الدولة ومرض "البَواليس"

الدولة ومرض "البَواليس"
السبت 22 يونيو 2013 - 21:38

تعريفات لابد منها:

– البواسير عبارة عن انتفاخات مؤلمة في الأوردة، الموجودة بفتحة الشرج، نتيجة لتجمع الدم بطريقة غير طبيعية في أوردة الشرج، ما يُؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم داخلها فتبدأ بالتمدد والانتفاخ، الأمر الذي يجعلها مؤلمة جدا مع إمكانية انفجار الأوعية الدموية التي تجعل عملية الجلوس (الاستقرار) شبه مستحيلة.

– البَواليس مرض يصيب الدولة الشمولية نتيجة لتجمع السلط بطريقة غير طبيعية في يد واحدة، ما يؤدي إلى ارتفاع الضغط داخلها تصاحبه أعراض نفسية تتمثل في انتفاخ الأنا و رضا خادع عن الذات يزول مع عودة الألم الشديد كلما حاولت الدولة فرض الاستقرار (أو الجلوس على شرجها المتقرح).

وقع هنا فحسب

في صيف 2005 خرج الكنتاوي، وهو طالب يبلغ من العمر 19 سنة آنذاك، من بيت والديه بمدينة طاطا قاصدا محل البقالة القريب لشراء رغيف تسد به العائلة رمق إخوته الصغار المتحلقين حول مائدة العشاء. خروجه صادف مطاردة العشرات من عناصر الدرك و القوات المساعدة للمئات من سكان البلدة المحتجة على سياسات الإهانة والتهميش.

اعتقل الشاب قبل اقتناء الرغيف وسيق بالنواصي و لأقدام الى مخفر الدرك في سيارة ضابط يدعى شكري مكلف بمكتب جهاز مراقبة التراب الوطني في تلك المدينةالقرية التي لا تحتاج في الأصل إلى مكتب للبصاصين.

أخذ الشاب حصته من “الترصفيق” وشُتِمَت أمه ووالده وجده وعدد من أسلاف آل الكنتاوي ما جعله مستعدا تماما للتوقيع على محضر الضابطة القضائية و حفظ رواية مفادها أنه كان مكلفا بارتكاب أعمال عنف في حق قوات الأمن و عمليات تخريب في عدد من الأحياء. تعليمات التخريب صادرة عبر الهاتف النقال من بعض نشطاء الحركة الاجتماعية بطاطا الذين كانوا محاصرين بمقر الكنفدرالية الديمقراطية للشغل بساحة المسيرة التي حاولت “برودكانات” القوات العمومية اقتحامها إلا أن الباب الحديدي لمقر “بوسبرديلة” و زغاريد النساء كان أقوى من كل الهجومات.

تفصيل بسيط هو أن الطالب الكنتاوي لم يكن يملك هاتفا نقالا، أصلا، حتى يتلقى فيه تعليمات لكن هذا التفصيل كان آخر اهتمامات ضابط الاستخبارات الذي اشرف على الاستنطاق التعذيب داخل “البي جي” في خرق سافر للقانون.

أنكر رجال الدرك اعتقال الطالب أمام أسئلة والدته التي كان أطفالها الجياع يكفكفون دموعها كما رفضوا استقبال عدد من ممثلي الإطارات السياسية و الحقوقية الذين أصروا على معرفة مصير ذاك الذي خرج ذات عشية لشراء الرغيف و لم يعد.

ظهر الشاب بعد ذلك داخل قاعة المحكمة الابتدائية فأخبر القاضي أنه لا يعرف هؤلاء الواقفين بجانبه في قفص الاتهام و الذين اتهموا بإصدار تعليمات لارتكاب أعمال عنف و تخريب. واجه القاضي الطالب بما جاء في محضر الأقوال التي وقع عليها فأجابه بكل عفوية و الخوف يعلو ملامحه: ضربوني و شتموا أهلي ثم قالوا لي “وقع هنا فحسب” !

عودة إلى التعريفات

سبب الرواية التي تعود الى سنة 2005، هو حضوري للندوة التي نظمتها منظمة “هيومن رايتس ووتش” صباح الجمعة الماضي بأحد فنادق الرباط تحت عنوان “وقع هنا فحسب.. المحاكمات الجائرة بناء على الاعترافات التي دونتها الشرطة في المغرب”. التقرير لا يحمل جديدا بالنسبة للمطلعين على الفظائع التي تحدث في جل مخافر شرطتنا إبان الاحتجاز خاصة إذا تعلق الأمر بملف تفوح منه رائحة السياسة كما لن يفاجئ المهتمين بالشأن الحقوقي الذين يرون يوميا القضاة و هم يتعاملون مع محاضر الضابطة القضائية تعامل المتدين مع نص مقدس غير أن ما قرأه إيريك كولدشتاين، على مسامع الصحفيين و قادة المنظمات الحقوقية الوطنية و بينهما الأمير هشام، يبين بالمعطيات الدقيقة أن الدولة المغربية، إن صح التوصيف، تعاني من مرض “البَواليس” و أنها واهمة في سعيها للاستقرار و هي تحاول يائسة الجلوس على شرجها المتقرح.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • samaa italy
    الأحد 23 يونيو 2013 - 12:24

    شكرا اخي رشيد مقال رائع الشعب المغربي كله يعرف من منا لم يكن ضحية تصرفيقة او معيورة دون اي سبب……….وبهده المناسبة اريد ان اهنئك بزواجك الميمون اخي رشيد بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما على خير

  • حسن
    الأحد 23 يونيو 2013 - 12:33

    مما لاشك فيه أن كاتب هاته الخربشات يعاني من عقدة اسمها المخزن بالتعبير العامي وما عليه الا أن يراجع طبيبا نفسيا يفك عنه طلاسيم مرضه الدي طال أمده لعشرات السنين وكل تأخير سيؤدي الى تفاقم حالته فالله سبحانه خلق الداء كما خلق له الدواء وما أنت الا واحد من معاول الهدم والبصاصين حسب قولك لجهات خارجية وفي نضري لا أمانع أن يكون المخزن ظالم مع مخالفي القانون والعملاء والجواسيس وكل من يضمر الشر لبلدي شريطة أن يحافظ على الأمن والأمان والاستقرار لكل مواطن صالح يعتز بوطنيته وفي الأخير أقول لك بأن للمخزن هيبته وستبقى مثل الشوكة التي تنغص حياة العملاء(كلما أرادوا الجلوس على شرجهم المتقرح).كما لايفوتني أن أشكر هسبريس لنشرها لمخلتف الاراء رغم اختلافها وأتمنى أن لايتم حجب رأيي في الموضوع ولكم جزيل الشكر

  • am7dar
    الأحد 23 يونيو 2013 - 19:21

    كما ان التاريخ علمنا مصير دول البواليس , فكدلك هده سيكون لها نفس المصير…

  • salah
    الأحد 23 يونيو 2013 - 20:11

    "س"طالب بكلية…شهر ماي عاد إلى منزل عائلته ليستعد للامتحانات .. ذات صباح طلبت منه والدته أن يتوجه لأداء فاتورة الماء .. المكتب يوجد قبالة باب ثانوية البلدة .. صادف ذلك اليوم إضرابا لتلاميذ المؤسسة .. أدى "س"ثمن الفاتورة وعاد إلى البيت .. بعد مدة وجيزة سمع طرقا بالباب .. إنهما الشيخ والمقدم .. طلبا منه مصاحبتهما إلى السيد القائد فهو يود رؤيته .. "لعلهم يفكرون لي في شغل فأنا إنسان طيب وأستحق كل خير والحمد لله على كل حال" .. شكر"س"الله وراح إلى مكتب السيد القائد .. ظل واقفا لأزيد من ربع ساعة لايعيره أحد اهتماما .. السيد القائد مشغول في حوار طال مع مفتش شرطة .. أخيرا التفتا إليه وأمراه بالجلوس .. الشيخ عن يمينه والمقدم عن يساره ..وأخيرا تكلم السيد القائد تحت نظرات قاسية لمفتش الشرطة: صباح اليوم كنت امام الثانوية تحرض التلاميذ على الإضراب .. من هي الجهة المسؤولة التي تعمل لصالحها ؟ قل لنا اسماء الذين أرسلوك لأداء هذه المهمة .. – أجاب"س":لاأفهم شيئا مما تقصدون ياسادة .. وماسبب تواجدك هناك ؟ فاتورة الماء ياسيدي .. – تعال وقع هنا وأنت معروف وإن عدت لذلك فأنت تعرف مصيرك …

  • الى متى
    الأحد 23 يونيو 2013 - 23:58

    ما قراته ذكرني يقصة اخ صديقتي الذي خرج يوم الجمعة كي يشتري اللبن من عند البقال حتى يفاجئ بعناصر شرطة مدنية يجرون خلفه , الشاب لم يتوقع انهم شرطة لانهم لم يعرفوا بانفسهم , بل ظن انهم لصوص . المهم , حاول الهروب و بدات المطاردة و في الاخير تم القاء القبض عليه و اعتقاله لمدة 3 ايام و تعذيبه بوحشية فقط لانه هرب منهم ! مع العلم انه لم يكن يعرف انهم شرطة , و في الاخير قدم الى المحكمة . و كل هذا ظلم و عدوان

  • أبو النعناع الإفرنجي
    الإثنين 24 يونيو 2013 - 00:59

    أتذكر أنني كدت ألقى نفس مصير الكنتاوي، ذات يوم ربيعي في أڭادير و أنا عائد كعادتي من جامعة إبن زهر. والتهمة: الأوطوسطوپ. فأنا الذي كنت أفضل أن أشتري سجائر أتمتع بها، عوض أن أشتري بها تذكرة للطوبيس يستغرق دهرا لكي يوصلني للمنزل، فقد كان الحل الوحيد هو '' الأطوسطوپ'' حتى الشارع الرئيسي قرب مرجان، بعد ذلك، آخد طاكسيا! لسوء حظي، تصادف وقوفي على رصيف الشارع الرئيسي على بعد كيلومترين من مرجان، وجود أحد عناصر الدي إس تي الذي كان مكلفا بمراقبة المكان لوجود الملك في القصر !
    تصوروا أن إبن القحـ…ة أسمعني من السباب و الشتم ما لم أسمعه في حياتي كلها !!! و ذنبي الوحيد إنتظار طاكسي فوق الرصيف!!!!

  • مجنون أمل
    الثلاثاء 25 يونيو 2013 - 02:21

    تحية طيبة للكاتب رشيد البغيتي،مقال جيد ونحت موفق للالفاظ والمعاني.لقد وضعت يدك، بمقالك المتميز هذا،على جرح غائر في جسم هذا الشعب المنكوب.فمن منا لم يتعرض لتجربة اعتقال؟من منا لم ينكل به وتمرغ كرامته في الوحل؟إنه المخزن المغربي الذي أتقن فنون إخراس الاحرار.فسحقا لزبانية المخزن من شرطة قضائية وقضاة تحقيق وشركائهم في الجرائم قضاة الحكم

صوت وصورة
احتجاج يندد بالتطبيع
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 23:50 14

احتجاج يندد بالتطبيع

صوت وصورة
مباشر | ميطا 3 | فوز "الأسود" على الغابون
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 21:43 2

مباشر | ميطا 3 | فوز "الأسود" على الغابون

صوت وصورة
بنعبد الله وعزوف "شعب اليسار"
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 20:19 5

بنعبد الله وعزوف "شعب اليسار"

صوت وصورة
نتائج الانتخابات ومرشحو رئاسة الحكومة
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 17:54 8

نتائج الانتخابات ومرشحو رئاسة الحكومة

صوت وصورة
البطالة تُهجّر شباب تيفلت
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 14:42 5

البطالة تُهجّر شباب تيفلت

صوت وصورة
أسعار اللحوم تواصل الارتفاع
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 10:48 12

أسعار اللحوم تواصل الارتفاع