"التمويل التشاركي" يواجه ضعف المساهمات وصعوبات تمويل المشاريع

"التمويل التشاركي" يواجه ضعف المساهمات وصعوبات تمويل المشاريع
صورة: و.م.ع
الأحد 8 نونبر 2026 - 07:00

وضعت مؤشرات حديثة حول تطور التمويل التشاركي (Crowdfunding) بالمغرب آفاق نمو هذه الآلية البديلة لتمويل المشاريع أمام تحديات توسيع قاعدة المساهمين، ورفع حجم الأموال المعبأة، وتحسين نجاعة حملات جمع التمويلات، في ظل استمرار محدودية المبالغ المحصلة وبطء توسع نشاط المنصات الوطنية، رغم تنامي الحاجة إلى حلول تمويلية خارج القنوات البنكية التقليدية، خصوصا بالنسبة إلى المقاولات الناشئة والمشاريع الصغيرة والمبادرات ذات الأثر الاجتماعي والاقتصادي.

وكشف بارومتر التمويل التشاركي لسنة 2025، الذي أنجزته مؤسسة “هابي سمالا” (HAPPY SMALA)، بشراكة مع “آي دي إنسايت” (IDinsight)، عن تسجيل 731 حملة لجمع التمويلات، نجحت في تعبئة 7,62 مليون درهم، بمساهمات قدمها 12 ألفا و161 شخصا، فيما لم يتجاوز متوسط التمويل المحصل 10 آلاف و423 درهما لكل حملة، مقابل مساهمة فردية متوسطة بلغت 627 درهما، وبمتوسط حسابي يقارب 17 مساهمة لكل حملة، الأمر الذي يعكس محدودية القدرة التعبوية للحملات مقارنة بالاحتياجات المالية للمشاريع المستفيدة.

وأظهرت المعطيات ذاتها تمكن المنصات المغربية من تعبئة 3,15 مليون درهم، بما يعادل 41,3 في المائة من إجمالي الأموال المجمعة، مقابل 4,47 مليون درهم جرى تحصيلها عبر منصات أجنبية، في سياق التفعيل التدريجي لمقتضيات القانون رقم 15.18 المتعلق بالتمويل التعاوني، ودخول أولى المنصات المرخصة حيز النشاط. وسجل التقرير تحسنا في أداء الحملات، بعدما تمكنت 35,5 في المائة منها من بلوغ نصف أهدافها التمويلية على الأقل، مقابل استمرار عجز غالبية الحملات عن الوصول إلى هذا المستوى.

ورصد البارومتر بروز أدوات تمويلية جديدة، أبرزها إنجاز أول عملية للتمويل الجماعي عن طريق الإقراض بالمغرب، لفائدة مقاولة “وسيط” (Wasit)، عبر منصة “أكان كراودفاندينغ” (Akkan Crowdfunding)، في خطوة تعكس مساعي تنويع مصادر تمويل المقاولات والجمعيات والمبادرات الاقتصادية والاجتماعية. وتأتي هذه التطورات وسط تساؤلات بشأن قدرة الإطار التنظيمي الجديد على تحويل التمويل التشاركي من نشاط محدود يرتبط أساسا بالتبرعات والمساهمات التضامنية إلى قناة مستدامة لتعبئة الادخار وتوجيهه نحو الاستثمار والإنتاج.

اتساع الحملات ومحدودية التمويلات

أبرزت المقارنة بين نتائج الدورات المتعاقبة لبارومتر التمويل التشاركي اتساع الفجوة بين انتشار حملات جمع المساهمات ومحدودية المبالغ المالية المحصلة لكل عملية، بعدما بلغ متوسط التمويل خلال الفترة الممتدة بين 2019 و2021 حوالي 21 ألفا و600 درهم لكل مشروع، من أصل أكثر من 3,7 ملايين درهم جرى جمعها لفائدة 171 مشروعا مغربيا، قبل أن يرتفع المتوسط إلى نحو 26 ألفا و650 درهما خلال الفترة 2021-2023، التي شهدت تعبئة 10,9 ملايين درهم عبر 409 حملات.

وأفادت المعطيات ذاتها بتراجع متوسط التمويل إلى 10 آلاف و423 درهما خلال 2025، بانخفاض يقارب 61 في المائة مقارنة بمتوسط الفترة 2021-2023، مع مراعاة اختلاف الفترات الزمنية المشمولة بالمقارنة؛ إذ تتعلق الحصيلة الأخيرة بسنة واحدة، مقابل فترات متعددة السنوات في الإصدارات السابقة. ويعكس هذا التطور محدودية المبالغ المحصلة لكل حملة، رغم اتساع استخدام آليات جمع المساهمات، بما يطرح تساؤلات حول قدرة المنصات على استقطاب ممولين جدد وتحويل الاهتمام بالمشاريع إلى التزامات مالية فعلية.

وفي قراءة مالية لهذه المؤشرات، شدد زكرياء لحلو، محلل مالي مستشار المحافظ الاستثمارية ببورصة الدار البيضاء، على أن الإشكال الأساسي الذي تواجهه سوق التمويل التشاركي بالمغرب لا يرتبط بعدد الحملات بقدر ما يتعلق بضعف قدرتها على تعبئة موارد مالية كافية، موضحا أن ارتفاع عدد العمليات لا يمثل بالضرورة مؤشرا على نضج السوق، ما لم يواكبه تحسن في متوسط التمويلات المحصلة ونسب نجاح الحملات وقدرة المشاريع المستفيدة على تحويل الأموال المعبأة إلى أنشطة اقتصادية مستدامة.

واعتبر لحلو، في تحليل لهسبريس، أن “محدودية المساهمات الفردية، التي لم يتجاوز متوسطها 627 درهما، تعكس ضيق قاعدة الممولين وضعف انتشار ثقافة المشاركة المباشرة في تمويل المشاريع عبر المنصات الرقمية”، مشيرا إلى أن الانتقال من المساهمات التضامنية الظرفية إلى تمويل المشاريع الاقتصادية يقتضي بناء علاقة أكثر استقرارا بين حاملي المشاريع والمساهمين، تقوم على الثقة والشفافية وتوفير معلومات دقيقة حول الأهداف المالية والنتائج المنتظرة.

ونبه المحلل المالي في هذا الإطار إلى أن قدرة المنصات على استقطاب المدخرات ترتبط بمدى وضوح طبيعة المساهمة، سواء تعلق الأمر بالتبرع أو الإقراض أو الاستثمار، وما يترتب عن كل صيغة من حقوق والتزامات بالنسبة إلى الأطراف المعنية.

في السياق ذاته، يظل حجم الأموال المعبأة عبر التمويل التشاركي متواضعا للغاية مقارنة بالإمكانات الادخارية للاقتصاد الوطني، خصوصا أن الادخار الوطني الإجمالي بلغ نحو 536 مليار درهم خلال 2025، مقابل 7,62 مليون درهم فقط جمعتها الحملات المشمولة بالبارومتر، أي ما يعادل حسابيا حوالي 0,0014 في المائة من هذا الادخار. ورغم اختلاف طبيعة المؤشرين ونطاق قياسهما، فإن المقارنة تقدم صورة تقريبية عن الفارق الكبير في الحجم بين الأموال المحصلة عبر الحملات الرقمية والادخار الوطني، دون أن تعكس حصة مباشرة من المدخرات القابلة للاستثمار، مما يبرز الحاجة إلى تطوير قنوات جديدة لتعبئة المساهمات وتوجيه جزء منها نحو المشاريع الصغيرة والمبتكرة، مع تحسين آليات تقييم المخاطر وتتبع استعمال التمويلات.

وكشفت التجارب السابقة قدرة التمويل التشاركي على تعبئة مبالغ استثنائية في ظروف محددة، بعدما تجاوزت الأموال المجمعة بين شتنبر 2023 ودجنبر 2024 حاجز 130 مليون درهم، منها أكثر من 126 مليون درهم ارتبطت بموجة التضامن التي أعقبت زلزال الحوز. غير أن استبعاد هذه التعبئة الظرفية يبرز محدودية التدفقات المالية الموجهة بصورة اعتيادية نحو المشاريع الاقتصادية والجمعوية، ويؤكد أن نجاح الحملات التضامنية لا يترجم بالضرورة إلى تطور مماثل في تمويل الأنشطة الإنتاجية.

وطرح هذا التفاوت تحديا إضافيا أمام حاملي المشاريع، يتعلق بقدرتهم على بناء شبكات مستقرة من المساهمين وإعداد حملات تتضمن أهدافا مالية واقعية وخططا واضحة لاستعمال التمويلات. كما يبرز أهمية التمييز بين المشاريع ذات الطابع الاجتماعي التي تعتمد على التبرعات، والمشاريع المقاولاتية التي تحتاج إلى موارد أكبر وآجال تمويل تتلاءم مع دورات الاستثمار والإنتاج، بما يجعل تنويع الأدوات التمويلية شرطا أساسيا لتوسيع قاعدة المستفيدين، وتطوير مساهمة هذه الآلية في تمويل الأنشطة الاقتصادية خارج المناسبات والحملات التضامنية الاستثنائية.

تحديات التنظيم وتنويع مصادر التمويل

تزامن تطور التمويل التشاركي بالمغرب مع دخول الإطار القانوني المنظم لهذا النشاط مرحلة التطبيق العملي، بعد صدور القانون رقم 15.18 المتعلق بالتمويل التعاوني سنة 2021، وهو الاسم المعتمد قانونيا لنشاط جمع التمويلات عبر المنصات الرقمية، وما تلاه من إصدار النصوص التنظيمية والشروع في منح التراخيص للشركات المكلفة بتدبير المنصات. ويقوم النظام المعتمد على توزيع الاختصاصات الرقابية بين بنك المغرب، بالنسبة إلى عمليات التبرع والإقراض، والهيئة المغربية لسوق الرساميل، بالنسبة إلى عمليات الاستثمار، بهدف تأطير جمع الأموال وحماية المساهمين وضمان شفافية المعاملات.

ورغم هذا التطور التشريعي، أظهرت نتائج البارومتر استمرار استحواذ المنصات الأجنبية على الحصة الأكبر من الأموال المجمعة لفائدة المشاريع المغربية، بنسبة تقارب 58,7 في المائة، مقابل 41,3 في المائة للمنصات الوطنية. ويطرح هذا التوزيع تساؤلات حول قدرة الفاعلين المحليين على استقطاب حاملي المشاريع والممولين، وتوسيع قاعدة المستخدمين، وبناء نماذج اقتصادية قادرة على تغطية تكاليف التشغيل والامتثال التنظيمي، مع مراعاة اختلاف طبيعة الحملات وشبكات المساهمين ومدد نشاط المنصات، وهي عوامل قد تفسر جانبا من التفاوت المسجل دون أن تعكس بالضرورة ضعف تنافسية العرض الوطني.

وأوضح جواد زنيبر، خبير في الهندسة المالية وتحليل الأسواق، أن التمويل التشاركي بالمغرب يوجد في مرحلة انتقالية بين إرساء الإطار القانوني وبناء سوق فعلية قادرة على استقطاب الممولين والمشاريع، مبرزا أن وجود تشريع منظم يمثل شرطا ضروريا لتطوير النشاط، لكنه لا يكفي وحده لضمان توسع المنصات، في ظل الحاجة إلى نماذج اقتصادية مستدامة وتكاليف تشغيل تتناسب مع حجم الأموال المعبأة وعدد العمليات المنجزة، بما يسمح للفاعلين بتطوير خدماتهم والمحافظة على استمرارية نشاطهم.

وأضاف زنيبر، في تصريح لهسبريس، أن “التحدي الأساسي يتمثل في تحقيق التوازن بين متطلبات حماية المساهمين وتسهيل ولوج الفاعلين إلى السوق، خصوصا أن المنصات مطالبة بتحمل تكاليف مرتبطة بالترخيص والامتثال والمراقبة والتجهيزات التقنية، في وقت تظل فيه العمولات المحتملة محدودة بفعل ضعف حجم التمويلات المحصلة”، مشيرا إلى أن استمرار اعتماد المشاريع المغربية على منصات أجنبية يعكس ضرورة تعزيز تنافسية العرض الوطني، وتطوير الخدمات الرقمية، وتبسيط تجربة المساهمين، دون المساس بالضمانات القانونية والتنظيمية.

وأكد الخبير في الهندسة المالية أن تنويع أدوات التمويل يشكل المدخل الأكثر أهمية لتوسيع السوق، من خلال الانتقال التدريجي من هيمنة التبرعات إلى تطوير التمويل بالقروض والاستثمار في رأس المال، مما يسمح بتلبية احتياجات المقاولات الناشئة والمشاريع الصغيرة التي تواجه صعوبات في الحصول على القروض البنكية التقليدية. ويتطلب نجاح هذا التحول تطوير منتجات تمويلية تتلاءم مع طبيعة المشاريع ومراحل نموها، وتحديد شروط السداد والعائد المحتمل بالنسبة إلى العمليات ذات الطابع الاستثماري، بما يعزز جاذبية المنصات لدى فئات جديدة من الممولين.

واكتست أول عملية تمويل جماعي عن طريق الإقراض، المنجزة لفائدة مقاولة “وسيط”، أهمية خاصة باعتبارها اختبارا عمليا لإمكانية انتقال السوق إلى تمويل الأنشطة المقاولاتية، بعدما ظل النشاط يرتبط أساسا بالمساهمات التضامنية والتبرعات. ويكشف هذا التطور عن اختلاف طبيعة الالتزامات المرتبطة بالأدوات التمويلية المتاحة؛ إذ لا تستهدف المساهمة التضامنية تحقيق عائد مالي، بينما يرتب الإقراض التزامات بالسداد، في حين يعرض الاستثمار المساهمين لمخاطر مرتبطة بالأداء المالي للمشاريع، ما يستدعي اعتماد معايير ملائمة لكل صيغة تمويلية.

وبرزت، في هذا الإطار، أهمية تطوير أدوات التقييم المالي للمشاريع المرشحة للاستفادة من التمويل، وتحديد قدرتها على توليد التدفقات النقدية اللازمة للوفاء بالتزاماتها، إلى جانب تعزيز الشفافية بشأن الرسوم والعمولات والمخاطر المحتملة. كما يقتضي توسيع النشاط توفير المواكبة التقنية والمالية لحاملي المشاريع، وتحسين جودة الملفات المعروضة عبر المنصات، خصوصا ما يتعلق بدراسات الجدوى والتوقعات المالية وبرامج استعمال الأموال، بما يرفع فرص نجاح الحملات ويحد من مخاطر تعثر العمليات التمويلية.

وتزايدت أهمية هذه الرهانات في ظل استمرار صعوبات الولوج إلى التمويل بالنسبة إلى المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، التي تواجه تحديات مرتبطة بالضمانات وتقييم المخاطر وشروط الحصول على القروض البنكية. ومن شأن تطوير التمويل التشاركي، ضمن إطار رقابي واضح، توفير قناة مكملة للتمويل التقليدي، خصوصا للمشاريع المبتكرة والمبادرات المحلية التي تحتاج إلى مبالغ محدودة نسبيا، لكنها لا تتوفر دائما على الشروط المطلوبة للاستفادة من التمويلات المعتادة، بما يتيح تنويع مصادر الموارد المالية دون اعتبار هذه الآلية بديلا شاملا عن التمويل البنكي.

وتظل قدرة التمويل التشاركي على تجاوز محدوديته الحالية رهينة بتحويل الاهتمام المتزايد بالحملات الرقمية إلى مساهمات مالية أكثر انتظاما، وتوسيع نشاط المنصات الوطنية، وتحسين جودة المشاريع المعروضة للتمويل، إلى جانب تنويع المنتجات المالية المتاحة. وتكشف حصيلة 2025، في هذا الإطار، عن سوق بدأت تكتسب أدواتها القانونية والمؤسساتية، لكنها لم تبلغ بعد الحجم الذي يسمح لها بالاضطلاع بدور مؤثر في تمويل الاقتصاد الوطني.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
المغرب يروج للقنب الهندي ببراغ
السبت 7 نونبر 2026 - 21:10

المغرب يروج للقنب الهندي ببراغ

صوت وصورة
انطلاقة الموسم الفلاحي
السبت 7 نونبر 2026 - 19:36 1

انطلاقة الموسم الفلاحي

صوت وصورة
ارتفاع أسعار السمك يثير الاستياء
السبت 7 نونبر 2026 - 18:18 13

ارتفاع أسعار السمك يثير الاستياء

صوت وصورة
إغلاق محلات أكادير في منتصف الليل
السبت 7 نونبر 2026 - 16:38 20

إغلاق محلات أكادير في منتصف الليل

صوت وصورة
تشييع جثمان أرملة إدريس البصري
السبت 7 نونبر 2026 - 14:37 11

تشييع جثمان أرملة إدريس البصري

صوت وصورة
العنف الأسري يدق ناقوس الخطر
السبت 7 نونبر 2026 - 13:24 3

العنف الأسري يدق ناقوس الخطر