العيد في قبضة "الشناقة"

العيد في قبضة "الشناقة"
الثلاثاء 19 ماي 2026 - 23:41

في المغرب، يكفي أن تدخل إلى سوق للماشية قبل العيد حتى تشعر وكأنك دخلت إلى امتحان جماعي للأعصاب، لا إلى فضاء للبيع والشراء. الوجوه متوترة، الآباء يحسبون ما بقي في الجيوب أكثر مما يتأملون الخرفان، والجملة نفسها تتكرر كل سنة كأنها نشيد وطني موسمي: “الأسعار شاعلة”. لكن الغريب أن الخروف نفسه، الذي خرج من عند الكسّاب بثمن معين، يصل إلى المواطن بثمن آخر وكأنه قطع نصف العالم قبل أن يصل إلى السوق. وبين البداية والنهاية يظهر “الشناق”، ذلك الشخص الذي لا يربي الخروف ولا يتحمل تعب المواسم والجفاف والعلف، لكنه يخرج غالبًا بأكبر نصيب من الربح.

الشناق في المغرب لم يعد مجرد وسيط بسيط بين البائع والمشتري. لقد تحول مع الوقت إلى جزء من اقتصاد كامل يعيش على المضاربة واستغلال التوتر الاجتماعي. فهو يعرف جيدًا أن أضحية العيد ليست مجرد شراء لحم، بل مسألة مرتبطة بنظرة المجتمع وبصورة الأب داخل بيته وأمام جيرانه. لذلك لا يبيع الخروف فقط، بل يبيع أيضًا خوف الناس من الإحراج.

في الأسواق، لا يحتاج الشناق إلى دراسة علم النفس حتى يفهم الزبائن. يكفيه أن يرى أبًا جاء رفقة أطفاله حتى يدرك أنه لن يعود خالي اليدين مهما ارتفع الثمن. ويعرف أيضًا أن المواطن كلما تأخر في الشراء زاد خوفه من ارتفاع الأسعار أكثر، فيتحول السوق إلى لعبة أعصاب حقيقية: الكل يشتري لأنه خائف من الغد، والكل يرفع السعر لأنه يعرف حجم هذا الخوف.

ومع اقتراب العيد، يفقد السوق أي منطق عادي. لا أحد يعرف السعر الحقيقي، ولا أحد يفهم كيف تقفز الأثمان بهذا الشكل خلال أيام قليلة. يصبح الأمر أشبه بموجة هلع جماعي يرتدي جلباب المناسبة الدينية. المواطن يشتكي، والكساب يشتكي، وحتى بعض الباعة يشتكون، لكن الشناق وحده يبدو دائمًا مرتاحًا وسط هذا الارتباك الكبير.

المشكلة أن الشناق لا يعيش وحده، بل يتحرك داخل بيئة تساعده على التمدد. حين تغيب المراقبة الحقيقية، وتتحول الأسواق إلى فضاءات مفتوحة للفوضى، وحين يقتنع المواطن بأن “هذا هو حال السوق”، تصبح الشناقة شيئًا عاديًا لا يثير الاستغراب. وهكذا يتحول الربح السريع إلى ثقافة يومية، لا في الأضاحي فقط، بل في كل شيء تقريبًا.

اليوم تجد الشناقة في العقار، وفي الخضر، وفي السيارات المستعملة، وأحيانًا حتى في المواعيد الإدارية. كأن المجتمع كله صار يحلم بالربح السريع أكثر مما يحلم بالإنتاج والعمل الطويل. الكل يريد أن يشتري قبل الآخرين ليبيع بعدهم. والنتيجة أن المواطن البسيط يجد نفسه دائمًا في آخر السلسلة، يؤدي ثمن المضاربة وثمن الفوضى وثمن غياب المراقبة معًا.

المؤلم في كل هذا أن ضحية هذه اللعبة لم تعد فقط الأسر الفقيرة، بل حتى الطبقة الوسطى التي كانت إلى وقت قريب قادرة على تدبير مواسمها دون اختناق. اليوم، كثير من العائلات تدخل العيد بالديون، فقط حتى لا تشعر بأنها أقل من الآخرين. بعض الآباء لم يعودوا يبحثون عن أضحية جيدة، بل عن طريقة للهروب من نظرات الأبناء والجيران وأسئلة الأقارب.

وهكذا يتحول العيد، الذي من المفروض أن يكون مناسبة للفرح والتضامن، إلى موسم ضغط نفسي واستهلاك مرهق. يدخل المواطن إلى السوق وهو يشعر أنه متأخر دائمًا، وأن الجميع يسبقه بخطوة: الشناق، والسماسرة، والمضاربون، وحتى الخوف نفسه.

لهذا فالمشكل ليس في شخص الشناق وحده، بل في عقلية كاملة أصبحت تستثمر في قلق الناس أكثر مما تستثمر في العمل الحقيقي. ومحاربة الشناقة لا تكون بحملات موسمية عابرة أمام الكاميرات، بل بإعادة شيء من الثقة والتنظيم إلى السوق، والأهم بإعادة الإنسان إلى حجمه الطبيعي، بدل أن تظل قيمة المواطن مرتبطة بما يستطيع شراءه في موسم واحد من السنة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • amaghrabi
    السبت 23 ماي 2026 - 17:24

    ما دام فقهاء القرون الوسظى يتربعون في الساحة الاجتماعية المغربية والاسلامية عامة فدار لقمان تبقى على حالها ان لم تزداد سوء على سوء.مع الاسف شعبنا يقوده فقهاء يدعون الى التشبث بثقافة انتهت صلاحياتها واصبحت عبئا ثقيلا على الدولة وعلى المجتمع ولا فائدة فيها سواء كانت ايمانية او اجتماعية او نفسية وانما اصبحت عادة راكمت سلبيات قديمة وجديدة زادت المعاناة المادية الثقيلة على فقرائنا وزادت حريق الرأس على دولتنا التي تتهم في كل مناسبة بالتقصير وعدم مراقبة الشناقة وتجار المواشي الذين يجدون ضالتهم في سذاجة شعبنا وفي نقص دولتنا وصعوبتها لكي تراقب وتعاقب كل من تجاوز الحدود في الغش والمناورة والحيل .الحل في نظري يوجد عند شعبنا الذي يتضرر وليس عند الشناقة المستفيد الاول وليس في فشل المسؤولين في المراقبة الصارمة لان الاضحية سنة وليست فرضا واليوم سلبياتها اكثر من ايجابياتها ما دامت عباداتنا في اغلب الاحيان شكلية

  • مواطن مغرب
    السبت 23 ماي 2026 - 18:48

    مشكور أخي على هذا المقال مشكل الشناقة كما ذكرت ما كان ليوجد لولا البيئة السخية التي تربى في حضنها المراقبة في الدول التي تحترم نفسها تكون عفوية و تلقائية و لا تنتظر مناسبات أو ضجيج أوحوادث أو شيء من هذا القبيل لو كانت هناك منظومة فعالة لمراقبة الأسعار طول السنة لكانت الأوضاع جيدة و تحس بأنه هناك من يراقب و يسعى لما فيه الخير للجميع تحياتي

صوت وصورة
ذكرى رحيل الحسن الثاني
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 12:04 2

ذكرى رحيل الحسن الثاني

صوت وصورة
نادية فتاح والرفع من الأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 11:44 6

نادية فتاح والرفع من الأجور

صوت وصورة
البواري ودعم الفلاحين
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 08:42 2

البواري ودعم الفلاحين

صوت وصورة
"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 00:30 2

"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"

صوت وصورة
لقجع وواقع الصحة بالمغرب
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:56 5

لقجع وواقع الصحة بالمغرب

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09 1

شوكي: المواطن والمغرب العميق