الاهتمام بسؤال الهوية

الاهتمام بسؤال الهوية
السبت 21 فبراير 2026 - 21:02

لم يعد سؤال الهوية اليوم سؤالا ثقافياً هامشيا، بل أصبح سؤالا مركزيا يفرضه زمن التحولات المتسارعة. ففي عالم تتداخل فيه القيم واللغات والرموز، ويضغط فيه النموذج الكوني الموحد على الخصوصيات المحلية، يشعر الفرد والجماعة معا بأن مركزهما الداخلي مهدد بالاهتزاز. لذلك يتحول السؤال: من نحن؟ إلى محاولة لإعادة التوازن بين الذات والعالم، لا بحثا عن الانغلاق، بل سعيا إلى موقع واضح داخل حركة التاريخ.

يرتبط الاهتمام بالهوية أولا بالحاجة إلى المعنى والانتماء؛ فالفرد لا يعيش بالوقائع وحدها، بل بالتأويل الذي يمنحه لها. ومع تراجع الروابط التقليدية واتساع الفضاء الرقمي، لم يعد الانتماء معطى جاهزا بل بناء واعيا. ومن خلال التفكير في الهوية يعيد الإنسان صياغة علاقته بلغته وتاريخه ومجتمعه، فيكتسب استقرارا نفسيا وقدرة أكبر على التفاعل مع الآخر دون خوف من الذوبان.

ويمثل سؤال الهوية أيضا آلية لحفظ الذاكرة الجماعية من النسيان؛ فالمجتمعات التي لا تستحضر تاريخها تصبح قابلة لأن يُعاد تعريفها من الخارج. لذلك فإن استدعاء التراث واللغة والرموز الثقافية ليس حنيناً إلى الماضي، بل حماية لمعنى الوجود الجماعي وضمان لاستمرار التجربة المشتركة عبر الأجيال.

وفي زمن التشابه الكوني، تتحول الهوية إلى شكل من أشكال المقاومة الرمزية. فالمطلوب ليس رفض الانفتاح، بل امتلاك القدرة على التفاعل دون فقدان الذات. إن المجتمع الذي لا يعبّر عن خصوصيته يُدمج في نماذج جاهزة، بينما المجتمع الواعي بذاته يشارك في العالم من موقع الندية لا التبعية.

لهذا نلاحظ أن كثيرا من المجتمعات التي اتجهت نحو المستقبل لم تفعل ذلك عبر القطيعة مع جذورها، بل عبر الانطلاق منها. فـالصين أعادت توظيف ذاكرتها الحضارية داخل مشروع عالمي مثل مبادرة الحزام والطريق، حيث تحولت صورة طريق الحرير التاريخي إلى رؤية اقتصادية وجيوسياسية معاصرة تمنح المشروع شرعية رمزية وتقدمه كاستمرار لمسار قائم على التواصل والمصالح المشتركة.

كما أن الهند جعلت من تعددها الثقافي واللغوي طاقة اجتماعية دعمت قوتها الناعمة وتقدمها التكنولوجي؛ فتبنت نموذجاً سياسيا يستوعب التنوع داخل بنية واحدة، ورافقت ذلك باستثمار واسع في التعليم والبرمجيات، فاندمجت في الاقتصاد الرقمي العالمي دون أن تفقد ملامحها الحضارية.

أما روسيا فقد أعادت صياغة دورها الدولي باستحضار خبرتها التاريخية وصورتها عن ذاتها كقوة حضارية وجيوسياسية، بحيث جاء التحديث تطويراً لقدرات الدولة ضمن تصور خاص لمكانتها في العالم. وهكذا تكشف هذه التجارب أن التحديث لم يكن تقليداً جاهزا ولا انغلاقاً في الماضي، بل تكييفا خلاقاً يجعل الانفتاح امتداداً للهوية لا نفيا لها.

وهذا ما جعل دولا مثل الصين والهند وروسيا وغيرها كما يقول المفكر حسن أوريد تتجاوز في تصورها حدود “الدولة-الأمة” نحو أفق “الدولة-الحضارة”، حيث لم تعد شرعية الدولة مستمدة فقط من الحدود السياسية أو العقد القانوني، بل من عمق تاريخي وثقافي ممتد يمنحها رؤية أوسع لدورها في العالم؛ فتغدو الدولة حاملة لذاكرة حضارية وقيم كبرى، وتتحول السياسة إلى امتداد لتجربة ثقافية طويلة لا مجرد إدارة آنية للمجال الترابي.

بهذا المعنى، يتضح أن سؤال الهوية ليس عودة إلى الماضي بقدر ما هو تفكير في المستقبل. فالهوية ليست معطى ثابتا، بل مشروعا متجددا يحدد الاتجاه ويمنح الفعل معناه.

لذلك نهتم به اليوم لأن العالم يتغير بسرعة، ولأن من لا يعرف ذاته لا يستطيع أن يحدد وجهته؛ أما من يمتلك وعياً بهويته فيستطيع أن ينفتح دون أن يذوب، وأن يتقدم دون أن يفقد نفسه.

-باحث جامعي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • MC
    الأحد 22 فبراير 2026 - 01:16

    “”The world will ask who you are, and if you do not know the answer, the world will tell you”
    “العالم سيسألك من أنت، وإذا لم تعرف الإجابة، فالعالم سيخبرك من أنت.”
    James Baldwin
    (كاتب)

    “What makes me myself and not someone else is that I am at the edge of two countries, of two or three languages, of several cultural traditions. That is precisely what defines my identity

    “ما الذي يجعلني أنا نفسي ولست شخصًا آخر هو أنني على حافة دولتين، ولغتين أو ثلاث، وعدة تقاليد ثقافية. هذا بالضبط ما يُعَرِّف هويتي.”
    Amine Maalouf
    (كاتب)

    أستاذي،
    إن سؤال الهوية اليوم ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية في زمن العولمة الزاحفة. لكني أرى أن الخطر الأكبر لا يكمن في فقدان الهوية، بل في تحويلها إلى سجن نغلق به أبوابنا قبل أن نحمي به كياننا. تجارب الصين والهند وروسيا التي ذكرتها تؤكد أن النهضة الحقيقية تبدأ عندما نجعل من هويتنا جسراً نحو العالم، لا خندقاً نتحصن فيه من الآخر.
    “الهوية الحية هي التي تتغذى من الماضي لتلد المستقبل، أما الهوية الميتة فهي التي تظل حبيسة الماضي فتلد الوهم.”

    ALHOCEIMA

  • amaghrabi
    الأحد 22 فبراير 2026 - 14:00

    مقال جميل وزاده المعلق الاول جمالا باسلوبه الذي يعتمد على مقولات كبار المفكرين العالميين وبالتالي فمسألة الهوية يعني من أنا تاريخيا وحاضرا ومستقبلا وبالتالي صيرورة زمنية لها بداية واستمرارية حاضرا ورسم طريقها نحو المستقبل وبالتالي فانا راض جدا على مخطط دولتنا واحترامها للتعدد اللغوي الذي يسود ارضنا اليوم لانه كما قال احد حكما الجزائر عن الفرنسية “ان غنيمة حرب” بمعنى هذه اللغة رغم انها لا تشكل الهوية اللغوية ولكن استفادة الشعب الجزائري بخدذمتها العلمية والادبية والتقنية وو اصبحت تفرض نفسها مرحليا ريثما تتطور اللغة الاصلية وربما لا تحيدها كليا لان العالم اليوم يعيش تعدد اللغات بحيث ليس هناك في المدارس العالمية من لا يتعلم على الاقل لغتين اجنبيتين او اكثر ولكن تبقى اللغة الاصلية التي تحمل الهوية التاريخية أهم ويجب خدمتها والاهتمام بها بكل قوة

  • الهوية الإنسانية
    الأحد 22 فبراير 2026 - 17:43

    الهوية هي تقبل الاخر وعدم كرهه لا لسبب الا لكونه ليس ابن جلدتك بل الهوية هي التعايش والتسامح والتآخي فوق بقعة واحدة
    والحمد لله فوق ارض المغرب لا يوجد إلا
    دين وطن شعب شعار هوية علم واحد دون أي نزعة عرقية قبلية عنصرية شعوبية كانت
    مغربي فقط

  • ناصر
    الخميس 26 فبراير 2026 - 15:06

    الهوية تتداخل في تكونها عدة عناصر كالثقافة واللغة والدين الا ان محددها الاساسي والقار هو ارض الانتماء . وارضنا كما يعرف الجميع امازيغية تاريخيا وواقعيا و لغويا و طوبونيمبا واركيولوجيا وكل من ينتمي اليها تمزغ ، اسوة بنبينا الكريم (ص) الذي تعرب لانتمائه لارض الاعراب وجده الاقدم سيدنا ابراهيم الخليل كيلداني الاصل هاجر الى بلاد الاعراب .

  • الاعراب هم البدو
    الخميس 26 فبراير 2026 - 22:51

    العرب هم من ينتمون الى هاجر ام العرب

    اما الاعراب فهم البدو وكل من بدا جفى
    وقد يكون ساكن البادية أعرابي ولو انه يحسب نفسه غير عربي أو يكره العرب

صوت وصورة
التزامات "البام" لساكنة طنجة
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 23:40

التزامات "البام" لساكنة طنجة

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 21:00 1

لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي

صوت وصورة
أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:56 7

أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي

صوت وصورة
لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:08 14

لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 18:07 2

الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع

صوت وصورة
بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 17:16 3

بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا