انتهاز الفرص سلوك غير معيب؛ بل هو تصرف صائب مطلوب ينم عن يقظة وفطنة ونباهة، فإذا ما سنحت الفرص كان من الواجب اغتنامها على الفور وبلا إبطاء، وعدم تضييعها بالتراخي والتسويف والإرجاء؛ لأن الفرص، وكما قيل: لا تطرق الباب مرتين؛ فإذا ما هي فاتت وضاعت كان في فواتها ندامة، وفي مضيعتها غصة؛ أما الانتهازية فإنها، على العكس تماما، سلوك مذموم منحط؛ لأنه يقوم أساسا على استغلال كل الوسائل الملتوية لتحقيق المآرب الذاتية دونما اكتراث لما قد يلحق حقوق الأفراد من مساس، والمصلحة العامة من إضرار.
وعليه، كانت الانتهازية مجمع الرذائل وملتقى القبائح؛ ذلك أن الشخص الانتهازي شخص وصولي أناني في منتهى النرجسية، يضرب بعرض الحائط كل القيم السامية، ويدوس في طريقه كل المبادئ النبيلة، ويستغل كل الأساليب الدنيئة من أجل الوصول اليسير السريع المريح إلى تحقيق مصالحه الذاتية؛ فهو في سبيل حصاد المغانم، وجني المنافع، لا يتورع عن اللجوء إلى الكذب والافتراء والتزلف والنفاق والوشاية والاحتيال والتآمر، وما إلى ذلك من الصفات السيئة والأعمال النكراء؛ بل إنه لا يتحرج في أن يتردى في مستنقع الفساد، أو يتمرغ في وحل الاستخذاء، شعاره في ذلك الغاية تبرر الوسيلة.
والانتهازية سلوك شائع في مختلف المجالات؛ ذلك أننا نجدها في العائلة، والحي، والمدارس ومؤسسات التكوين، والوظائف والأعمال، والأحزاب والنقابات، والأندية والجمعيات، إننا نجدها في كل مكان؛ غير أن الانتهازية في الحقل السياسي تبقى من أبشع صور هذا السلوك؛ حيث إن الانتهازي السياسي لا يتحرك حين يتحرك إلا بقوة مصالحه الكبرى، فو لا يرضى بالفتات، ولا يقنع بالحظوة الصغيرة، أو الامتياز البسيط، وإنما هو، وكما تصوره الرسومات الساخرة، صاحب بطن كبيرة تتدلى إلى الأرض، يطمع في الغنائم السمينة، ويسعى إلى المنافع الكبيرة، التي منها لا يشبع ومنها يستزيد ويستزيد؛ ولعل أشنع مثال على ذلك تلك الكائنات التي ابتلي بها مشهدنا السياسي، أولئك الذين يقبلون على الانتماء إلى الحزب لا تعلقا به، ولا شغفا بالسياسة، ولا حبا في أهلها، وإنما ابتغاء مكاسب ومناصب يدفعون للظفر بها الملايين؛ كل ذلك لفتح المسالك إلى الجاه والوجاهة، والثروة، والنفوذ، وشبكات العلاقات.
وللانتهازية صور وأشكال مختلفة؛ ويمكن أن نميز فيها بين الانتهازية المكشوفة المفضوحة، والانتهازية المتسترة المتقنعة؛ فإذا كان بعض الانتهازيين يضمرون انتهازيتهم البغيضة، متظاهرين بالعفة والزهد والكفاف، فإن آخرين لا يجدون غضاضة في إظهارها، والمجاهرة بها بين الناس؛ معتبرين ذلك علامة على الشطارة والذكاء والدهاء.
كما يمكن أن نميز بين الانتهازية الموصولة، والعابرة، والمتأخرة:
فالأولى أي الموصولة يتشربها الانتهازي مبكرا منذ حداثة سنه، فيشب عليها بالاقتداء والتنشئة، ويتدرج بها في مختلف الأطوار، ويتخذها أسلوب حياة، في المدرسة والعمل، وفي مختلف علاقاته الاجتماعية، وفي كل الظروف والأحوال.
والثانية الموصوفة بالعابرة، يعتبرها مقترفها سلوكا اضطراريا دعته إليه الضرورة في موقف من المواقف الاستثنائية الحاسمة، ولم يكن فيها بد إلا تلبية هذا الاضطرار.
والثالثة والتي نعتناها بالمتأخرة، فنقصد بها تلك التي تأتي بعد مسار طويل من الالتزام والثبات على المبدأ، وخير مثال نسوقه في هذا المقام مثال ذلك المناضل الحزبي الذي انتمى إلى قواعد حزب وطني وهو في زهرة الشباب، مقتنعا بإيديلوجيته، واصطفافه الجماهيري، وظل يناضل بكل انضباط وحماس في هياكله التنظيمية، وفيا للمبادئ، مخلصا للقيم، ولما زاغ الحزب عن سكته، وانحرف عن مساره، لم يرفع صوته بالاستنكار، ولم ينسحب حفاظا على نظافة مساره كما فعل كثير من رفاقه، وإنما آثر في خريف عمره السياسي الانضمام إلى البطانة الملتفة حول الزعيم بتبعية منجرة وولاء أعمى وتبريرات واهية، حفاظا على وضع يعتبره مكسبا تاريخيا لا ينبغي التفريط فيه بعدما تقدم به العمر، وتقادم به الانتماء.
وبناء على ما تقدم، وأيا كانت صورة الانتهازية من الصور المذكورة، وقد تكون هناك صور أخرى، فإنها تبقى سلوكا بغيضا مستنكرا، لما ينطوي عليه من استخفاف بحقوق الأفراد، وانتقاص من شأنهم، وتعطيل لأدوارهم، ولما يتسبب فيه أيضا من إضرار بمصالح الجماعات؛ إنها سلوك ما فتئ يتنامى وينتشر ويتجذر في مجتمعنا، وقد ساعد على ذلك الاتجاه العام في مختلف مناحي الحياة إلى تمجيد الفردية، وتغليب المصلحة الشخصية، وما أصاب منظومة القيم من انحراف يمضي بها حثيثا إلى الانهيار.
لا ريب أنه من الصعوبة اجتثاث هذا السلوك؛ بيد أن هذا لا يمنع من محاولة محاصرته، وهذا دور كثير من الأطراف:
إنه دور مؤسسات التنشئة وفي مقدمتها الأسرة والمدرسة المطالبة بتربية النشء على استهجان الانتهازية، سلوكا وأسلوبا، ونبذها، وذلك من خلال التوعية بحدود الحقوق والواجبات، والمصلحة الخاصة والمصلحة العامة، والتربية على القيم المثلى من قبيل العمل، والكرامة، والاحترام…
وإنه دور المؤسسات الإدارية والإنتاجية والخدماتية في تكريس التدبير القائم على قوانين غير مجحفة، وأنظمة نزيهة وشفافة تعتمد على معايير الاستحقاق والكفاءة في الولوج والإدماج والترقي، وتجنب أسلوب صناعة الانتهازية، وتقدير الانتهازيين.
وإنه دور منظمات المجتمع المدني، التي من المفترض أن تكون حريصة على محاربة هذا السلوك، أليس من العار أن تتهم قيادات نقابية تعول عليها القواعد في التفاوض والترافع لرفع الحيف وإحقاق الحق، بخدمة فئاتها المهنية ومصالحها الشخصية؟
وإنه في الأول والأخير لدور مؤسسات الدولة في المحاسبة، وقطع الطريق على الانتهازيين الكبار الذين أباحوا الانتهازية، واستباحوا الحقوق، وانشغلوا عن مصالح الناس الحقيقية، وتلهوا بمطامعهم الشخصية، فأفسدوا وأكثروا الفساد.
“El hombre se cree libre, pero está siempre sometido a las leyes del oportunismo”
“Man believes himself free, but he is always subjected to the laws of opportunism”
“يظن الإنسان أنه حُر، ولكنه يخضع دائماً لقوانين الانتهازية.”
Pío Baroja
(1872-1956)
(Spanish writer)
“Il y a une différence entre être stratège et être opportuniste”
“هناك فرق بين أن تكون استراتيجياً وأن تكون انتهازياً.”
Jacques Chirac
أستاذي،
إن الانتهازية، كما وصفتَ، ليست مجرد سوء سلوك فردي بل هي آفة مجتمعية تفتك بالقيم وتعرقل التقدم، فهي الوجه القبيح لاغتنام الفرص. إن تفريقك بين اغتنام الفرص المشروع وبين السلوك الانتهازي القائم على استغلال الآخرين والمصلحة العامة يضع النقاط على الحروف في هذا الموضوع الشائك. وقد أبرزتَ ببراعة كيف تتجلى هذه الظاهرة في مختلف أشكالها، من الانتهازية المكشوفة إلى المتأخرة، وخصوصاً في المجال السياسي حيث تتحول المنافسة إلى سباق نحو الغنائم الشخصية. وتشدد دعوتك إلى دور الأسرة والمدرسة والمؤسسات الإدارية في محاصرة هذا السلوك على أن المعركة هي في الأساس معركة قيمية وأخلاقية.
ALHOCEIMA