البعد الديني وأثره في تشكيل ملامح الشخصية المغربية

البعد الديني وأثره في تشكيل ملامح الشخصية المغربية
السبت 4 يونيو 2022 - 21:51

بعض مظاهر التأثير الديني في العمارة المغربية

ما من شك في أن ثمة علاقة جدلية بين المادي والرمزي، وبين الفيزيائي والميتافيزيقي، في كل المنتجات الثقافية التي تفرزها الحضارة الإنسانية، إذ لا يمكن أن يتصور لا عقلا ولا واقعا أن يتم إنتاج شيء من الأشياء المادية دون أن يكون مرتبطا بخلفية فكرية، وبتصورات دينية أو فلسفية معينة، بما في ذلك الأدوات والوسائل التي غالبا ما نظن أنها محايدة، ولا علاقة لها بأي توجه فكري أو مرجعية محددة. ومن ثم فإنه من غير المنطقي والحالة هذه، أن نعتقد بإمكانية الفصل بين هذه المنتجات الثقافية، وبين أفكار وقيم ومعتقدات الجهة المنتجة لها؛ على اعتبار أن هذا الفصل هو أشبه ما يكون بالفصل بين وجهي العملة الواحدة. ولعلنا في غنى عن سرد الأمثلة على هذا التلازم بين الفكر والمادة، وبين ما ينتجه الإنسان من ثقافة وفن، وما يؤمن به من قيم وأفكار، ويكفي أن نعلم بأن الحضارة المعاصرة، وأعني بها أساسا الحضارة الغربية، بكل أبعادها وتجلياتها الثقافية والمادية، ما هي إلا ثمرة لما يسمى بفكر الحداثة والتنوير، الذي بزغ منذ عصر النهضة الأوروبية، واستطاع أن يعيد صياغة الحضارة الإنسانية على النمط الذي نشاهده اليوم.

وفي هذا الإطار، فإن الحديث عن العمران البشري، هو حديث عن منتج ثقافي، يعتبر بدوره ثمرة لأفكار وقيم وثقافة البيئة التي ينتمي إليها، وهو من ناحية أخرى يشكل أحد الجسور التي تنتقل من خلالها تلك الأفكار والقيم إلى الآخرين، إذ العمران ليس مجرد مادة صماء خالية من أي بُعد رمزي أو ترافق ثقافي، وإنما هو عبارة عن قوالب وأشكال مادية تختزل كل معاني الوجود الحضاري لأي أمة من الأمم، حيث تستطيع من خلاله أن تعبر عن اختياراتها الفكرية، وتصوراتها الوجودية، وقيمها ومذاهبها الفلسفية والجمالية.

وإذا كان العمران بهذه الأهمية، باعتباره شكلا من أشكال التعبير عن الهوية الحضارية، فإن المكون الديني بوصفه المكون الأبرز لهذه الهوية، يعتبر أحد الروافد التي ساهمت في تشكيل الشخصية العمرانية في كل المجتمعات البشرية، بما يتضمنه من تصورات وعقائد، ومن قيم معيارية ضابطة للفعل الحضاري وللإنتاج الثقافي والعمراني.

وعلى غرار كل الحضارات الإنسانية الأخرى، فلقد كان للدين أثر كبير في صياغة وتشكيل العمارة الإسلامية، منذ تأسيس أول مدينة في الإسلام على يد النبي صلى الله عليه وسلم، الذي وضع الحجر الأساس للفكر العمراني المؤسَس على الرؤية الإسلامية، التي تربط مسألة العمران، بوظيفة كونية قرآنية، هي وظيفة الاستخلاف في الأرض، وما تستدعيه من ضرورة الإصلاح وعدم الإفساد، ومن ربط بين الإنجاز الحضاري ومقتضيات التكليف الإلهي. وقد سار على هذا النهج كل من جاء بعد النبي صلى الله عليه وسلم من خلفاء وأمراء وملوك، متحققين بالمرجعية الدينية في إنشاء مدنهم وتخطيط مواضعها.

ونظرا لتنامي الاهتمام بالعمران في ظل اتساع رقعة الإسلام، ورغبة الكثير من الأمراء والملوك في إنشاء مدن جديدة تتوفر فيها شروط الاستدامة المطلوبة، فقد ظهرت مجموعة من المؤلفات التي اهتمت بهذا المجال في إطار التراث الإسلامي، نذكر منها على سبيل المثال، كتب السياسة الشرعية، التي تحدثت على الخصوص، عن تلك الشروط والمعايير التي يجب مراعاتها عند اختيار موقع المدينة، بناء على قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد. فذكرت أن من بين ما يجب مراعاته في اختيار موقع المدينة، أمور منها: طيب الهواء، للسلامة من الأمراض، والقرب من المراعي والمزارع، لحاجة الناس إلى دواجن الحيوان وإلى مختلف الزروع والأقوات، والقرب من الشعراء للحطب والبناء، وأن تكون المدينة في موضع كثير المياه، إما على نهر، أو بإزاء عيون عذبة، ليسهل الحصول على الماء دون مشقة، وأن تكون في ممتنِع من الأمكنة، إما على هضبة متوعرة من الجبل، وإما باستدارة بحر أو نهر بها، حتى لا يوصل إليها إلا بعد العبور على جسر أو قنطرة، فيصعب منالها على العدو، ويتضاعف تحصينها، وأن يدار على منازلها معا سياجا من الأسوار.

كما تحدثت هذه المصادر عن شروط أخرى تتعلق بتخطيط موضع المدينة، فذكرت أنه يجب على الحاكم إذا أراد أن ينشئ مدينة: أن يجلب إليها الماء العذب، حتى يسهل تناوله من غير عسف، وأن يقدر طرقها وشوارعها، حتى تتناسب ولا تضيق، وأن يبني بها جامعا للصلاة في وسطها، ليقرب على جميع أهلها، وأن يقدر أسواقها بحسب كفايتها، ولينال سكانها حوائجهم من قرب، وأن يميز بين قبائل سكانها، بأن لا يجمع بين أضداد مختلفة متباينة.

ولقد دأب المغاربة في إنشاء مدنهم على احترام هذه المعايير والأسس، المستمدة من المرجعية الإسلامية، ومن توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، أثناء إنشائهم للمدن الإسلامية الأولى. وقد أصبحت هذه الشروط من المتطلبات الأساسية، التي لا بد من مراعاتها في إنشاء المدن الجديدة.

وتزودنا كتب التاريخ والجغرافيا وكتب الرحلات، بمادة غزيرة حول المدن المغربية العتيقة، ومدى استجابتها لتلك المعايير المذكورة، مما قد يطول عرضه في هذا المقام. وحسبنا أن نكتفي هنا بعرض نموذج واحد من هذه المدن العتيقة؛ ليكون معوانا لنا على رصد التجربة المغربية في ميدان التعمير، وإبراز مدى التطابق والانسجام بين الفكر والواقع، وبين النظرية والتطبيق.

ومن ضمن هذه المدن تعتبر مدينة فاس، إحدى المعالم التاريخية الكبرى، التي ما زالت تحتفظ لنا بكثير من أسرارها، سواء كوثائق تاريخية يمكن العودة إليها لمعرفة التطور العمراني الذي عرفته هذه المدينة عبر تاريخها الطويل، أو كمعالم وآثار مادية ملموسة، ما زالت تخضع إلى اليوم للبحث والدراسة. وفي كلتا الحالتين يمكن استخلاص صورة واضحة عن الواقع التاريخي لهذه المدينة العريقة، ومدى التأثير الديني في إنشائها وتكوين وحداتها المعمارية.

وبخصوص تلك الشروط المشار إليها سابقا، يذكر ابن أبي زرع الفاسي بأن مدينة فاس: “قد جمعت بين عذوبة الماء، واعتدال الهواء، وطيب التربة، وحسن الثمرة، وسعة المحرث وعظيم بركته، وقرب المحطب وكثرة عدده وشجره، وبها منازل مؤنقة، وبساتين مشرقة، ورياض مورقة، وأسواق مرتبة منسقة، وعيون منهمرة وأنهار متدفقة منحدرة، وأشجار ملتفة، وجنات دائرة بها محتفة”.

ويشير إلى أن أول من أنشأ مدينة فاس، هو الإمام إدريس الثاني، حيث يقول: “وكان تأسيس الإمام إدريس لمدينة فاس، في يوم الخميس غرة ربيع الأول عام اثنين وتسعين ومائة (04 يناير 808م). فأسس عدوة الأندلس منها، وأدار بها السور، وبعدها بسنة أسس عدوة القرويين، وذلك غرة ربيع الآخر من سنة ثلاث وتسعين ومائة (22 يناير 809). وابتدأ ببناء سور عدوة الأندلس القبلي، فأدار السور على جميعها، وبنى بها الجامع المعروف بجامع الأشياخ، وأقام فيه الخطبة، ثم شرع في بناء عدوة القرويين، في سنة ثلاث وتسعين المذكورة، وكان موضعها شَعْراء وغياضا ملتفة، فبقي يقطع الشجر والخشب ويبني في موضعه، وأعجبه ما رأى من كثرة العيون فيها وتدفق الأنهار، فانتقل عن عدوة الأندلس إليها، وأخذ في بناء الجامع، وهو المسجد المعروف الآن بجامع الشرفاء، وأقام فيه الخطبة، ثم أخذ في بناء داره المعروفة الآن بدار القيطون، ثم بنى القيسارية إلى جانب المسجد الجامع، وأدار الأسواق حوله من كل جانب، وأمر الناس بالبناء والغرس، فابتنى الناس الديار، واغترسوا الثمار وكثرت العمارة والغبطة، فكان الرجل يختط موضع منزله وبنيانه وبستانه من الشعراء، ثم يقطع منه الخشب فيبني به لا يحتاج إلى خشب غيره”.

ويضيف “ولما فرغ الإمام إدريس رضي الله عنه من بناء المدينة، وأدار السور على جميعها، ورتب الأبواب، أنزل القبائل كل قبيلة بناحية، فنزلت العرب القيسية من باب أفريقية إلى باب الجديد من أبواب عدوة القرويين، ونزلت الأزد على حدتهم، ونزل اليحصبيون على حدة القيسية من الجهة الأخرى، ونزلت صنهاجة ولواتة ومصمودة والشيخان، كل قبيلة بناحيتها”.

وهكذا نجد أن كل المدن المغربية العتيقة، قد حرص ملوك المغرب على أن تكون منسجمة مع تلك التوجيهات البيئية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، المنبثقة من الرؤية الإسلامية.

وإلى جانب كتب السياسة الشرعية، التي حددت المعالم الكبرى للمدينة الإسلامية، من خلال وضع شروط وضوابط تتعلق باختيار موقع المدينة، وتخطيط موضعها، نجد هناك مصادر أخرى، مثل كتب الفقه، التي تناولت التركيب الداخلي للمدينة، من خلال عرض مجموعة من التفاصيل الدقيقة، المتعلقة بتقسيم الشوارع وتوزيع المنشآت داخل المدينة. ولقد كان لهذه المنظومة الفقهية دور كبير في تأطير حركة التعمير؛ بما تتوفر عليه من ترسانة قوية من التشريعات والأحكام، التي تطورت بدورها مع الزمن بفعل الدينامية التي عرفتها الحياة داخل المدينة، وبفعل ظهور قضايا ونوازل تتعلق بالبناء وما يرتبط به من حقوق وواجبات.

ومن شدة عناية الفقه المالكي بالبناء وأحكامه، فقد ظهر عند فقهاء المالكية فقه خاص يسمى بـ”فقه البناء” ومن أهم الكتب التي ألفت في هذا المجال، كتاب “القضاء في البنيان” للفقيه المالكي عبد الله بن عبد الحكم (ت214)، وكتاب “الإعلان بأحكام البنيان” لابن الرامي (ت734).

ولعل من أبرز المسائل التي عالجتها هذه المنظومة الفقهية، والتي لها علاقة وثيقة بموضوع البنيان، ما يتعلق بمسائل نفي الضرر، وهي مسائل لا يكاد يخلو منها أي كتاب، سواء في الفقه أو في النوازل، والسبب في ذلك كما يقول ابن خلدون “أن الناس في المدن لكثرة الازدحام والعمران، يتشاحون حتى في الفضاء والهواء للأعلى والأسفل، وفي الانتفاع بظاهر البناء، مما يتوقع معه حصول الضرر في الحيطان، فيمنع جاره من ذلك إلا ما كان له فيه حق. ويختلفون أيضا في استحقاق الطرق والمنافذ للمياه الجارية، والفضلات المسربة في القنوات، وربما يدعي بعضهم على بعض في حائط أو علوّه، أو قناته لتضايق الجوار، أو يدعي بعض على جاره اعتلال حائطه خشية سقوطه، ويحتاج إلى الحكم عليه بهدمه، ودفع ضرره عن جاره…”.

