ينتبه الى اين تكمن قوة الاسلام ومن يقرأ السيرة المحمدية في بدايته في مكة المكرمة والتي عانى في تلك المرحلة مظالم كثيرة من المجتمع القريشي الذي حاصره من جميع الانحاء حتى اذوه في الطائف وادموه بالحجارة مما جعله يشعر بانسداد الافاق والتجأ الى الكعبة المشرفة وجلس بين الصفا والمروة يفكر في مصير رسالته التي اصبحت مهددة في اواخر العشرية الاخيرة من دعوته في مكة المكرمة ولكن رب الرسالة فتح بابا جديد كان سببا لانطلاق الدعوة المحمدية من بقعة جديدة الا وهي المدينة المنورة التي وحدت بين مسلمي مكة واهل المدينة الذين اتفقوا مع محمد ص في الكعبة المشرفة وهو جالس بين الصفا والمروةوكان الوفد عبارة عن ثلاثة نفر جاءوا الى موسم الحج وكانت الاتفاقية انهم يحملون الخبر الى اهل المدينة وموعدهم مع رسول الله ص في السنة المقبلة في ايام الحج وكانت البدايةالمباركة التي فتحت صفحة جديدة واضاءت الطريق المنير للدعوة الاسلامية ونجاحها في ظرف اقل من 10 سنوات

  • الورزازي
    الأربعاء 4 فبراير 2026 - 08:09

    مع تحفظي على بعض ما ورد في المقال، إلا أنني متفق مع فكرته الأساسية 100 ٪.
    فنحن نحتاج فعلا إلى ضبط انفعالاتنا و ردود أفعالنا تجاه كل تافه يريد أن يستفزنا… هؤلاء التافهون، “الجاهلون” بتعبير القرآن الكريم، لا يستحقون منا سوى المرور “كرامًا” و رد “سلامًا”… و تواصل القافلة مسيرتها التاريخية رغم مناوشات و نباح الكلاب.
    “و إذا مروا باللغو مروا كراما”، و “إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما”.
    شكرا جزيلا.

  • مهاجر من ألمانيا
    الأربعاء 4 فبراير 2026 - 09:41

    أنا شخصيا لا تستفزني الإساءات و الاستفزازت, صراحة لا أعرف لماذا, ربما يقول البعض أنه ليست لدي غيرة على ديني. و لكن في الواقع أنني أرى تاريخنا العريق و جغرفيتنا الممتدة تجعلني مطمئن و الإيمان القوي المتين الذي لا يهتزو الثقة القوية في النفس

  • Lamya
    الأربعاء 4 فبراير 2026 - 10:17

    التعامل مع الاستفزاز يجب أن يستمد شرعيته من صلب الدين, لا من أهواء المتطرفين. القرآن علمنا ’القول السلام‘ عند مخاطبة الجاهلين و ب”الإعراض” لا الصدام. و حتى السنة النبوية في موقف الصديق أبي بكر رضي الله عنه علمتنا أن الملائكة تدافع عمن يملك أعصابا باردة, بينما يحضر الشيطان عند ردود أفعال غاضبة أو الانتقام.

صوت وصورة
مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"
السبت 26 شتنبر 2026 - 22:40 2

مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"

صوت وصورة
ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي
السبت 26 شتنبر 2026 - 21:30 6

ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي

صوت وصورة
ساكنة سلا تتحسر
السبت 26 شتنبر 2026 - 17:49 10

ساكنة سلا تتحسر

صوت وصورة
مرافق مهملة بالدار البيضاء
السبت 26 شتنبر 2026 - 13:57 4

مرافق مهملة بالدار البيضاء

صوت وصورة
الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:49 9

الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي

صوت وصورة
بنكيران: البيجيدي في المعارضة
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:02 18

بنكيران: البيجيدي في المعارضة