الجزائر حمّالة "البوليساريو"

الجزائر حمّالة "البوليساريو"
الأربعاء 25 غشت 2021 - 23:22

لا يمكن إخفاء أن الجزائر تعيش أوضاعا سيئة اقتصاديا واجتماعيا، وتبيّن ذلك من خلال عدم توفر الشعب الجزائري على المواد الأساسية للعيش كالخبز والزيت وانقطاع الماء لشهور… بالإضافة إلى هشاشة البنيات التحتية. ولتدبير هذه الأزمة، تحاول الجزائر خلق فوضى على مستوى السياسة الخارجية وافتعال بروباغندا سياسية لستر ما تعانيه على مستوى سياستها الداخلية. فمن منظور الطرف الجزائري، حالة الفوضى ستمكّنهم أولا من إخماد السخط الشعبي، ومن جهة أخرى فرض تحالفات جديدة على المنطقة المغاربية تمنح للجزائر سيادة وهمية في المنطقة، خصوصا بعد فشل مشروع “البوليساريو” أو “الجزائر المقنّعة” الذي أنشأته مع الرئيس الليبي معمر القذافي، وهو من أكبر المشاريع التي قامت بها الجزائر حيث استثمرت أكبر نسبة من ثرواتها لتسليح هذه الجماعة ودعمها سياسيا وأيضا عبر تمويل مجموعات ضغط دولية. وفي الأخير، وقفت السلطة الجزائرية في تندوف لتبكي على الأطلال. أضف إلى ذلك آخر الصدمات الجزائرية من المكاسب الدبلوماسية المغربية: الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وهو قرار بأثر قانوني صادر عن رؤية إستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية.

“لكل هذه الأسباب” وغيرها، قرّرت الجزائر قطع علاقاتها مع المغرب، ودلالة هذا القرار في الممارسة الدبلوماسية تؤشر على إمكانية حدوث مواجهة عسكرية بين الدولتين. وهذا أمر جد وارد في الأيام المقبلة، حيث قامت الجزائر من قبل بالعديد من التحركات التصعيدية والاستفزازية؛ بدءا من تهجير سكان مغاربة من منطقة العرجة وتجريدهم من أراضيهم الزراعية، إلى إعلان ترسيم الحدود مع الجمهورية الوهمية لـ”البوليساريو”. والهدف وراء كل هذا العداء هو إحداث حرب في المنطقة، وجعلها وجهة للتدخلات الدولية لتهديد الاستقرار الأمني المغربي؛ وبالتالي تعطيل مشاريعه الاستثمارية، وإحداث اضطراب على المستوى المعيشي للشعب المغربي، فأي دولة تخوض حربا إلاّ ويتضرّر اقتصادها حتّى وإن تفوّقت عسكريا أو انتهت الحرب في آخر المطاف بالذهاب إلى طاولة المفاوضات وفقا لشروط وتعليمات دولية تقلّص من السيادة الوطنية لكلا الطرفين. والهدف ليس كسب المعركة، وإنما تحقيق تراجع اقتصادي للمغرب يوازي نظيره بالجزائر، وهذا ما أشار إليه المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية حين أبدى تخوفه من هيمنة المغرب على الجزائر وتونس في مجال التنمية، حيث إن جميع المؤسسات الجزائرية باتت مشلولة وغير قادرة على مواكبة سرعة وتيرة تقدّم المشروع التنموي المغربي. وهنا نستحضر خطاب الملك محمد السادس في ذكرى ثورة الملك والشعب عندما أشار إلى أن “المغرب تغيّر فعلا، لكن ليس كما يريدون”؛ فبفضل التحالفات الإستراتيجية التي كوّنها المغرب، استطاع تعزيز مكانته في المنطقة المغاربية والقارّة الإفريقية بشكل عام. ومن جهة أخرى، يمكن وضع فرضية ثانية لنفسر من خلالها حماسة الجزائر لإشعال فتيل الحرب مع المغرب، وهي تآمر جهات خارجية مع الجزائر من أجل تحقيق هذا المبتغى، مثل روسيا وألمانيا وإيران كي يجدوا لأنفسهم موطئ قدم في إفريقيا من خلال الصراع الجزائري المغربي والتضييق على الوجود الأمريكي بالمنطقة. وقد شاهدنا هذا السيناريو بشكل واضح في التدبير الدولي للملف الليبي، من خلال المزايدات السياسية ومحاولة نفي الشعب الليبي عن قضايا بلاده. ثم إن السلطات الجزائرية جاهزة للتفاوض مع جهات أجنبية على حساب القارة الإفريقية ولا تلتزم بأي انتماء عرقي أو ثقافي لهذه القارة، كيف لا؟ وهي تدعم إسبانيا من أجل المحافظة على فرض سلطتها على سبتة ومليلية، وهي الآن تقف مع دول لها تاريخ استعماري لعزل المملكة المغربية عن صحرائها، هذه المملكة التي كانت لها سندا في الفترة الاستعمارية.

إن الهوة الفاصلة بين المغرب والجزائر تكمن في مفهوم “التجديد” من ناحية النخب وأيضا البنية الذهنية؛ فالجزائر ترعى “البوليساريو” على حساب الشعب الجزائري لأزيد من أربعين سنة، توّجت هاته الفترة بثورة شعبية أزاحت الرئيس بوتفليقة وعرّت عن فراغ الساحة السياسية من نخب جديدة، فكان عبد المجيد تبون الذي شغل منصب الوزير الأول في حكومة بوتفليقة هو الخلف الكلاسيكي والضامن لاستمرارية نفس الجسد الحاكم، وبهذا تكون الجزائر تدور في حلقة مفرغة وسط جنرالات العسكر الجزائري.

“جزائر الستينات”، التي أدركها عام 2021، لم تستطع إحداث أي تجديد في سياستها الداخلية أو سياستها الخارجية. والدليل على هذا هو ما أعلنه وزير خارجية الجزائر في بيانه بخصوص قطع العلاقات مع المغرب، حيث قام بسرد أحداث من زمن الهواري بومدين، وكذلك فعل الرئيس تبون في تبريره لرفض إعادة فتح الحدود، حيث أشار إلى أن قرار الإغلاق جاء من قبل الملك الراحل الحسن الثاني. في حين قال الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة عيد العرش: “لا فخامة الرئيس الجزائري الحالي ولا حتى الرئيس السابق ولا أنا مسؤولين على قرار الإغلاق”. وهذه إشارة إلى أن القرارات لا تتعلّق بالأشخاص وإنما بفترات محدّدة وسط أجواء سياسية لحظية يمكن تجاوزها عبر تغيير المسارات الجيوسياسية. وهذه الفكرة، بطبيعة الحال، يصعب على الجزائر استيعابها لأن الأجهزة التي تحكمها تؤمن “بشخصنة” القرارات السياسية، ولا تبادر بالإصلاح المؤسساتي لمواكبة ما يعيشه النظام الدولي من تحوّل جوهري وبنيوي من داخل المؤسسات. وأخيرا، يجب على الجزائر أن تستفيق من حلم ا”لبوليساريو” ووهم الريادة الإقليمية، وأن تعي ما أصبح يمثله “مغرب اليوم” على الصعيدين القارّي والعالمي.

(*) باحثة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • الطائر الحر
    الخميس 26 غشت 2021 - 11:00

    قدر المغرب ان حدوده مع جيران سوء و شر. ترسيم الحدود مع عصابة البوليزاريو بداية الحرب القادمة لتصريف الأنظار عن المشاكل الداخلية للشعب الجزائري. اللهم احفظ بلادنا من كل حاقد، جاحد، شيوعي ملحد.

  • موحى أوحمو
    الخميس 26 غشت 2021 - 11:02

    الجزائر ليست لها إستقلالية القرار ، قطع العلاقات مع المغرب جاء بأمر طرف ألمانيا وإسبانيا . اللعب أصبح على المكشوف .

  • amaghrabi
    الخميس 26 غشت 2021 - 11:05

    سيدتي ايمان المحترمة ،العصابة العسكرية الجزاىرية تبحث ليل نهار عن مبررات لتدخل الحرب مباشرة مع المغرب وبالتالي تعتمد على مقولة ” معزة ولو طارت” مع المغرب ،بمعنى كل شيء يقع في الجزاىر تتهم المغرب بانه وراء ذلك وحتى ازمة ااخبز والحليب تجد فجوة لتتهم المغرب لان العصابة حاقدة واصبح لا تستطيع صبرا لتحارب اامغرب دبلوماسيا او حتى دفع المرتزقة الى الحرب او استفزاز المغرب ليدخل الحرب معها لانها تتمنى ان يفقد اامغرب اعصابه ويبدا ااحرب ولكن والحمد لله لنا ملك حكيم بحيث انجج الديبلوماسية المغربية وانهزمت الدولة الجزاىرية شر هزيمة اما قوة المغرب السياسية والدبلوماسية.الجزائر اقولها داىما دخلت في حالة حيص بيص داخليا وخارجيا وتسير نحو الهاوية وتريد ان تجر الدولة المغربية العظيمة معها ولكن نحن لهم بالمرصاد وسينتحرون وحدهم والبركة في الشعب الجزاىري الشقيق

  • ه حمد ع
    الخميس 26 غشت 2021 - 11:14

    تحليل ممتاز واقعي وصحيح. اللهم نجنا من كيدهم وشرورهم واشغلهم عنا بما فيهم ورد كيدهم في نحورهم وأترك بلدنا المملكة المغربية آمنة مطمئنة من طنجة إلى الكويرة يا رب العالميييييييين.

  • اكيد مغربي
    الخميس 26 غشت 2021 - 13:51

    تحليل ممتاز ويعري بشكل واضح جنرالات العار بالجزائر الدين يبحثون بكل الطرق على شماعة لتبرير فشلهم ولإلهاء الشعب الجزائري المسكين.

  • غزاوي
    الخميس 26 غشت 2021 - 15:20

    مجرد تساؤل.
    ما هي “سياسة السياقات”؟
    إنه سياسة يتبناها صاحبها ليفسر نفس الشيء بتفسيرين مختلفين حسب “السياق”.
    في مقالين منفصلين نشرتهما هيسبرييس تحت العنوانين التاليين:
    1- “المغرب العربي في الخطاب الملكي”، بتاريخ:21/08/2021.
    2- “الخطاب الملكي يثير اهتمام الأمازيغ .. “التاريخ الطويل” و”المغرب العربي”، بتاريخ:22/08/2021.
    اجتهد أحمد عصيد، ليفسر لنا هذه السياسة واتخذ من خطاب الملك الأخير مثالا، يمكن للسادة القراء الرجوع إليهما.
    وهي نفس السياسة التي يلجأ إليها بعض المحللين والخبراء المغربين. في نفس الشيء، متدخل يطعن فيه حسب سياق تدخله وأخر يستشهد به.
    في مقال نشرته هيسبريس بتاريخ:20/08/2021، تحت عنوان:” المغرب يحدد معايير بناء الشراكة مع “حلفائه التقليديين” في القارة الأوروبية ” انتقد محمد الطيار التقارير التي تصدر عن المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية ووصفها بـ “الزيف”.
    الملك نفسه في خطاب “ثورة الملك والشعب” انتقد نفس التقرير الصادر عن المعهد نفسه بما نصه:
    “بل هناك تقارير تجاوزت كل الحدود…”انتهى
    عكس ملكها ومواطنها الطيار، أثارت إيمان البركة نفس التقرير لتستشهد بما جاء فيه متبنية جديته.

  • الباعمراني،،
    الخميس 26 غشت 2021 - 16:37

    عودنا النظام الجزاءري انه كلما اشتد عليه الخناق داخليا من طرف الشعب الجزاءري يحاول تصريف مشاكله الداخلية ضد المغرب، لكن هده المرة قد جن جنونه كثيرا في الشهور الأخيرة وخصوصا بعد العديد من الانتصارات الديبلوماسية المغربية في قضية الصحراء المغربية ، وتحرير الكاركرات وطرد عصابة البوليزاريو منها، بالإضافة إلى الاعتراف الامريكي بالوحدة الترابية للمملكة المغربية وفتح العديد من القنصليات في مدينة الداخلة والعيون،،

  • Lahcen
    السبت 28 غشت 2021 - 14:12

    النظام العسكري الجزائري العلماني وضع المغرب أمام خيارين لا ثالث لهما تسليم الصحراء او الحرب أنا أبلغ من العمر الخمسين كنت دائما و مازلت اشدد على توخي الحيطة والحذر والاستعداد الجيد و المستمر لان الحرب قادمة والبقاء للقوي.

  • moha raiss
    الأحد 29 غشت 2021 - 15:25

    هل يُفجّر التطبيع المغربي الإسرائيلي “حرب الصحراء” بين الجزائر والمغرب ويُغرِق دول الاتّحاد المغاربي في الفوضى؟ من هي الدول التي ستُطبّع بعد الرباط.. السعوديّة وقطر مثلما قال كوشنر وكوهين؟ هل أوشك التّحالف الملكي العربي السنّي بزعامة بينيت لضرب إيران على الاكتِمال؟
    -الهدايا المجانية للكيان الصهيوني نزولا لرغبة صبي صهيوني اسمه كاشنر . انظروا ماذا سيصبح في دول المغرب العربي .؟؟ُ ترامب صرح باعترافه على سيادة المغرب على الصحراء (الغربية) انظروا قال الغربية وليس المغربية . لقد ضجكوا علينا واسسوا حلف سني برءاسة امريكا لضرب ايران . والجزاءر ترفظ الدخول في هذه اللعبة .

صوت وصورة
ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 21:38

ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا

صوت وصورة
نواب يعددون أعطاب التعليم العالي
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 19:41 1

نواب يعددون أعطاب التعليم العالي

صوت وصورة
خريطة جامعية جديدة
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 18:03 1

خريطة جامعية جديدة

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 3

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''