ومن هنا فقد أوضحت هذه المصادر الفقهية، القواعد والأحكام، التي تكفل عدم الأضرار بالآخرين، من قبيل عدم الارتفاع بالبناء على الجيران، وعدم فتح نافذة تطل على حريمهم، وعدم بناء الأفران والمصانع التي يتضررون منها، وحكم إخراج الميازيب والشرفات إلى الطريق، وما إلى ذلك من المسائل الدقيقة التي تدخل ضمن هذا الإطار.

ولضمان احترام هذه القوانين والتشريعات المتعلقة بإنجاز مشاريع التهيئة العمرانية وأشغال البناء داخل المدينة، فقد كانت هناك مؤسسة إدارية ذات صبغة دينية، تمارس دور الرقابة على كل الأعمال والمشاريع العمرانية، وهي مؤسسة الحسبة، التي لها أصل في الشريعة الإسلامية.

ولقد كان لهذه المؤسسة دور كبير في تنظيم المجال العمراني داخل المدينة، سواء في المشرق أو المغرب. وقد عرفت هذه المؤسسة الدينية نشاطا واسعا في المغرب، خصوصا في ظل حكم الشرفاء العلويين. فبفضل الذهنية العلمية الدينية لملوك هذه الدولة، كُتب لهذه الخطة الازدهار والامتداد في المملكة المغربية. وكان من مظاهر عناية الملوك العلويين بالحسبة، أن المحتسب كان يعين بظهير سلطاني، وإذا أسندت إليه مهمة إضافية، فإن هذا الإسناد يكون بظهير أيضا. ولا شك أن هذا التقليد المرعي في الرجوع إلى السلطان لاختيار المحتسب، قد زاد من مقوماته الذاتية الشخصية، التي رعاها السلطان في اختياره. فكان المحتسب لا يتحرج في معارضة الوالي إذا أراد أن يحدث شيئا يرجع إلى اختصاصات المحتسب، ولكن للمحتسب رأيا معارضا في تنفيذه، كما حصل مع محتسب فاس عبد العزيز ابن عبد الرحمن الفيلالي، في عهد المولى إسماعيل، حينما أراد عبد الله الروسي والي فاس، أن يضع المكس في أسواقها وأبوابها، لكنه وجد معارضة شديدة من طرف هذا المحتسب، الذي نجح في النهاية في كف ضرر هذا الإجراء عن الناس، ومطالبة الوالي بالعدول عما كان عازما عليه من أمر المكس.

ومما يدخل في اختصاصات المحتسب، مما له علاقة بتدبير المنشآت العمرانية داخل المدينة، ما يتعلق بالتوزيع المجالي للأسواق وللفضاءات التجارية ابتداء من مركز المدينة ووصولا إلى أطرافها. وقد اعتُمد في هذا التوزيع على نوعية الحرف والسلع المعروضة في هذه الأسواق، سواء من حيث الحاجة إليها، أو من حيث ملاءمتها لطبيعة المدينة. ومن هنا نجد أن بعض الأسواق التي كانت تعرض سلعا لا يمكن الاستغناء عنها، مما يدخل في إطار الاستهلاك اليومي للمواطن، ولا يسبب وجودها أي ضرر لسكان المدينة، مثل أسواق الخبازين والعطارين والوراقين، والصاغة وأهل البز… فمثل هذه الأسواق كانت تتواجد في المنطقة المركزية من المدينة، في حين أن بعض الأسواق الأخرى، خصوصا تلك التي كانت تعرض سلعا أو تتضمن حرفا يمكن أن تسبب ضررا أو تلوثا داخل المدينة، فكانت تتواجد في المنطقة المتاخمة للسور الخارجي للمدينة، كأسواق القصابين والفخارين وجلابي الحطب والتبن….

ومما يدخل ضمن اختصاص المحتسب أيضا، ما يتعلق بمراقبة مواد البناء ومدى صلاحيتها للاستعمال. وقد ذكر ابن عبدون مجموعة من الشروط والضوابط التي يجب أن يأخذها المحتسب بعين الاعتبار، أثناء مراقبته لأشغال البناء، حيث يقول: “ويجب أن ينظر في كل ما يُحتاج إليه من العُدد؛ ومن ذلك أن ينظر أولا في تعريض الحيطان وتقريب الخشب الوافر الغليظ القوي للبنية، وهي التي تحمل الأثقال وتمسك البنيان. ويجب أن تكون جهة ألواح البنيان عرضها شبران ونصف لا أقل من ذلك. ولا يصنع حائط يحمل ثقلا أقل من هذا. ويجب أن تكون الآجرّ وافرة معدة لهذا المقدار من عرض الحائط. ويجب أن يكون عند المحتسب قالب في غلظ الآجر وسعة القرمدة، وعرض الجائزة وغلظها، وغلظ الخشبة، وغلظ لوح الفرش -وأن تكون- هذه القوالب مصنوعة من خشب صلب لا يستاس، معلقة في مسامير في أعلى حائط الجامع، يُحافظ عليها كي يُرجع إليها متى ما نُقص منها أو زيد فيها، ويكون عند الصناع أُخَر لعملهم”.

ولا بد من التذكير أخيرا بالدور الذي لعبه الوقف في تنمية العمران والمحافظة عليه، حيث استطاع هذا النظام الإسلامي، أن يقدم خدمات جليلة للمدينة المغربية، إذ بنيت بأمواله مساجد ومدارس ومكتبات ودور للعجزة وذوي الاحتياجات الخاصة، كما أنه أسهم بشكل كبير في تزويد المدينة بالماء الشروب المستجلب من العيون والأنهار. وقد أنجز الوقف في بعض المدن المغربية شبكة واسعة من قنوات الصرف الصحي، كما هو الشأن بالنسبة لمدينة فاس ومكناس ومراكش.

ومن الصيغ التنموية المرتبطة بالوقف، والتي ساهمت بدورها في التنمية العمرانية، ما يسمى بنظام الجزاء، وهو نظام يقوم على أن تمنح الدولة المواطنين عقارات وقفية، يبنون عليها منازلهم ودكاكينهم، ويؤدون عنها مقابلا رمزيا. وقد اعتمد إدريس الثاني نظام الجزاء من أجل التسريع ببناء مدينة فاس، ولم يستبق إلا مكان بناء داره ومسجده.

ومما سبق يتضح لنا أن العمارة المغربية على غرار نظيرتها في المشرق، كانت دائما محكومة بجملة من القواعد والضوابط المستمدة من المرجعية الإسلامية، والمبثوثة في ثنايا كتب التراث الإسلامي، وخاصة كتب الفقه والسياسة الشرعية. وقد شكلت بمجموعها منظومة تشريعية متكاملة، ساهمت في تأطير حركة التعمير داخل المدينة المغربية، ودفعت بها في اتجاه التوسع والاستبحار، إضافة إلى أنها قد أسعفت هذه الدينامية في ميدان التعمير بالكثير من الحلول التي لم تخل من إبداع وابتكار. وقد حاولنا جهد المستطاع ملامسة بعض جوانب تأثير هذه المنظومة في البيئة العمرانية المغربية، خصوصا في ما يتعلق باختيار موقع المدينة وتخطيط موضعها وتكوين وحداتها المعمارية. ولعل في ما ذكرنا من إشارات حول هذا الموضوع، ما يفي بالغرض المقصود، على أن تكون لنا وقفات أخرى، في محطات لاحقة، في إطار مواصلة اكتشاف مساحات التأثير الديني، في جوانب أخرى من الحياة المغربية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • Ahmed
    الأحد 5 يونيو 2022 - 15:21

    بارك الله فيك سيدي عبد الكريم وبارك في جهودك وعلمك

  • ــــــــ
    الأحد 5 يونيو 2022 - 19:20

    و لقد انزلنا اليك ءايــٰت بينــٰت و ما يكفر بها الا الفــٰسقون

صوت وصورة
''الطاكسي'' وغلاء الوقود
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 15:54 3

''الطاكسي'' وغلاء الوقود

صوت وصورة
استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 10:58 7

استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا

صوت وصورة
أثمنة اللحم البلدي والمستورد
السبت 24 أكتوبر 2026 - 17:56 7

أثمنة اللحم البلدي والمستورد

صوت وصورة
ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء
السبت 24 أكتوبر 2026 - 14:38 21

ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48 8

قفزة جديدة في أسعار الدجاج

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 5

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن