الحياة رقصة

الحياة رقصة
صورة : أرشيف
الأحد 12 يوليوز 2026 - 00:32

الزمن العامر بكِ زمنك أنتِ، والمكان الممتلئ بكِ مكانك أنتِ. وحقكِ أن تجعليهما يفيضان بما تشائين، وأن تعيثي فيهما جمالاً كما تشائين. كيف يمكن، لأيّ كان، أن يكبح جماح وجنون امرأة منطلقة، منتفضة، زُوربوية الهوى؟!

لم يكن اللقاء بكِ، وأنتِ سليلة روح زُوربا وجسده، مجرد تلاقٍ عابر وبارد ومعتاد، وإنما كان شعلة لهب، بل هجومًا، وغزوًا، واكتساحًا، واجتياحًا خاطفًا، ودقيقًا، وكثيفًا، وغير قابل للردع، وقد حقّقَ أهدافه كلها سريعًا، ودفعة واحدة. وكان الانهزام على يديك انتصارًا مجيدًا، سارت بذكره الركبان وتشنّفت به الآذان.

حربٌ مباركةٌ ومقدسةٌ تشبه في كل شيء، ولا تختلف في أيّ شيء، عن تلك التي تشنّها فراشة بيضاء، في صباح ربيعيّ مشرق، على حقل من الزهور الملوّنة يغطي الأفق، ويمتد إلى ما وراءه.

كنتِ ترقصين. هل كنتِ ترقصين حقا؟ أين شكل الرقص؟ وأين مضمونه؟ أين الخارج؟ وأين الداخل؟ أين السطح؟ وأين العمق؟ أين الفاعل؟ وأين الفعل؟ أين الراقِصة؟ وأين الرَّقصة؟

هل قلتُ حقًا إنك كنتِ ترقصين؟ من الجليّ أنني أخطأتُ القول وأسأتُ الوصف. فقد تماهت الراقصة مع رقصتها حتى اختفت فيها وتوارت وغابت تماما. في الرقص يصير الغياب شرط الحضور. وكان غيابك أكبر دليل على حضوركِ الطاغي، والمستبد، والمتحكم، وكان كل شيء تحت إمرتكِ وطوع يديكِ.

كنتِ أنتِ الرَّقصةُ ذاتها. رقصةٌ اتخذت اسم امرأة، وجسد امرأة، وروح امرأة، وخجل امرأة، وجرأة امرأة، وتعفف امرأة، وخلاعة امرأة، وحكمة امرأة، وجنون امرأة.

كانت الروح متوثبة متحررة، وكان الجسد-الراقص يهدر هدرًا، ويرعد رعدًا، ويبرق برقًا، ويهتز اهتزازًا. تساقطت بواكيره الناضجة الطازجة على مهل. تلقّفتها العيون الجامحة، الجائعة، وأخفتها بعناية عن العيون المتلصّصة المتربّصة.

رقصٌ جعل الأرض تتسع بما رحبت، وعلت السماء أكثر فأكثر، واخضرّ كل ما بينهما، وتوفر المزيد من الهواء، وصار البحر أكثر زرقة من ذي قبل.

كان كل شيء يطلب المزيد فالمزيد. رقصٌ يفضي إلى المزيد من الرقص. روح “زُوربا” فيكِ انطلقت من عقالها، فصار الجسد خفيفا مثل الروح تمامًا. سال العرقُ، وجعل يسيل ويسيل ويسيل، قطراته تتطاير في كل اتجاه مع كل حركة، والثوب الشفّاف يصرخ طالبًا نجدة لن تأتي، ولا يريدها أن تأتي، ويتمنى ألا تأتي أبدا.

ظمأ لا يستطيع فِراق ظمأه. ظمأ يحنّ إلى ذاته باستمرار ويعكف عليها. ظمأ لا يرتوي، لم يرتوي، لن يرتوي، غير قابل للارتواء. ظمأ للذات، وللآخر، وللحكمة، وللجنون، وللقداسة، وللقول، وللصمت، وللصلاة، وللحياة.

انحناءات وتموّجات وتكسّرات وتمايلات في كل اتجاه، دورات ونصف دورات، ابتعاد ودنو ثم ابتعاد من جديد، إغماض العينين وفتحهما بدرجات محددة ومدروسة، تعبيرات ترتسم على الملامح وتعبرها تباعًا، وكلام كثير جدا يُقال في سكوت ضاجّ بالمعاني والدلالات.

كل شيء يقول “نعم” لكل شيء. “نعم” كبيرة ومقدسة تستطيع العين أن تميزها بوضوح، ويشعر بها الفؤاد في جحره الأحمر الصغير بين الضلوع فيصير أكبر حجمًا، وأكثر دفئًا، ويغدو لنبضه إيقاع مختلف، إيقاع مغاير، إيقاع راقص.

لا شيء معكِ يكفي. دقائق الساعة لا تكفي، وساعات النهار لا تكفي، وأَنهُر الأسبوع لا تكفي، وأسابيع الشهر لا تكفي، وشهور السنة لا تكفي، وسنوات العمر الواحد لا تكفي أيضا.

أدنو منك لكن حتى الدنو منك، مهما كانت درجته، لا يكفي. حتى لو اعتُصرتِ حد الحياة معًا والموت معًا، فذلك لا يكفي، ولن يكفي. جسدكِ المبتسم بكليته، الغنيّ بخيراته، المعطاء بلا حدود، الكريم بلا حساب، الفائض بروحه العظيمة، يجاريني، ويهمس لي ضاحكًا: تملَّكْني في تفلُّتي!

لا أملك إلا الانصياع. وهل لي خيار آخر؟ أرخي ذراعاي وأفلتكِ رغما عني، لا لشيء إلا لأنني أتوق وأتشوّق إلى أن أدنو من جديد أكثر فأكثر.

ولمّا افترقنا لم نفترق. إن يَدِي مثقلة بعطر جسدك. منعّمة به وشقيّة به. أضمُ أصابعها المعطّرة بعطرك، وأدسّها في جيبي مخافة الريح، ومخافة الأنوف الفضولية، ومخافة الأيادي التي قد تسرق العطر مني وهي تمتد إليّ لتصافحني.

أرفع يدي المضمومة على سرّها إلى أنفي، بين الفينة والأخرى، وأتشمّم العطر، وأتركه يتغلغل في كل الأعضاء ويتخللها. وتأبى أبواب الحواس والأحاسيس إلا أن تُشرع، في كل مرة، على مصاريعها، فأنتشي وأنتشي وأنتشي، حتى يصير الانتشاء لي أسلوب حياة مبتغى ومشتهى. وأموتُ، في الأخير، منتشيًا، كما عشتُ مُنتشيًا. انتشاءٌ يجعل من موتي لحظة جميلة ومجنونة ومباركة مثل حياتي تماما.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    الإثنين 13 يوليوز 2026 - 09:14

    “Dance, when you’re broken open. Dance, if you’ve torn the bandage off. Dance in the middle of the fighting. Dance in your blood. Dance when you’re perfectly free”
    “ارقص عندما تنكسر منفتحاً على الحياة. ارقص إذا نزعت الضمادة. ارقص في وسط القتال. ارقص في دمائك. ارقص عندما تكون حراً تماماً.”
    (Jalal al Din Rumi)
    (1207-1273)

    “Dancing is a perpendicular expression of a horizontal desire.”
    “الرقص هو تعبير عمودي عن رغبة أفقيةً”
    (George Bernard Shaw)
    (1896-1950)

    أيها الأديب الثائر،
    لقد سافرتَ بنا في محراب تلك الرقصة المقدسة، لتثبت أن أسرار الوجود لا تُكشف للعقول الحذرة، بل للأرواح الجريئة التي تجرؤ على العيش بالحد الأقصى من المشاعر. وأرى في مناجاتك لها اعترافاً عميقاً بأننا لسنا سوى ذرات عابرة، لا يمنحها الوزن والدفء إلا فيضان الحب ولحظات الانعتاق الخالص من وطأة الزمن ورتابة الأيام. فحافظ على ذلك العطر الساكن في مسام كفك، فإنه درعك الأخير ضد النسيان، لأن
    “الروح التي تذوقت نشوة الحرية مرة، تظل حيةً وعصيةً على الفناء إلى الأبد”.

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء
السبت 24 أكتوبر 2026 - 14:38 13

ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48 8

قفزة جديدة في أسعار الدجاج

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 5

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 20

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع