العالم في معادلة الفكر النقدي

العالم في معادلة الفكر النقدي
السبت 17 فبراير 2024 - 23:06

يحتاج المجتمع المعاصر إلى التفكير لتحليل الواقع وتفكيكه، بهدف تشخيص وتحديد مكامن التعثر والخلل في الوضع البشري الذي أصبح يعيش على إيقاع الكراهية والعنصرية والحروب. كما يعتبر التفكير النقدي بمثابة البوصلة الناجعة القادرة على تثمين الإيجابيات وتفكيك السلبيات، بشكل جدلي للتعامل مع عالم اللايقين الذي أصبح مهيمنا (الأزمات الاقتصادية، الحروب، الفقر، الكوارث الطبيعية، الاحتباس الحراري، التلوث، الجفاف، تدمير البيئة …)؛ وذلك باقتراح الحلول والبدائل المناسبة من أجل التعايش والتضامن، باعتماد الاعتراف والإنصاف لتحقيق العيش المشترك بين الأفراد والشعوب والدول.

لقد أصبحنا، اليوم، في حاجة ملحة إلى استعمال العقل في الفضاء العمومي لتصحيح علاقة الفكر بالواقع؛ وذلك بتحليل الذات والآخر في ازدواجية جدلية تهدف إلى تشخيص أعطاب وأخطاء العالم في النظرية والممارسة وتصحيحها، لبناء ثقافة الاعتراف والإنصاف والعيش المشترك بين الدول والشعوب وترسيخ القيم الإنسانية النبيلة المبنية على الحرية والكرامة والتعاون والتضامن الإنساني.

1ـ العالم في حاجة إلى التفكير النقدي

يتطلب الواقع الفكري المعاصر ممارسة التفكير والنقد المزدوج للأنساق الفكرية والثقافية المهيمنة وطرح الأسئلة وتجديدها، لتحقيق المصداقية بين القول والفعل واسترجاع الثقة التي أصبحت مفقودة في الفضاء العام؛ وذلك نظرا لما أصبح يعانيه الإنسان المعاصر من أزمات فكرية وثقافية واقتصادية واجتماعية، في عالم يتميز باللايقين. زاد في تعميق معاناته وإحساسه بالظلم والاغتراب في ظل نظام الليبرالية الجديدة التي تصاعدت حدتها في مصادرة الحقوق والمكتسبات للمواطن الكوني في جميع المجتمعات. هذا الواقع ومتغيراته أصبح في حاجة إلى الفكر النقدي كبوصلة لتحديد الاتجاه وتصحيح المسار الإنساني وأداة التعامل مع الواقع بكل تعقيداته، لإبداع الأفكار واقتراح الحلول فكريا وثقافيا وسياسيا واجتماعيا. كما يتيح هذا التفكير تطوير الفكر النقدي في تفاعل جدلي مع الواقع، لأنه يستمد مصداقيته من التحليل العلمي والموضوعي ومن المراجعة الدائمة لبنائه النظري من أجل التطوير، باحثا عن إمكانيات البناء المعرفي وفهم بنيات المجتمع في سكونه وتطوره.

وإذا كانت الممارسة هي تصحيح مغالطات العقل النظري فهذا يتطلب تفكيك وإعادة بناء الخطاب الفكري، لتفكيك بنيات التخلف وما تنتجه من رداءة وتفاهة في سياق دولي يتميز بتراجع الفكر العقلاني والإنساني على الصعيد العالمي وسيطرة التفاهة في جميع الميادين؛ وهو ما أصبح معاشا في الوضع الحالي. في هذا السياق، يمكن ملاحظة تراجع القيم الديمقراطية والإنسانية وحقوق الإنسان في العالم وهيمنة خطاب العنصرية والكراهية في التعامل مع قضايا عادلة؛ مثل حقوق الشعب الفلسطيني والتحرر من الاحتلال الإسرائيلي وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس. كما أن حجم الانحطاط والانحدار الذي يوجد فيه المجتمع المعاصر وإفلاس القيم الإنسانية يسائل الفاعل السياسي الكوني والمجتمع المدني والمثقفين ومسؤوليتهم في الدفاع عن الإنسان وحقوقه، مع الاستفادة من التطور المعرفي والثورة العلمية والرقمية التي تميز المجتمع الإنساني المعاصر.

إن ربح رهان التنمية والتطور المعرفي والعلمي رهين بالنهوض بالفكر، لجعل الذات المجتمعية قادرة على التفكير ومسايرة العلم والمعرفة المعاصرة من جهة، ومن جهة أخرى تملك الآليات المعرفية والتقنية لتجاوز الازدواجية والصراع بين التقليد والحداثة بجعل المجتمع العربي في قلب السيرورة التاريخية المعاصرة وتطوير الذات وجعلها تندمج في المجتمع، لتجاوز أعطاب حداثتنا المتعثرة وصناعة المستقبل. هذا الطموح الفكري سيمكن من تطوير سردياتنا للماضي بالتفكير والنقد والمصالحة مع الذات وجعلها تواكب العصر بتملك العلم والمعرفة والإبداع، لجعل هويتنا الثقافية متجددة ومتفاعلة مع الثقافات الأخرى بكل ثقة وبعيدة عن الشعبوية، من موقع الإبداع والابتكار والإنتاج، وليس فقط من موقع الاستهلاك والانبهار بالآخر.

2ـ حاجة المجتمع العربي إلى الفكر النقدي

إن المجتمع العربي لا يخرج عن هذا المشهد المتردي والتدهور الحاصل في المشهد الفكري والثقافي والسياسي العالمي والذي أفقد المواطن العربي مكتسباته وقيمه وتضامنه والسقوط في المغالطات والتضليل. في وقت، يفترض هذا الواقع التفكير والمعالجة لتطوير المجتمع بمكوناته الثقافية والفكرية والعلمية المختلفة والمتنوعة. وفي هذه الحالة، يعتبر التفكير النقدي بمثابة البوصلة الناجعة القادرة على تثمين الإيجابيات وتفكيك السلبيات، بشكل جدلي للتعامل مع عالم اللايقين الذي أصبح مهيمنا (الأزمات الاقتصادية، الحروب، الفقر، الكوارث الطبيعية، الاحتباس الحراري، التلوث، الجفاف، تدمير البيئة…)، وتقديم بدائل وحلول موضوعية للأزمة البنيوية والمركبة التي تعيشها الليبرالية الجديدة والمتوحشة، من أجل فرملتها وتجاوز سلبياتها، عبر التفكير في القضايا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بالارتكاز على ثقافة الاختلاف والاعتراف والإنصاف لتحقيق العدالة الاجتماعية والعيش المشترك بين الأفراد والشعوب.

في هذا السياق، يفترض التفكير النزيه والموضوعي الاستمرار في استخدام العقل في القضايا العامة وعدم السقوط في الجمود وتقديم إجابات نهائية ومغلقة، متمركزة على الذات؛ لأن الانغلاق والتعصب والتمركز على الذات هو الذي أنتج الفكر الشمولي النازي والفاشي والعنصرية ويقفز على التناقضات والاختلاف الذي يحرك التاريخ ويعطي الدينامية الخلاقة والمبدعة لمشهدنا الفكري والثقافي ويفتح إمكانية التطور والتقدم.

يرتكز التفكير النقدي البناء على جدلية الواقع والفكر، لفهم الواقع المركب والمتناقض في الثقافة والسياسة والاقتصاد وعلاقتهم باليقين واللايقين، واقتراح الحلول والبدائل بهدف إعادة بناء القيم الإنسانية التي لا تتجزأ وتحقيق التعايش العادل بين الشعوب والدول، باعتماد الاعتراف والإنصاف. يقول الفيلسوف الألماني أكسل هونت في كتابه “الصراع من أجل الاعتراف”: “المجتمع الجيد هو المجتمع الذي يسمح لأفراده بتحقيق ذواتهم واستقلاليتهم من خلال توفير الظروف الثقافية والاقتصادية والاجتماعية. كما أنه المجتمع الذي يسمح لأفراده بتحقيق أحلامهم بدون المرور من تجربة الاحتقار أو الإقصاء. أو بعبارة أخرى جامعة، فالمجتمع الجيد هو الذي يضمن لأفراده شروط حياة جيدة”. وهذا يعني أن المجتمع الجيد لا يمكن تحقيقه بدون تفكير جيد وبدون وعي خلاق ومبدع، يرتكز بالأساس على أهمية العلم والمعرفة في بناء الإنسان ودوره داخل المجتمع ومشاركته، باعتباره مواطنا فاعلا ومسؤولا في الحياة العامة.

لا يزال الاجتهاد الفكري في العالم العربي يتطلب مجهودات مضاعفة من أجل النهوض بالحركة الفكرية والعلمية والأدبية، لإعادة بناء الذات على أسس معرفية سليمة تساعد العقل العربي على التفكير وإنتاج المعرفة بمنهجية علمية وجدلية لتفكيك الواقع وإعادة بنائه بشكل متواصل، لمواكبة العصر من موقع الفاعل والتفاعل مع الآخر، دفاعا عن الذات وحقها في الوجود والتنمية واستقلاليتها وانفتاحها العقلاني الذي يحميها من الانغلاق والتفكك والاغتراب؛ وذلك بواسطة الفكر المتجدد والعلم والأدب، لتحقيق الإشعاع والانتقال من المحلية إلى الكونية، والتفاعل البناء مع لغات وثقافات العالم.

3ـ أهمية الفكر النقدي المزدوج

تناول عبد الكبير الخطيبي النقد المزدوج باعتباره تفكيرا ونقدا للذات والآخر. يقوم بتفكيك خطاب الهوية المتمركز على الذات الذي يلغي الاختلاف والتعدد ورؤية المستقبل في الماضي؛ وكذلك نقد الآخر ومركزيته الأوروبية المتعالية والغارقة في العنصرية والكراهية. لقد أسس مشروعه الفكري على نقد خطاب الهوية للفكر العربي منذ عصر النهضة جاعلا من المنهج الجدلي وفكر التفكيك والاختلاف لجاك دريدا آليات منهجية لتفكيك الثقافة العربية والغربية على السواء.

كما يعد عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري وعبد السلام بن عبد العالي ومحمد سبيلا من أبرز المفكرين المغاربة الحاملين للفكر النقدي المغربي والعربي المعاصر، إذ قاموا بدراسة ونقد الواقع المغربي والعربي دراسة نقدية والدفاع عن مشاريعهم الفكرية الحداثية باحثين عن تأسيس نظري وتاريخي للحداثة العربية الشاملة وإمكانية الانتقال من الفكر التقليدي وتبعاته إلى الفكر العقلاني المؤسس على العلم والمعرفة والقيم الحداثية مع ما يفترض ذلك من نقد لهذا الأخير في شكله الأحادي والأداتي وتشكيل وعي فكري جديد يعتمد على فلسفة التواصل وثقافة الاعتراف والإنصاف ويتفاعل جدليا مع الفكر الإنساني المعاصر. وبالتالي أصبحت الحداثة حتمية تاريخية وسيرورة يتعين الأخذ بها في جميع المجالات بالنسبة للدولة والمجتمع، ولا يمكن الاستغناء عن مجال دون آخر. كما أن الحداثة لا تتناقض مع الموروث الثقافي في جانبه المتنور الذي يتجاوب مع العقل والمتغيرات المعاصرة، بما يخدم مصلحة الإنسان وحريته وتقدمه، في إطار مجتمع قوي بمؤسساته الدستورية وبثقافة الوحدة والاختلاف وقيم المواطنة والعدالة الاجتماعية.

إن التفكير البناء والنقد المزدوج يجعلان الذات والآخر موضوعا للتحليل والمساءلة عبر جدلية التفكيك والبناء والاحتفاظ بإيجابيات موروثنا الفكري والعلمي والثقافي وتطويره، ومعالجة السلبيات في كل مجال من المجالات، في إطار سيرورة دائمة التطور لتحقيق التغيير الإيجابي والهادف وتجنب الهزات الارتدادية الشعبوية، والتي تستفيد من حالة التعثر الذي يصيب الفكر العقلاني النقدي، باعتباره فكرا علميا مركبا.

أيضا، لا يمكن أن يتطور الفكر النقدي البناء إلا في إطار فضاء عمومي يتميز بالحرية الفكرية والحق في الاختلاف، بحثا عن الحقيقة الموضوعية التي تساهم في تطوير الواقع وتحقيق التنمية وتجاوز حالة الجمود والتدهور الذي يصيب المجتمع، والتي جعلت العالم العربي هدفا للكولونيالية.

إن النهوض بالفكر النقدي البناء وإشعاعه في الجامعات والمعاهد والمنابر الإعلامية وهيئات المجتمع المدني والأحزاب السياسية سيؤدي إلى إعادة بناء مناعة المجتمعات العربية وقوتها في الدفاع عن مصالحها، ويصبح المجتمع قادرا على مواجهة تحديات اللايقين وتفكيك التفاهة والشعبوية ومظاهر التخلف والانحطاط.

خاتمة

يعتبر التفكير البناء والنقد المزدوج رافعة أساسية لفهم واقع المجتمع المعاصر وتصحيح أعطابه وسلبياته، بالرغم من الملاحظات والانتقادات التي توجه إليه. إنه المرجعية الفكرية التي جعلت المغرب الحديث يشق طريقه نحو الحداثة لبناء مجتمع حداثي، بالرغم من الإكراهات والتحديات الذاتية والموضوعية التي تعترضه والتي تعيق تقدمه وإشعاعه.

إن الفكر العربي المعاصر أصبح مطالبا بنقد مزدوج وجريء لإنقاذ المجتمع من الزمن الضائع، والدخول إلى التاريخ مجددا من موقع متكافئ مع باقي دول العالم، معتمدا على المعرفة العلمية والخلق والإبداع، لتجاوز حالة التعثر والفشل. كما أن النقد المزدوج مطالب، بدوره، بمراجعة شرطه الذاتي والموضوعي، للخروج من واقع الجمود والرتابة، ليصبح فكرا خلاقا ومبدعا في جميع المجالات، لتعزيز حضور العقل والفكر العلمي في الفضاء العمومي وتطوير موروثنا الثقافي والفكري وتجديده وحل إشكالية التقليد والحداثة والإجابة عن قضايا العصر بشكل خلاق ومبدع، لبناء الإنسان المعاصر القادر على مواكبة العصر وإيجاد الحلول لمختلف التحديات والمتغيرات التي يفرضها عالم اللايقين.

(*) أستاذ باحث في الترجمة بالمعهد الجامعي للدراسات الإفريقية والأورومتوسطية والإيبرو أمريكية بجامعة محمد الخامس، الرباط

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • Lamya
    الإثنين 19 فبراير 2024 - 09:17

    مقال ممتازو قيم و لكن مثل هذه الأفكار لم يعد يهتم بها حأد و طغت النرجسية و حب الذات و التفاهة و الشعبوية و لم يعد أحد ينتقذ ذاته لتطويرها و أصبح التنابز او مصادرة الرأي الاخر هو سيد الموقف

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام