أصبحت وسائل الإعلام، التقليدية منها والرقمية، أحد أهم الفاعلين المؤثرين في تشكيل الوعي الجماعي وصناعة الرأي العام. وقد أفرزت الثورة الرقمية فضاءات واسعة للتواصل والتعبير وإنتاج المحتوى، بما عزز منسوب حرية التعبير وسمح لمختلف الفاعلين والأفراد بالمشاركة في النقاش العمومي حول القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية.
ويعد هذا التحول مكسبا ديمقراطيا مهما، بالنظر إلى دوره في توسيع دائرة المشاركة المجتمعية وإتاحة الوصول إلى المعلومات بشكل غير مسبوق.
هذه الحرية، على أهميتها، تطرح في المقابل تحديات جديدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقضايا المرتبطة بالهوية والانتماء الثقافي واللغوي. فالهوية ليست مجرد معطى ثقافي أو رمزي، بل تشكل أحد المرتكزات الأساسية للأمن المجتمعي والاستقرار السياسي والوحدة الوطنية. ولهذا فإن طريقة تناول القضايا الهوياتية في الإعلام الرقمي قد تتحول إلى عامل لتعزيز التعايش والاندماج، كما قد تصبح أداة لإنتاج الاستقطاب والتوتر والصراع.
وتزداد خطورة هذه المسألة عندما يتم توظيف المنابر الإعلامية لنشر اتهامات خطيرة تمس فئات أو مكونات مجتمعية بعينها، من قبيل اتهامها بالانفصال أو العمالة أو الارتباط بأجندات خارجية، دون الاستناد إلى معطيات موثقة أو أحكام قضائية أو تقارير رسمية. فمثل هذه الاتهامات لا تستهدف أفرادا بعينهم فقط، وإنما قد تمتد آثارها إلى جماعات ثقافية أو لغوية بأكملها، بما يهدد أسس الثقة المتبادلة بين مكونات المجتمع.
في هذا السياق، أثيرت خلال فترات مختلفة اتهامات لبعض النشطاء الأمازيغ بالانفصال أو الارتباط بإسرائيل، استنادا إلى وجود اهتمام أكاديمي عبر مراكز للتفكير والبحث أو سياسي خارجي بالقضية الأمازيغية من لدن إسرائيل. والأمر نفسه عندما يتم توجيه اتهامات لنشطاء يدافعون عن فلسطين وإيران وحزب الله بلبنان بخدمة اجندات مشرقية.
الواقع ان هذا النوع من الاستنتاجات يطرح إشكالات منهجية ومنطقية عديدة. فاهتمام دولة أو مؤسسة أجنبية بثقافة معينة لا يعني بالضرورة أن حاملي تلك الثقافة أو المدافعين عنها يشكلون امتدادا لمصالح تلك الدولة أو أدوات لتنفيذ أجنداتها. وإلا فإن المنطق نفسه يمكن تطبيقه على العديد من القضايا واللغات والثقافات التي تحظى باهتمام دول ومراكز بحثية أجنبية اوروبية وامريكية.
من الناحية القانونية والسياسية، فإن أي ادعاء بوجود مشروع انفصالي أو ارتباط بجهات أجنبية ينبغي أن يخضع لمعايير الإثبات الموضوعي والمؤسساتي. فإذا ثبتت مثل هذه الارتباطات من خلال الأدلة والقرائن القانونية، فإن الدولة مطالبة بالتعامل معها بالحزم اللازم حماية للمصلحة الوطنية. أما في غياب الأدلة، فإن إطلاق الاتهامات على سبيل التعميم لا يعدو أن يكون شكلا من أشكال الصاق صفات و احكام وتهم سياسية، واسلوب يروم الإقصاء الرمزي الذي يساهم في تأجيج التوترات الهوياتية بدل معالجتها.
وتكمن إحدى أبرز الإشكالات في اختزال الأمازيغ أو الناطقين باللسان الأمازيغي في صورة نمطية واحدة، والحال أنهم يشكلون مكونا مجتمعيا واسعا ومتعدد التوجهات والانتماءات الفكرية والسياسية. فمن بينهم المحافظ والإصلاحي، والإسلامي والعلماني، واليساري والليبرالي، والقومي العربي والمدافع عن الخصوصية الأمازيغية. وبالتالي فإن اختزال هذا التنوع في موقف سياسي موحد أو ربطه بأجندة خارجية واحدة يمثل تبسيطا مخلا بالواقع الاجتماعي والسياسي.
كما أن النقاش الهوياتي السليم ينبغي أن يميز بين الدفاع عن الحقوق الثقافية واللغوية المشروعة وبين المشاريع السياسية التي قد تمس الوحدة الوطنية. فالمطالبة بالاعتراف باللغة أو الثقافة أو الذاكرة التاريخية لا تعني بالضرورة السعي إلى الانفصال أو التشكيك في الانتماء الوطني. بل إن التجارب الديمقراطية المعاصرة أثبتت أن الاعتراف بالتعددية الثقافية واللغوية يشكل أحد عوامل تعزيز الوحدة الوطنية وليس تهديدها كما يقول الفيلسوف الكندي شارل تايلور.
وفي هذا الإطار، يتحمل الإعلام مسؤولية كبرى في إدارة النقاشات المرتبطة بالهوية. فالإعلام المهني مطالب بالتحقق من المعلومات، وتجنب خطاب الكراهية والتحريض والتبخيس، والتمييز بين النقد المشروع والتخوين، وبين الاختلاف الفكري والمس بالولاء الوطني. كما أن عليه أن يفسح المجال أمام النقاش المثمر والحوار العقلاني القائم على الحجة والبرهان، بعيدا عن أسلوب الإثارة والاستقطاب والأحكام المسبقة.
إن الأمن الهوياتي لا يتحقق عبر إسكات النقاش أو التضييق على حرية التعبير، بل من خلال بناء فضاء عمومي قائم على الاعتراف المتبادل واحترام التعددية وتكافؤ المواطنة. فكلما نجحت المؤسسات الإعلامية والثقافية والسياسية في إدارة الاختلافات الهوياتية ضمن إطار الحوار الديمقراطي الجاد والهادف، كلما تعززت مناعة المجتمع ضد النزعات الانقسامية والتوترات الداخلية.
وتاسيسا على ما سبق، يمكن القول إن الحفاظ على الأمن الهوياتي يقتضي الموازنة بين حرية التعبير والمسؤولية المجتمعية، وبين الحق في الاختلاف وضرورة حماية الوحدة الوطنية. فالإعلام يمكن أن يكون جسرا للتفاهم والتعايش، كما يمكن أن يتحول إلى أداة لإنتاج الانقسام والصراع، وهذه قوته وفي نفس الوقت خطورته كسلاح فتاك.
ومن بناء عليه، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في الحد من حرية النقاش حول قضايا الهوية كمجال للذاتيات حسب تعبير حسن أوريد، بل في ترسيخ إعلام مسؤول ومهني يجعل من التعددية مصدر قوة وإثراء للمجتمع، لا سببا للتنازع والتوتر والتفكك والتشتت.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.