كنتُ منذُ زمن مأخوذًا بسِيَر رجال السياسة ونِسَائها. لم يكن اهتمامي منصبًّا على القرارات والخطب والمواقف وحدها.
كانت التفاصيل الصغيرة تستوقفني أكثر: طريقة الجلوس، لحظة الصمت قبل الإجابة، النظرة التي تسبق المصافحة، حركة اليد حين يشتد النقاش، الابتسامة التي تظهر في غير موضعها، والضحكة التي تخرج فجأة من وجه اعتدنا رؤيته صارمًا، شديد الانتباه لكل حركة.
ومن بين كل هذه التفاصيل، ظلت الضحكة أكثرها إثارة لفضولي. ربما لأن السياسة من أكثر العوالم التي يتعلم فيها الإنسان التحكم في وجهه. يعرفُ السّياسي أن وجهه ليس ملكًا له وحده. كل عبوس قد يُفسَّر، وكل لحظة تردّد قد تتحوّل إلى عنوان، وكل ضحكة قد تحمل أكثر مما أراد صاحبها أن يقول.
ومع ذلك، يحدث أحيانًا أن تنفلت الضحكة من هذا النظام كله، فتبدو كما لو أنها ثغرة صغيرة في جدار شديد الإحكام.
كنت أتساءل وأنا أراقب تلك اللّحظات: أيّ ضحكة هي الحقيقيَة؟ أهي الضحكة التي تخرج من القلب حين يغيب الحذر للحظة؟ أم تلك التي صارت مع الزمن جزءًا من الشخصية العامة، تُستدعى عند الحاجة كما تُستدعى العبارة المناسبة في الخطاب؟
أهي التي تظهر بين المقربين، أم التي تُطلق أمام الحشود؟ أهي التي ترافق النصر، أم تلك التي تظهر في أشد لحظات التوتر، حين يصبح الضحك وسيلة لمقاومة القلق بدل التعبير عن الفرح؟ لا يضحك الإنسان دائمًا لأنه سعيد. قد يضحك لأنه مرتبك.
قد يضحك لكي يخفف حدة موقف ثقيل. قد يضحك وهو يغطي غضبًا لم يحن وقت إظهاره. قد يبتسم في وجه خصم كي لا يمنحه لذة اكتشاف انزعاجه. قد يضحك بعد سؤال محرج ليكسب بضع ثوانٍ قبل الجواب. وقد يرسل ابتسامة هادئة إلى جمهور قلق كأنها تقول من غير كلمات إن الأمور تحت السيطرة.
ضحكة على هامش الهَيْبة
في السياسة تحديدًا، تصبح الابتسامة أحيانًا جزءًا من فن إدارة المسافة بين الإنسان والآخرين. هناك ابتسامة ترحّب، وأخرى تطمئن، وثالثة تناور. ابتسامة تفتح الباب، وأخرى تغلقه بأدب. ابتسامة تحتفي بالنصر من غير أن تعلنه صراحة، وأخرى تخفّف مرارة الهزيمة.
ابتسامة قد تحمل لطفًا حقيقيًا، وأخرى لا تخلو من برودة دقيقة. وقد يكون سِرّ الضحكة كلها في هذا التفاوت بين ما تفعله الشّفتان وما تقوله النّظرة. أما الضّحكة الصادقة فغالبًا ما تُربك الصورة الرسمية. فجأة يتغيَّر الوَجهُ كلُّه. تختفي للحظات ملامحُ المنصب والهيْبة والبروتوكول.
تتراجعُ المسافة التي صنعتها السّلطة، ويظهر وجْهٌ أكثر بساطة وألْفة. قد يبدو صاحبه أصغر سنًا، أو أكثر دفئًا، أو حتى أكثر هشاشة مما توحي به صورته المعتادة. إنها لحظة قصيرة، ثم يعود كل شيء إلى مكانه؛ يستقيم الجسد، تهدأ الملامح، تستعيد العينان يقظتهما، ويعود الوجه إلى وظيفته العامة.
ما يفضحه الوجه وما يسترُه
لطالما أثارني هذا التحوّل السريعُ. كيفَ يستطيع السياسي أن ينتقل في ثوانٍ من الضحك إلى الصّرامة؟ كيف تنطفئ الملامح المفتوحة بهذه السّرعة وتعود إلى ذلك الحضور المنضبط؟ ربما لأن من يعيش طويلًا تحت النظر يتعلّم أن يغلق وجهه كما يغلق بابًا.
وربما لأن السّلطة نفسها تفرض نوعًا من الاقتصاد في التعبير. فالفرح الزائد قد يُفهم ضعفًا، والانفعال المفرط قد يُقرأ فقدانًا للسيطرة، والضحكة الطويلة قد تبدو في بعض المواقف خروجًا عن الوقار.
لهذا لا تكون ضحكة السياسي مجرد شأن شخصي، إنها تقع في منطقة مشتركة بين الإنسان والدَّوْر الذي يؤديه. جزء منها ينتمي إلى طبعه، وجزء آخر تصنعه التجربة والإعلام، والاحتكاك المتواصل بالنّاس، والخوف من التأويل. ومع مرور السنوات قد يصبح من الصعب حتى على صاحبها أن يعرف أين تنتهي عفويته وأين تبدأ عاداته المكتسبة.
الضّحكة بوصفها أثرًا خفيًا
كم من ابتسامة تكررت حتى أصبحت علامة ثابتة في الوجه، وكم من ضحكة كانت في الأصل طبيعية، ثم تحولت بالتدريج إلى جزء من الحضور العام؛ ربما لهذا السبب تحديدًا تسحرني اللحظات التي يختل فيها ترتيب المواقف والأمور؛ لحظة يسمع فيها السياسي شيئًا غير متوقع فيضحك قبل أن يستعيد تحفظه.
لحظة يلتفت فيها إلى مَن بجواره فتخرج ابتسامة صغيرة بعيدة عن الكاميرا الرسمية. ليس الصدق نقيضًا دائمًا للتّمثيل، ولا تبدأ الصّنعة بالضرورة حيث تنتهي العفوية. قد تولد الابتسامة من شعور صادق، ثم تجد، في اللحظة نفسها، مَن يهيّئها للصورة. قد يضحك السياسي من قلبه، فيما يظلّ جزءٌ منه واعيًا بأن الكاميرا تلتقط اللحظة وتصنع لها ذاكرة.
ولعلّ المفارقة تكمن هنا تحديدًا: أن نعيش اللحظة بصدق، وأن نرى أنفسنا، في الوقت ذاته، كما ستَرانا عيون الآخرين. أمّا ضحكة السياسي، فتبقى معلّقة بين عفوية الإنسان وحسابات الصورة؛ نصفها لهُ، ونصفها للتاريخ.
حين لا يكون الوجه وجهًا واحدًا
قد تكون الضحكة أكثر الوجوه مراوغة؛ تبدو كأنها تكشف صاحبها، فيما تترك لنا أن نختار ما نراه خلفها. ذلك أن الضحكة لا تحمل معناها معها؛ نحن من نُلحق بها المعنى، بما نحمله من ظنون ومشاعر وأحكام مسبقة. لهذا أعتبر ضحكات السياسيين نصوصا صغيرة قابلة للقراءة من غير الجزم بمعناها تمامًا؛ فيها علامات، وإشارات، واحتمالات، ومساحات صامتة.
والجميل أن الذاكرة تحتفظ بهذه التفاصيل بطرائق غريبة، قد تضيع من الذاكرة صفحات كاملة من الخطب، وتبقى ضحكة واحدة. قد ننسى نصَّ الجَواب، ونذكر كيف ابتسم صاحبه قبل أن يجيب.
ومَهْما الْتَبس علينا أمْر الضّحكة، يبقى فيها شيءٌ عصيٌّ على الشرح؛ ومضةٌ يعْبُرُ فيها الإنسان من داخله إلى وجهه، ثم يعود، تاركًا على ملامحه أثرَ عبُورِه.
لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.
السياسي، شأنه شأن الممثل المسرحي أو السينمائي، يتقمص الشخصية التي يفرضها عليه السيناريو: يبتسم تارة، يعبس تارة، يغضب حين يقتضي المشهد، ويفرح حين يحين دور الفرح، ويتظاهر باللامبالاة حين يستدعيها الموقف… كل ذلك وفق تعليمات المخرج.
وفي نهاية العرض، لا يهم كثيرًا ما قيل أو ما فُعل… المهم أن يصفق الجمهور!